في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

180

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ، بل هو شر لهم ، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة . ولله ميراث السماوات والأرض ، والله بما تعملون خبير . لقد سمع الله قول الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء . سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ، ونقول ذوقوا عذاب الحريق . ذلك بما قدمت أيديكم ، وأن الله ليس بظلام للعبيد . الذين قالوا : إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار . قل : قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ، فلم قتلتموهم ، إن كنتم صادقين ؟ فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير )

لم ترد في الآية الأولى من هذه المجموعة رواية مؤكدة ، عم تعنيهم ، ومن تحذرهم البخل ، وعاقبة يوم القيامة . . ولكن ورودها في هذا السياق يرجح أنها متصلة بما بعدها من الآيات ، في شأن اليهود . فهم - قبحهم الله - الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء . وهم الذين قالوا : إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار .

والظاهر أن الآيات في عمومها نزلت بمناسبة دعوة اليهود إلى الوفاء بالتزاماتهم المالية الناشئة عن معاهدتهم مع الرسول [ ص ] ودعوتهم كذلك إلى الإيمان بالرسول [ ص ] والإنفاق في سبيل الله .

وقد نزل هذا التحذير التهديدي ، مع فضح تعلات اليهود في عدم الإيمان بمحمد [ ص ] ردا على ما بدا من سوء أدبهم مع ربهم ، ومن كذب تعلاتهم ؛ ونزلت معه المواساة للرسول [ ص ] عن تكذيبهم ، بما وقع للرسل قبله مع أقوامهم . ومنهم أنبياء بني إسرائيل ، الذي قتلوهم بعد ما جاءوهم بالبينات والخوارق كما هو معروف في تاريخ بني إسرائيل :

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ، بل هو شر لهم ، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة . ولله ميراث السماوات والأرض . والله بما تعملون خبير )

إن مدلول الآية عام . فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم ، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله ؛ ويحسبون أن هذا البخل خير لهم ، يحفظ لهم أموالهم ، فلا تذهب بالإنفاق .

والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب ؛ ويقرر أن ما كنزوه سيطوقونه يوم القيامة نارا . . وهو تهديد مفزع . . والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم ( يبخلون بما آتاهم الله من فضله ) . . فهم لا يبخلون بمال أصيل لهم . فقد جاءوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئا . . ولا جلودهم . . ! فآتاهم الله من فضله فأغناهم . حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا " من فضله " شيئا لم يذكروا فضل الله عليهم . وبخلوا بالقليل ، وحسبوا أن في كنزه خيرا لهم . وهو شر فظيع . وهم - بعد هذا كله - ذاهبون وتاركوه وراءهم . فالله هو الوارث : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) . . فهذا الكنز إلى أمد قصير . ثم يعود كله إلى الله . ولا يبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته فيبقى مدخرا لهم عنده ، بدلا من أن يطوقهم إياه يوم القيامة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

{ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وان الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير }

المفردات :

ما آتاهم : أي ما أعطاهم من المال والعلم والجاه .

سيطوقون ما بخلوا به : أي سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة وقد جاء في أمثالهم : تقلدها طوق الحمامة إذا جاء بما يسب به ويذم .

ميراث السموات والأرض : أي ما يتوارثه أهلهما من مال غيره .

180

التفسير :

180- { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم . . }

أي ولا يظنن احد ان بخل الباخلين بم اعطاهم الله من فضله ونعمه هو خيرا لهم لانهم مطالبون بشكران النعم والبخل بها كفران لا ينبغي ان يصدر من عاقل .

والمراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة وفي الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد ويهدد استقلالها ويصبح أهلها أذلة بعد ان كانوا أعزة أو إنقاذ شخص من مخالب الموت جوعا .

ففي كل هذه الأحوال يجب بذل المال لانه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس .

وليس الذم والوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه إذ إن الله أباح لنا الطيبات لنستمع بها ولأن العقل قاض بأن الله لا يكلف الناس بذل ما يكسبون ويبقون عراة جائعين ومن ثم قال في حق المؤمنين المهتدين { ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة 3 ) .

وجاءت الآية بطريق التعميم ترغيبا في بذل المال بدون تحديد ولا تعيين ووكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه وما تحدثه في النفس من أريحية بذل الواجب والزيادة عليه إذا هو تذكر أن في ماله حقا للسائل والمحروم .

{ بل هو شر لهم } . أي هو شر عظيم لهم وقد نفى أولا ان يكون خيرا ثم أثبت كونه شرا لأن المانع للحق إنما يمنعه لانه يحسب أن في منعه خيرا له لما في بقاء المال في يده من الانتفاع به في التمتع باللذات وقضاء الحاجات ودفع الغوائل والآفات .

سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة . أي سيجعل ما بخلوا به من المال طوقا في أعناقهم ويلزمهم ذنبه وعقابه ولا يجدون إلى دفعه سبيلا كما يقال : طوقني الامر أي ألزمني إياه .

وخلاصة هذا ان العقاب على البخل لازم لابد منه .

وقال مجاهد : أن المعنى : سيكلفون ان يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يستطيعون ذلك توبيخا لهم على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا ميسورا ونظير هذا قوله تعالى : { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ( القلم 42 ) .

ويرى بعضهم ان التطويق حقيقي وأنهم يطوقون بطوق يكون سببا لعذابهم فتصير تلك الأموال حيات تلتوي في أعناقهم فقد روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع ( ثعبان ) أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزميته ( شدقيه ) يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا الآية " 145 .

{ ولله ميراث السموات والأرض } . أي لله وحده لا لأحد سواه ما في السموات والأرض ما يتوارث من مال وغيره فينقل من واحد إلى آخر لا يستقر في يد ولا يسلم التصرف فيه لأحد إلى ما يفني الوارثون والموروثون . ويبقى مالك الملك وهو الله رب العالمين .

فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقون في سبيله وابتغاء مرضاته .

وفي الآية إيماء إلى ان كل ما يعطاه الإنسان من مال وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه فإنه غير باق فلا ينبغي أن يستبقي الفاني ما هو مثله في الفناء بل عليه ان يضع الأشياء في مواضعها التي لها وبذا يكون خليفة الله في أرضه محسنا للتصرف فيما استخلف .

{ والله بما تعملون خبير } . أي والله لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ولا ما تنطوي عليه جوانحكم فيجازي كل عامل بما عمل بحسب تأثير عمله في تزكية نفسه او تدسيتها ونيته في فعله كما جاء في الحديث : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

{ الذين يبخلون } يمنعون الزكاة وغيرها .

{ هو خيرا } هو فصل وخيرا ، مفعول ثان ، والأول محذوف تقديره لا يحسبن البخل خيرا لهم .

{ سيطوقون } أي : يلزمون إثم ما بخلوا به ، وقيل : يجعل ما بخلوا به حية يطوقها في عنقه يوم القيامة .