في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (71)

لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها ؛ وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء ، ولن يأخذهم بالعقاب . حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله ؛ وغرورا منهم بأنهم " شعب الله المختار " !

( وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموًا ) . .

طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئا ؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئا . .

( ثم تاب الله عليهم ) . .

وأدركهم برحمته . . فلم يرعووا ولم ينتفعوا :

( ثم عموا وصموا . كثير منهم . . ) ( والله بصير بما يعملون ) . .

وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم . . وما هم بمفلتين . .

ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود ، وهذا الواقع الجديد ؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم ، كما نفر قلب عبادة بن الصامت ؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبدالله بن أبى بن سلول !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (71)

التفسير :

فتنة : الفتنة : الاختبار بالنار ، ومعناها هنا : العاب .

التفسير :

71- وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ . . .

فتنة . من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لتظهر جودته . . والمراد بها هنا : الشدائد والمحن و المصائب التي تنزل بالناس .

فَعَمُواْ وَصَمُّواْ . من العمى الذي هو ضد الابصار و من الصمم الذي هو ضد السمع ، وقد استعيرهنا للإعراض عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل .

والمعنى : لقد ظن اليهود أنهم لن يصبيهم بلاء بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد ، وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية .

ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ . أي : ثم تاب عليهم قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ، ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على أنبيائهم إلا عددا قليلا منهم بقي على توبته وإيمانه .

وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . أي : والله تعالى عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه خافية ، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم .

وتفيذ الآية : أن فساد اليهود وعماهم وصممهم على الحق قد حصل مرتين ، واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه :

الأول : أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيي وعيسى ثم تاب الله عليهم حيث وفق بعضهم للإيمان ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم .

الثاني : أن العمى الأول كان في زمن بختصر البابلي ، وقد غزاهم سنة 606 قبل الميلاد ، ثم ساعدهم قورش ملك الفرس سنة 526 قبل الميلاد فعادوا لبلادهم وأعادوا بناء هيكلهم .

ثم عموا مرة ثانية ؛ فسلط الله عليهم الرومان بقيادة تيطس سنة 70م .

قال القفال {[298]} : ذكر الله تعالى في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علو كبيرا . ( الإسراء : 41 ) .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي {[299]} بعد أن نقل عن الفخر الرازي آراء المفسرين ثم عقب قائلا :

" والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها- هذا التحديد غير مقنع ، ولعل أحسن منه أن تقول :

إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة وطبائع معوجة ، ومن نقص للعهود والمواثيق . . . فهم أخذ الله عليهم العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم ، وظنوا أن عدوانهم هذا شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب دنيوي ، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم . . . بسبب مفاسدهم ؛ تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه فعادوا إلى عماهم وصممهم- إلا قليلا منهم- وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات بتصميم وتكرار ، فأصابهم- سبحانه- بفتن لم يتب عليهم منها . .

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ( العنكبوت : 40 ) .


[298]:نقلا عن تفسير الفخر الرازي 12/57.
[299]:تفسير سورة المائدة 310.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (71)

{ وحسبوا أن لا تكون فتنة } أي : بلاء واختبار ، وقرئ تكون بالرفع على أن تكون أن مخففة من الثقيلة ، وبالنصب على أنها مصدرية .

{ فعموا وصموا } عبارة عن تماديهم على المخالفة والعصيان .

{ ثم تاب الله عليهم } قيل : إن هذه التوبة رد ملكهم ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد خروجهم منه ، ثم أخرجوا المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبدا ، وقيل : التوبة بعث عيسى عليه السلام ، وقيل : بعث محمد صلى الله عليه وسلم .

{ كثير منهم } بدل من الضمير أو فاعل على لغة أكلوني البراغيث والبدل أرجح وأنصح .