فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

{ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم } ذهب بعض النحويين إلى أن في الكلام محذوفا ، والتقدير : لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم و{ بل } لإبطال حسبانهم فالحق أن البخل شر لهم . عن السدي : هم الذين آتاهم الله من فضله فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله ولم يؤدوا زكاتها ، ومما يقول الواحدي : وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم ، وعلى المضطر وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدو وتعين دفعهم بالمال . { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } سيجعل لهم يوم القيامة طوق في النار ، والبخل أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه{[1238]} وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشح والضن والإمساك عن البذل فيما أمرنا الله أن نبذل فيه . ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم ) . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا{[1239]} أقرع{[1240]} له زبيبتان{[1241]} يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه {[1242]} ثم يقول أنا مالك أنا كنزك -ثم تلا هذه الآية – { ولا يحسبن الذين يبخلون } الآية .

{ ولله ميراث السماوات والأرض } يبطل ملك جميع المستخلفين ممن سموا مالكين فلا يبقى إلا الملك ذي القوة المتين - أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه وأنه في الأبد كهو في الأزل ، غني عن العالمين فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم ، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها فجرى هذا مجرى الوارثة في عادة الخلق ، وليس لها بميراث في الحقيقة لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل ، والله سبحانه وتعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما ، وكانت السماوات وما فيها ، والأرض وما فيها له ، وأن الأموال كانت عارية عند أربابها ؛ فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل ونظير هذه الآية قوله تعالى { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها . . . }{[1243]} الآية . والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا{[1244]} ؛ { والله بما تعملون خبير } مما يقول ابن جرير : إنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من الفضل وغيرهم من سائر خلقه ذو خبرة وعلم محيط بذلك كله ، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه ، المحسن بالإحسان والمسيء على ما يرى تعالى ذكره .


[1238]:ونقل عن ابن عباس: يعني بذلك أهل الكتاب أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس لكن الآية الكريمة وما بعدها يشير إلى منع الزكاة، فرعاية السياق أولى.
[1239]:حية ذكرا.
[1240]:تمرط جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره.
[1241]:نكتتان سوداوان فوق عينيه.
[1242]:شدقية.
[1243]:من سورة مريم من الآية 4.
[1244]:من الجامع لأحكام القرآن.