سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان
هذه سورة مكية - كسورة الأنعام - موضوعها الأساسي هو موضوع القرآن المكي . . العقيدة . . ولكن ما أشد اختلاف المجالين اللذين تتحرك فيهما السورتان في معالجة هذا الموضوع الواحد ، وهذه القضية الكبيرة !
إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة ، وذات ملامح متميزة ، وذات منهج خاص ، وذات أسلوب معين ، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد ، وهذه القضية الكبيرة .
إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية ، ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة ، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع ، وتحقيق هذه الغاية .
إن الشأن في سور القرآن - من هذه الوجهة - كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متميزة . . كلهم إنسان ، وكلهم له خصائص الإنسانية ، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني . . ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع . نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح ، وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلا الخصائص الإنسانية العامة !
هكذا عدت أتصور سور القرآن . وهكذا عدت أحسها ، وهكذا عدت أتعامل معها . بعد طول الصحبة ، وطول الألفة ، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته ، وملامحه وسماته !
وأنا أجد في سور القرآن - تبعا لهذا - وفرة بسبب تنوع النماذج ، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق ؛ ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع ، والاتجاهات والمطالع !
إنها أصدقاء . . كلها صديق . . وكلها أليف . . وكلها حبيب . . وكلها ممتع . . وكلها يجد القلب عنده ألواناً من الاهتمامات طريفة ، وألواناً من المتاع جديدة ، وألواناً من الإيقاعات ، وألواناً من المؤثرات ، تجهل لها مذاقاً خاصاً ، وجواً متفرداً .
ومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة . . رحلة في عوالم ومشاهد ، ورؤى وحقائق ، وتقريرات وموحيات ، وغوص في أعماق النفوس ، واستجلاء لمشاهد الوجود . . ولكنها كذلك رحلة متميزة المعالم في كل سورة ومع كل سورة .
إن موضوع سورة الأنعام هو العقيدة . وموضوع سورة الأعراف هو العقيدة . . ولكن بينما سورة الأنعام تعالج العقيدة في ذاتها ؛ وتعرض موضوع العقيدة وحقيقتها ؛ وتواجه الجاهلية العربية في حينها - وكل جاهلية أخرى كذلك - مواجهة صاحب الحق الذي يصدع بالحق ؛ وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالاً وتفصيلاً ونحن نقدم السورة ونستعرضها - في الجزء السابع وفي هذا الجزء أيضاً - ووقفنا أمامها ما شاء الله أن نقف . . بينما سورة الأنعام تتخذ هذا المنهج ، وتسلك ذلك الطريق . . نجد سورة الأعراف - وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك - تأخذ طريقاً آخر ، وتعرض موضوعها في مجال آخر . . إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري . . في مجال رحلة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى ، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها . . وفي هذا المدى المتطاول تعرض " موكب الإيمان " من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - [ ص ] - تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ . يواجه بها البشرية جيلاً بعد جيل ، وقبيلاً بعد قبيل . . ويرسم سياق السورة في تتابعه : كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى ؟ كيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته ؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله ؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة . .
إنها رحلة طويلة طويلة . . ولكن السورة تقطعها مرحلة مرحلة ، وتقف منها عند معظم المعالم البارزة ، في الطريق المرسوم . ملامحه واضحة ، ومعالمه قائمة ، ومبدؤه معلوم ، ونهايته مرسومة . . والبشرية تخطو فيه بجموعها الحاشدة . ثم تقطعه راجعة . . إلى حيث بدأت رحلتها في الملأ الأعلى . .
لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء ، ممثلة في شخصين اثنين . . آدم وزوجه . . أبوي البشر . . وانطلق معهما الشيطان . مأذونا من الله في غوايتهما وغواية ذراريهما ومأخوذاً عليهما عهد الله وعلى ذراريهما كذلك . ومبتلي كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار ؛ ليأخذوا عهد الله بقوة أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة ؛ وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يني يجلب عليهم بخيله ورجله ، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم !
انطلقت البشرية من هناك . . من عند ربها سبحانه . . انطلقت إلى الأرض . تعمل وتسعى ، وتكد وتشقى ، وتصلح وتفسد ، وتعمر وتخرب ، وتتنافس وتتقاتل ، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد . . ثم ها هي ذي تؤوب ! ها هي ذي راجعة إلى ربها الذي أطلقها في هذا المجال . . ها هي ذي تحمل ما كسبت طوال الرحلة المرسومة . . من ورد وشوك . ومن غال ورخيص ، ومن ثمين وزهيد ، ومن خير وشر ، ومن حسنات وسيئات . ها هي ذي تعود في أصيل اليوم . . فقد انطلقت في مطلعه ! . . وها نحن أولاء نلمحها من خلال السياق في السورة موقورة الظهور بالأحمال - أيا كانت هذه الأحمال - ها هي ذي عائدة إلى ربها بما معها . تظلع في الطريق ، وقد بلغ منها الجهد وأضناها المسير . حتى إذا عادت إلى نقطة المنطلق وضع كل منها حمله أمام الميزان ، ووقف يرتقب في خشية ووجل . . إن كل فرد قد عاد بحصيلته فرداً . . وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ! وكل فرد على حدة يلاقي حسابه ، ويلقى جزاءه . . ويظل سياق السورة يتابع أفواج البشرية ، فوجاً فوجاً . إلى جنة أو إلى نار . حتى تغلق الأبواب التي فتحت لاستقبال المغتربين العائدين . فقد كانوا هنالك في هذه الأرض مغتربين : ( كمابدأكم تعودون . فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ، ويحسبون أنهم مهتدون ) . .
وبين الغدو والرواح تعرض معارك الحق والباطل . معارك الهدى والضلال . معارك الرهط الكريم من الرسل والموكب الكريم من المؤمنين ، مع الملأ المستكبرين والأتباع المستخفين . ويعرض الصراع المتكرر ؛ والمصائر المتشابهة . وتتجلي صحائف الإيمان في إشراقها ووضاءتها ؛ وصحائف الضلال في انطماسها وعتامتها . وتعرض مصارع المكذبين بين الحين والحين . حيث يقف السياق عليها للتذكير والتحذير . . وهذه الوقفات تجيء وفق نظام ملحوظ في سياق السورة . فبعد كل مرحلة هامة يبدو كما لو كان السياق يتوقف عندها ليقول كلمة ! كلمة تعقيب . للإنذار والتذكير . . ثم يمضي .
إنها قصة البشرية بجملتها في رحلتها ذهاباً وإياباً . تتمثل فيها حركة هذه العقيدة في تاريخ البشرية ، ونتائج هذه الحركة في مداها المتطاول . . حتى تنتهي إلى غايتها الأخيرة في نقطة المنطلق الأولى . . وهي وجهة أخرى في عرض موضوع العقيدة غير وجهة سورة الأنعام - وإن تلاقت السورتان أحيانا في عرض مشاهد المكذبين وعرض مشاهد القيامة ومشاهد الوجود - وهو مجال آخر للعرض غير مجال الأنعام ، واضح التميز ، مختلف الحدود .
ذلك إلى طبيعة التعبير في السورتين . فالتعبير في كل سورة يناسب منهجها في عرض الموضوع . وبينما يمضي السياق في الأنعام في موجات متدافعة ؛ وبينما تبلغ المشاهد دائما درجة اللألاء والتوهج والالتماع ، وتبلغ الإيقاعات درجة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع . . إذا السياق في الأعراف يمضي هادئ الخطو ، سهل الإيقاع ، تقريري الأسلوب . وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة في سيرها المديد ، خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة ، حتى تؤوب ! وقد يشتد الإيقاع أحياناً في مواقف التعقيب ؛ ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطو الوئيد الرتيب !
. . وهما - بعد - سورتان مكيتان من القرآن . . ! ! !
ولعله يحسن هنا أن نستعرض منهج السورة في معالجة موضوع العقيدة في صورة حركة لهذه العقيدة في تيار التاريخ البشري . .
إن السورة لا تعرض قصة هذه العقيدة في التاريخ البشري ، ولا تعرض رحلة البشرية منذ نشأتها الأولى إلى عودتها الأخيرة . . مجرد عرض في أسلوب قصصي . . إنما هي تعرضها في صورة معركة مع الجاهلية . . ومن ثم فإنها تعرضها في مشاهد ومواقف ؛ وتواجه بهذه المشاهد والمواقف ناساً أحياء كانوا يواجهون هذا القرآن ؛ فيواجههم هذا القرآن بتلك القصة الطويلة ؛ ويخاطبهم بما فيها من عبر ؛ مذكرا ومنذرا ؛ ويخوض معهم معركة حقيقية حية . . ومن ثم تجيء التعقيبات في السياق عقب كل مرحلة أساسية ؛ موجهة لأولئك الأحياء الذين كان القرآن يخوض معهم المعركة ؛ وموجهة كذلك إلى أمثالهم ممن يتخذون موقفهم على مدار التاريخ .
إن القرآن لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة . ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلا . . إنه يتحرك حركة واقعية حية في وسط واقعي حي . إنه لا يقرر حقائقه للنظر المجرد ، ولا يقص قصصه لمجرد المتاع الفني !
ويركز السياق على التذكير والإنذار في وقفاته للتعقيب . كما يركز على نقطة الانطلاق ، وعلى نقطة المآب . وبينهما يمر بقصص قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب . ثم يركز تركيزاً شديداً على قصة قوم موسى .
وفي هذه التقدمة للسورة لا نملك إلا أن نعرض نماذج مجملة لمواضع التركيز في السورة :
آلمص . كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء . قليلا ما تذكرون . .
فهي منذ اللحظة الأولى خطاب لرسول الله [ ص ] وخطاب لقومه الذين يجاهدهم بهذا القرآن . . وكل ما يجيء في السورة بعد ذلك من قصص ، ومن وصف لرحلة البشرية الطويلة ، وعودتها من الرحلة المرسومة ، وكل ما يعرض من مشاهد في صفحة الكون وفي يوم القيامة . . إنما هو خطاب غير مباشر ، - وأحيانا مباشر - للنبي [ ص ] وقومه للإنذار والتذكير ، كما يشير هذا المطلع القصير .
وقول الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) . .
يصور حالة واقعية لا يمكن أن يدركها اليوم إلا الذي يعيش في جاهلية وهو يدعو إلى الإسلام ؛ ويعلم أنه إنما يستهدف أمراً هائلاً ثقيلاً ، دونه صعاب جسام . . يستهدف إنشاء عقيدة وتصور ، وقيم وموازين ، وأوضاع وأحوال مغايرة تمام المغايرة لما هو كائن في دنيا الناس . ويجد من رواسب الجاهلية في النفوس ، ومن تصورات الجاهلية في العقول ، ومن قيم الجاهلية في الحياة ، ومن ضغوطها في الأوضاع والأعصاب ، ما يحس معه أن كلمة الحقيقة التي يحملها ، غريبة على البيئة ، ثقيلة على النفوس ؛ مستنكرة في القلوب . . كلمة ذات تكاليف بقدر ما تعنيه من الانقلاب الكامل لكل ما يعهده الناس في جاهليتهم من التصورات والأفكار ، والقيم والموازين ، والشرائع والقوانين ، والعادات والتقاليد ، والأوضاع والارتباطات . . ومن ثم يجد في صدره هذا الحرج من مواجهة الناس بذلك الحق الثقيل ، الحرج الذي يدعو الله - سبحانه - نبيه [ ص ] ألا يكون في صدره من هذا الكتاب شيء منه ؛ وأن يمضي به ينذر ويذكر ؛ ولا يحفل ما تواجهه كلمة الحق من دهشة واستنكار ، ومن مقاومة كذلك وحرب وعناء . .
ولأن الأمر كذلك من الثقل ومن الغرابة ومن النفرة ومن المقاومة لهذا التغيير الكامل الشامل الذي تستهدفه هذه العقيدة في حياة الناس وتصوراتهم ، فإن السياق يباكر القوم بالتهديد القاصم ، ويذكرهم بمصائر المكذبين ، ويعرض عليهم مصارع الغابرين . . جملة قبل أن يأخذ في القصص المفصل عنهم في مواضعه من السياق :
وكم من قرية أهلكناها ، فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا : إنا كنا ظالمين . فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين . والوزن يومئذ الحق ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون . .
وبعد هذه المقدمة تبدأ القصة . . تبدأ بالحديث عن التمكين للجنس البشري في الأرض . . وذلك بما أودع الله هذا الكون من خصائص وموافقات تسمح بحياة هذا الجنس وتمكينه في الأرض . وبما أودع الله هذا الجنس من خصائص وموافقات متوافقة مع الكون ؛ ومن قدرة على التعرف إلى نواميسه واستخدامها ؛ والانتفاع بطاقاته ومقدراته ومدخراته وأقواته :
( ولقد مكناكم في الأرض ، وجعلنا لكم فيها معايش . قليلا ما تشكرون ) . .
وليس هذا إلا التمهيد لعرض قصة النشأة الأولى ، وتصوير نقطة الانطلاق التي بدأت منها البشرية رحلتها المرسومة . والسياق يركز في هذه السورة على هذه النقطة ؛ ويعرض قصة النشأة ، ويتخذها كذلك نقطة تعقيب للإنذار والتذكير ، المستمدين مما في مشاهدها وأحداثها من عظات موحية ، ومؤثرات عميقة :
ولقد خلقناكم ثم صورنا كم ، ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال : أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين . قال : فاهبط منها ، فما يكون لك أن تتكبر فيها ، فاخرج إنك من الصاغرين . قال : أنظرني إلى يوم يبعثون . قال : إنك من المنظرين . قال : فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ولا تجد أكثرهم شاكرين . قال : اخرج منها مذؤوماً مدحوراً ، لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين . . ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، فكلا من حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين . . فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ، وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وقاسمهما : إني لكما لمن الناصحين . فدلاهما بغرور ، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وناداهما ربهما : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ، وأقل لكما : إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ؛ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . قال : فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون . .
وبهذا المشهد في نقطة الانطلاق يتحدد مصير الرحلة كلها ، ومصائر المرتحلين جميعا . . وتلوح طلائع المعركة الكبرى التي لا تهدأ لحظة طوال الرحلة ، بين هذا العدو الجاهر بالعداوة ، وبني آدم جميعا . كما تلوح نقط الضعف في الكائن الإنساني جملة ، ومنافذ الشيطان إليه منها
ومن ثم يتخذ السياق من المشهد مناسبة للتعقيب الطويل ، بالإنذار والتحذير . . تحذير بني آدم مما جرى لأبويهم من هذا العدو العنيد . . وفي ظل هذا المشهد الذي يقف فيه الشيطان وجها لوجه مع آدم وزوجه أبوي البشر . وفي ظل النتيجة التي انتهى إليها الشوط الأول في المعركة يتوجه السياق بالخطاب إلى بني آدم ، يذكرهم وينذرهم ، ويحذرهم مصيراً كهذا المصير :
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ، ولباس التقوى ذلك خير ، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون . . يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ، إنه يراكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم ، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون . .
( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
ولا بد أن نلحظ أن مشهد العري بعد ارتكاب المحظور ، والخصف من ورق الجنة ؛ ثم هذا التعقيب بتذكير بني آدم بنعمة الله في إنزال اللباس الذي يواري سوآتهم والرياش الذي يتزينون به ، وتحذيرهم من فتنة الشيطان لهم لينزع عنهم لباسهم وريشهم كما نزعه عن أبويهم . . لا بد أن نلحظ أن ذكر هذه الحلقة من القصة والتعقيب عليها على هذا النحو إنما يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي العربي المشرك . حيث كانواتحت تأثير أساطير وتقاليد معينة يطوفون بالبيت عرايا ، ويحرمون أنواعاً من الثياب ، وأنواعا من الطعام في فترة الحج . ويزعمون أن هذا من شرع الله ، وأن الله قد حرم عليهم هذا الذي يحرمونه على أنفسهم . . ومن ثم يجيء في استعراض قصة البشرية ، وفي التعقيب عليها ما يناسب ويواجه هذه الحالة الواقعية في الجاهلية . . وفي كل جاهلية في الحقيقة . . أليست سمة كل جاهلية هي التعري والكشف وقلة الحياء من الله وقلة التقوى ؟
وهذا يدلنا على سمة من سمات المنهج القرآني جديرة بالتأمل . . إنه حتى القصص في القرآن لا يسرد إلا لمواجهة حالة واقعة بالفعل . ولأنه يواجه - في كل مرة - حالة معينة ، فإن الحقيقة التي تذكر منه والحلقة التي تعرض في موضع من المواضع ، تعرض بقدر الحالة الواقعة التي يواجهها النص حينذاك وفي جوها . .
وهذا بالإضافة إلى ما قلناه عن المنهج القرآني في التعريف بسورة الأنعام - في الجزء السابع - يكون قاعدة هامة . . هي أن المنهج القرآني لا يعرض شيئاً لا تستدعيه حالة واقعة . . إنه لا يعرف اختزان المعلومات والأحكام - ولا حتى القصص - إلى أن يجيء وقت الحاجة الواقعة إليها . .
والآن - وقبل أن تنطلق القافلة في طريقها ، وقبل أن يواجهها الرسل بالهدى ، وقبل أن يفصل السياق كيف تحركت العقيدة مع التاريخ البشري بعد آدم وزوجه وتجربتهما الأولى . . الآن يبادر بتصوير مشهد النهاية ، نهاية المرحلة الكبرى ، وذلك على طريقة القرآن الغالبة في عرض الرحلة بشطريها في دار الابتلاء وفي دار الجزاء ، كأنما هي رحلة متصلة ممدودة .
وهنا نجد أطول مشهد من مشاهد القيامة ، وأكثرها تفصيلاً ، وأحفلها بالمناظر المتتابعة والحوار المتنوع . . وموقعه في السورة تعقيباً على قصة آدم وخروجه من الجنة بإغواء إبليس له ولزوجه ؛ وتحذير الله لأبنائه أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة ؛ وإخبارهم بأنه سيرسل إليهم رسلاً يقصون عليهم آياته . . موقعه كذلك يجعله مصداقاً لما ينبى ء به أولئك الرسل . فإذا الذين أطاعوا الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة ، وفتنوا عنها كما أخرج الشيطان أبويهم منها ؛ وإذا الذين خالفوا الشيطان وأطاعوا الله قد ردوا إلى الجنة ، ونودوا : ( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) . . فعاد المغتربون إلى دار النعيم ! ! !
والمشهد طويل لا نملك إثباته هنا في هذا التعريف المجمل وسنواجهه فيما بعد بالتفصيل .
والسياق يتخذ من هذا المشهد مناسبة للتعقيب بالإنذار والتذكير ، وتحذير الذين يواجهون القرآن بالتكذيب ، ويطلبون الخوارق لتصديقه ، من سوء المصير :
( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ، هدى ورحمة لقوم يؤمنون . هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق . فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ؟ قد خسروا أنفسهم ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ) . .
وبعد تلك الرحلة الواسعة الآماد ، من المنشأ إلى المعاد ، يقف السياق ليعقب عليها ، مقرراً " حقيقة الألوهية " و " حقيقة الربوبية " في مشاهد كونية ؛ تشهد بهذه الحقيقة ؛ على طريقة القرآن في جعل هذا الكون كله مجالاً تتجلى فيه هذه الحقيقة بآثارها المبدعة ، العميقة الإيحاء للقلب البشري حين يستقبلها بالحسالمفتوح والبصيرة المستنيرة . وهدف هذه الرحلة الأساسي في مشاهد الكون وأسراره هو تجلية الحقيقة الاعتقادية الأساسية : وهي أن هذا الكون بجملته يدين بالعبودية لله وحده ، فالله هو ربه وحاكمه . فأولى بالإنسان أن لا يكون نشازاً في لحن الوجود المؤمن ؛ وألا يشذ عن العبودية لرب هذا الكون الذي له الخلق والأمر . . وهو رب العالمين . .
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين . ادعوا ربكم تضرعاً وخفية . إنه لا يحب المعتدين . ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين . وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ، حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت ، فأنزلنا به الماء ؛ فأخرجنا به من كل الثمرات . كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون . والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا . كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون .
والآن تمضي الرحلة ، وتجري القصة ، ويبرز الموكب الإيماني الجليل ، يهتف بالبشرية الضالة ، يذكرها وينذرها ، ويحذرها سوء المصير . والبشرية الضالة تلوي وتعاند ، وتواجه الدعوة الخيرة بالعناد والتمرد ؛ ثم بالطغيان والبطش . . ويتولى الله سبحانه المعركة بعد أن يؤدي الرسل واجبهم من التذكير والإنذار ، فيقابلوا من قومهم بالتكذيب والإعراض ، ثم بالبطش والإيذاء . وبعد أن يفاصلوا قومهم على العقيدة ، ويختاروا الله وحده ويدعوا له الأمر كله .
ويعرض السياق قصة نوح ، وقصة هود ، وقصة صالح وقصة لوط ، وقصة شعيب . . مع أقوامهم ، وهم يعرضون عليهم حقيقة واحدة لا تتبدل : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) . . ويجادلهم قومهم في إفراد الله سبحانه بالألوهية ، ويستنكرون أن تكون لله وحده الربوبية . كما يجادلونهم في إرسال الله بشراً من الناس بالرسالة ! ويجادل بعضهم في أن يتعرض الدين لشؤون الحياة الدنيا ، ويتحكم في التعاملات المالية والتجارية ! - وذلك كما يحاول اليوم ناس من الجاهلية الحاضرة في هذه القضية بعينها بعد عشرات القرون ، ويسمون هذا الجدل الجاهلي القديم تحرراً " وتقدمية " ! - ويعرض السياق مصارع المكذبين في نهاية كل قصة .
ويلحظ المتتبع لسياق القصص كله في السورة أن كل رسول يقول لقومه قولة واحدة : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) . ويتقدم لهم بالحقيقة التي استحفظه عليها ربه تقدم الناصح المخلص ، المشفق على قومه مما يراه من العاقبة التي تتربص بهم وهم عنها غافلون . ولكنهم لا يقدرون نصح رسولهم لهم ؛ ولا يتدبرون عاقبة أمرهم ، ولا يستشعرون عمق الإخلاص الذي يحمله قلب الرسول ، وعمق التجرد من كل مصلحة ، وعمق الإحساس بضخامة التبعة . .
ويكفي أن نثبت هنا ما ورد عن قصة نوح - أول القصص - وما ورد عن قصة شعيب ، آخر هذه الجملة من القصص ، التي يقف السياق بعدها للتعقيب :
( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، فقال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم . قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين . قال : يا قوم ليس بي ضلالة ، ولكني رسول من رب العالمين . أبلّغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون . أو عجبتم أن جاءكم ذكرمن ربكم على رجل منكم لينذركم ، ولتتقوا ، ولعلكم ترحمون ؟ فكذبوه ، فأنجيناه والذين معه في الفلك ، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، إنهم كانوا قوما عمين ) . . .
( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . قد جاءتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ، وتبغونها عوجا ، واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين . وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ، وهو خير الحاكمين ، قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا . قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء الله ربنا ، وسع ربنا كل شيء علماً - على الله توكلنا . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين . وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون . فأخذتهم الرجفة ، فأصبحوا في دارهم جاثمين . الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها . الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين . فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ . . )
ويمثل هذان النموذجان بقية القصص بينهما . سواء في تصوير حقيقة العقيدة الواحدة التي أرسل الله بها رسله جميعاً لأبناء آدم - كل في قومه - أو في تلقي الملأ المستكبرين والأتباع المستضعفين لهذه الحقيقة . أو في وضوح هذه العقيدة وحسمها في نفوس الرسل وأتباعهم . أو في روح النصح والرغبة في هداية قومهم . . ثم في مفاصلتهم لأقوامهم عندما يتبين لهم عنادهم وإصرارهم الأخير ثم في إدارة الله - سبحانه للمعركة ، وأخذ المكذبين بعد مفاصلة رسلهم لهم ، والانتهاء من إنذارهم وتذكيرهم . وعتو المكذبين وإصرارهم على ما هم فيه .
وهنا يقف السياق وقفة للتعقيب . يبين فيها سنة الله في تعامل قدر الله مع الناس حين تجيئهم الرسالة فيكذبون . إذ يأخذهم أولا بالضراء والبأساء ، لعل هذا يهز قلوبهم الغافية فتستيقظ وتستجيب . فإذا لم تهزهم يد البأس وكلهم إلى الرخاء - وهو أشد فتنة من البأس - حتى تلتبس عليهم سنة الله ، ولا ينتبهوا لها . ثم يأخذهم بعد ذلك بغتة وهم لا يشعرون ! . .
وبعد بيان هذه السنة يهز قلوبهم بالخطر الذي يتهددهم في غفلاتهم . فمن يدريهم أن قدر الله يتربص بهم ، ليجري فيهم سنته تلك ؟ أفلا تهديهم مصارع الغابرين ، وهم في ديارهم يسكنون ؟
وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون . ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ، وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ! فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون . ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ؟ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ؟ أفأمنوا مكر الله ؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون . . تلك القرى نقص عليك من أنبائها ، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين . وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين . .
بعد ذلك يعرض السياق قصة موسى مع فرعون وملئه ، ومع قومه بني إسرائيل : وتستغرق القصة أكبر مساحة استغرقتها في سورة قرآنية ؛ وتعرض منها حلقات شتى ؛ ويقف السياق عند بعض الحلقات للتعقيب ؛ كما يقف في نهايتها لتعقيب طويل حتى نهاية السورة .
ولقد وردت حلقات من قصة موسى - عليه السلام - قبل ذلك - حسب ترتيب النزول - في سور : المزمل ، والفجر ، و ق ، والقمر . . وكلها إشارات قصيرة . وهذه أول سورة بعد تلك السور تجيء فيها هذه الحلقات الطويلة ، في هذه المساحة العريضة . .
وقد شملت حلقة مواجهة فرعون بحقيقة العقيدة . وحلقة التحدي والسحرة - وهما كثيرتا الورود في السور الأخرى - وحلقة أخذ آل فرعون بالسنين والآفات وإرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم - التي لم تفصل إلا في هذه السورة - وحلقة إغراق فرعون والملأ من قومه . . ثم استمر السياق مع بني إسرائيل . وطلبهم من موسى أن يجعل لهم إلهاً - صنما - كالقوم الذين مروا عليهم بعد نجاتهم من فرعون وتجاوزهم للبحر ! وحلقة ميقاته مع ربه وطلبه رؤيته ودك الجبل وصعقه وتنزيل الألواح عليه . وحلقة اتخاذ قومه للعجل في غيبته . وحلقة الميقات الثاني مع السبعين من قوم موسى وأخذ الصاعقة لهم حين قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . وحلقة عصيانهم في دخول القرية وفي صيد السمك يوم السبت ! وحلقة نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة . . وكلها معروضة بتفصيل واسع ، مما جعل القصة تستغرق حزباً كاملاً من السورة .
وفي موقف من مواقف القصة يُدخل السياق الرسالة النبوية الأخيرة ويصف طبيعتها وحقيقتها . وذلك عندما دعا موسى - عليه السلام - ربه في شأن من صعقوا من قومه ؛ واستنزل رحمته - سبحانه - على هذا النحو الذي يتداخل فيه القصص لتأدية غرض المعركة التي يخوضها القرآن فعلاً :
( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ، فلما أخذتهم الرجفة ، قال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ، أنت ولينا ، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ، إنا هدنا إليك . قال : عذابي أصيب به من أشاء ، ورحمتي وسعت كل شيء ، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة . والذين هم بآياتنا يؤمنون : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . فالذين آمنوا به وعزروه ، ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، أولئك هم المفلحون ) .
وفي ظل هذا النبأ الصادق من الله ، والوعد السابق برسالة النبي الأمي ، يأمر الله النبي أن يعلن طبيعة رسالته ، وحقيقة دعوته ، وحقيقة ربه الذي أرسله ، والأصل الاعتقادي الواحد الذي جاء به الرسل جميعاً من قبله :
( قل : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ، واتبعوه لعلكم تهتدون ) .
ثم تواصل القصة سيرها بعد هذه الوقفة ، إلى موقف العهد ونتق الجبل وأخذ الميثاق . وفي ظل مشهد الميثاق والعهد على بني إسرائيل يذكر العهد المأخوذ على فطرة البشر أجمعين :
( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ، أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ ) . .
ويمضي السياق بعد ذلك في تعقيبات منوعة ، يعرض في أحدها بعد مشهد العهد الفطري مباشرة ، مشهد الذي آتاه الله آياته ثم انسلخ منها - كبني إسرائيل وككل من يؤتيه الله آياته ثم ينسلخ منها ! - وهو مشهد يذكرنا بصوره وحركته وإيقاعه والتعقيب عليه بمشاهد سورة الأنعام وجوها كذلك :
( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، فمثله كمثل الكلب : إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث ! ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ؛ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون . من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون . ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ، لهم قلوب لايفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون . . )
ثم يمضي السياق يتحدث عن مسائل العقيدة حديثاً مباشراً . ويعرض مع الحديث بعض المؤثرات من المشاهد الكونية ومن التحذير من بأس الله وأخذه ؛ ومن لمس قلوبهم ليتفكروا ويتدبروا في شأن الرسول ورسالته . . .
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه ، سيجزون ما كانوا يعملون . وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون . والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم ، إن كيدي متين . أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إلا نذير مبين . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ؟ فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ من يضلل الله فلا هادي له ، ويذرهم في طغيانهم يعمهون . .
ثم يأمر الله رسوله [ ص ] أن يعلمهم طبيعة الرسالة وحدود الرسول فيها . وذلك بمناسبة سؤالهم له عن تحديد موعد القيامة التي يخوفهم بها !
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ ! قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفي عنها ! قل : إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) . .
ثم يصور لهم كيف تنحرف النفس - التي أخذ الله عليها العهد الذي أسلفنا - عن التوحيد الذي أقرت به فطرتها ؛ ويستنكر تصورات الشرك ومعبوداته ؛ ويوجه رسوله [ ص ] في نهاية هذه الفقرة إلى تحديهم وتحدي آلهتهم العاجزة :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تُنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )
ومن هنا إلى ختام السورة يتجه السياق إلى خطاب رسول الله [ ص ] كما كان افتتاحها خطاباً له - كيف يعامل الناس ؟ كيف يمضي بهذه الدعوة ؟ كيف يستعين على متاعب الطريق ؟ كيف يكظم غضبه وهو يعاني من نفوس الناس وكيدهم ؟ كيف يستمع هو والمؤمنون معه لهذا القرآن ؟ كيف يذكر ربه ويبقى موصولا به ؟ كما يذكره من عنده في الملأ الأعلى - سبحانه - :
( خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، إنه سميع عليم ؛ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون . وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي . هذا بصائر من ربكم ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين . . إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ، ويسبحونه ، وله يسجدون . . )
ولعل هذا التلخيص ، وهذه المقتطفات الكثيرة من السورة ، أن تصور ملامحها الخاصة ؛ وتميزها عن أختها سورة الأنعام في هذه الملامح . وفي منهج العرض . مع معالجة موضوع واحد . . موضوع العقيدة . .
وقد أرجأنا كل تفسير للنصوص ، وكل تفصيل للموضوع الذي تحمله ، إلى المواجهة التفصيلية .
( آلمص ) . . ألف . لام . ميم . صاد . .
هذا المطلع من الحروف المقطعة سبق الكلام عن نظائره في أول سورة البقرة وفي أول سورة آل عمران . وقد اخترنا في تفسيرها الرأي القائل ، بأنها حروف مقطعة يشير بها إلى أن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف العربية التي يستخدمها البشر ، ثم يعجزهم أن يؤلفوا منها كلاماً كهذا القرآن . وأن هذا بذاته برهان أن هذا القرآن ليس من صنع البشر ، فقد كانت أمامهم الأحرف والكلمات التي صيغ منها ، فلم يستطيعوا أن يصوغوا منها قرآنا مثله . فلا بد من سر آخر وراء الأحرف والكلمات . . وهو رأي نختاره على وجه الترجيح لا الجزم . والله أعلم بمراده .
وعلى ذلك يصح القول بأن ( المص ) مبتدأ خبره : ( كتاب أنزل إليك ) . . بمعنى أن هذه الأحرف وما تألف منها هي الكتاب . . كما يصح القول بأن ( المص ) مجرد إشارة للتنبيه على ذلك المعنى الذي رجحناه . و( كتاب )خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو كتاب : أو هذا كتاب . .
سورة الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي وهي إحدى السور التي بدأت ببعض حروف التهجي ( المص ) ولم يتقدم عليها من هذا النوع سوى ثلاث سور سبقتها في تاريخ النزول وهي ن ، ق ، ص .
ويبلغ عدد السور التي بدأت بحروف التهجي تسعا وعشرين سورة ، وكلها سور مكية ما عدا البقرة وآل عمران . وعدد آيات سورة الأعراف ( 206 ) آيات ، وعدد كلماتها ( 3315 ) كلمة .
ليس لهذه الفواتح في اللغة العربية معان مستقلة ، ولم يرد من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيان للمراد منها ، بيد أنه قد أثرت عن السلف آراء متعددة في معاني هذه الحروف ، وهذه الآراء على كثرتها ترجع إلى رأيين اثنين .
أحدهما : أنها جميعا مما استأثر الله به ولا يعلم معناه أحد سواه ، وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين .
وثانيها : أن لها معنى ، وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى .
فمنهم من قال : إنها أسماء للسور التي بدئت بها أوأن كلا من علامة على انتهاء سورة والشروع في أخرى .
ومنهم من قال : إنها ( رموز ) لبعض أسماء الله تعالى وصفاته .
ومنهم من قال : إن المقصود منها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم ، وسياسة النفوس المعرضة عن القرآن واستدراجها للاستماع إليه واستمالة العقول بشيء غريب على السمع للانتباه والإصغاء للقرآن .
وأشهر آراء علماء البلاغة والبيان أن هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان إعجاز القرآن وان الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وفي هذا دلالة على أنه ليس من صنع بشر بل تنزيل من حكيم حميد .
ويرى ابن جرير الطبري أن أفضل الآراء في معنى فواتح السور هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها . فهي أسماء للسورة ، وهي رموز ، وهي حروف للتنبيه والتحدي . إلخ .
وسورة الأعراف هي السورة المكية الثانية في ترتيب المصحف ، وهي تتسم بتلك السمات العامة التي أسلفنا الإشارة إليها في الحديث عن سورة الأنعام .
ثم تتميز بطابعها الخاص بعد ذلك من ناحية الموضوعات التي تعالجها والسياق الذي تسير فيه .
وموضوع السورة الرئيس هو الإنذار . . إنذار من يتولون غير الله ومن يكذبون بآيات الله ومن يستكبرون عن طاعة الله ، ومن ينسون الله ومن لا يشكرون نعمته . إنذارهم هلاك الدنيا وعذاب الآخرة ، ذلك فوق الخزي والهوان والنسيان .
تبدأ السورة بالإنذار ، ثم تسلك بهذا المعنى سبلا شتى وتتصرف فيه تصرفات كثيرة وترسم له صورا متعددة وتلمس به المشاعر لمسات مختلفة . فتارة يأخذ السياق شكل القصة : قصة آدم مع إبليس ، ثم قصص نوح وهود وصالح وشعيب وموسى مع أقوامهم ؛ لتنتهي كل قصة بالعذاب والنكال لمن يخالفون عن أمر الله ، وتارة يأخذ شكل مشهد من مشاهد القيامة أو مشاهد الاحتضار تنكشف فيه مصائر المكذبين المتكبرين ، ومصائر الطائعين لله رب العالمين .
ويتخلل القصص والمشاهد ما يتسق مع الجوالعام من توجيه الأنظار والقلوب ومن الدعوة إلى التوبة والإنابة قبل أن يحل العقاب ويتحقق الإنذار ومن الإشارة إلى عواقب المكذبين من الأمم الخالية التي حق عليها النذير .
ويرد كل ذلك في تناسق مطلق بين السياق والقصة أو السياق والمشهد ، أو السياق والتوجيهات ، فتبدو القصص والمشاهد والتوجيهات كلها أجزاء من هذا السياق العام ملونة بلونه ، مظللة بجوه محققة للغرض الذي يتجه إليه موضوع السورة الرئيس من البدء للختام .
مهدت سورة الأعراف لمقاصدها ببيان عظمة الكتاب ، وجلال هدايته وقوة حجته في توضيح الدعوة وإنذار المخالفين بها .
ثم تناولت أهداف الدعوة في مكة ، وهي تقرير رسالة الإسلام وبيان أصول هذه الدعوة : توحيد الله في العبادة والتشريع ، وتقرير البعث والجزاء ، وتقرير الوحي والرسالة بوجه عام ، وتقرير رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجه خاص ، وتلك هي أصول الدعوة الدينية التي كانت لأجلها جميع الرسالات الإلهية .
وقد سلكت السورة في طريقة عرض هذه الحقائق أسلوبين بارزين أحدهما : أسلوب التذكير بالنعم والآخر : أسلوب التخويف من العذاب والنقم .
أما أسلوب التذكير بالنعم فنراه واضحا في لفتها أنظار الناس إلى ما يلمسونه ويحسونه من نعمة تمكينهم ونعمة خلقهم وتصويرهم في أحسن تقويم ، ونعمة تمتع الإنسان بما في هذا الكون من خيرات سخرها الله له .
أما أسلوب الإنذار والتخويف فهو ظاهر في جو السورة ، وفي قصص الأنبياء فيها وقد استغرق هذا القصص أكثر من نصفها ، وقد ساقت لنا السورة ما دار بين الأنبياء وأقوامهم ، وسجلت السورة جزاء المكذبين بأمر الله الخارجين على دعوة رسله وهدايتهم ، وهي ظاهرة تكررت الإشارة إليها في سور القرآن المكي ؛ تحذيرا لأهل مكة أن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم .
سورة الأعراف أول سورة طويلة نزلت من القرآن الكريم وهي أطول سورة في المكي ، وهي أول سورة عرضت ؛ لتفصيل في قصص الأنبياء مع أممهم ، وقد نزلت بين جملتين من السور المكية : يكثر في الجملة التي نزلت قبلها السور القصيرة ، التي تعرف بسور ( المفصل ) ( 25 ) . ويكثر في الجملة التي نزلت بعدها السور المتوسطة التي تعرف بسور ( المئين ) ( 26 ) .
وتطالعنا سورة الأعراف بالحديث عن عظمة القرآن . وتأمرنا باتباعه وتحذرنا من مخالفته . وتحثنا على العمل الذي تثقل به موازيننا يوم القيامة ( 27 ) في بداية تعد براعة استهلال أو عنوان لما تشمل عليه السورة . وهي سمة غالبة في سور القرآن حيث نجد الآيات الأولى منها عنوانا معبرا عن أهدافها وسماتها .
وفي أول سورة الأعراف يقول سبحانه :
المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون . ( الأعراف : 1 – 3 ) .
ثم ساقت لنا السورة بأسلوب منطقي بليغ قصة آدم مع إبليس . وكيف أن إبليس قد خدعه بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة . فلما أكل منها هو وزوجته .
بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة .
ثم وجهت إلى بني آدم نداء في أواخر هذا الربع نهتهم فيه عن الاستجابة لوسوسة الشيطان .
قال تعالى : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما * إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين يؤمنون . . . ( الأعراف : 27 ) .
وفي الربع الثاني منها نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد ، وتخبرنا بأن الله – تعالى – قد أباح لنا أن نتمتع بالطيبات التي أحلها لنا ، وتبشرنا بحسن العاقبة متى اتبعنا الرسل الذين أرسلهم الله لهدايتنا ، ثم تسوق لنا في بضع آيات عاقبة المكذبين لرسل الله ، وكيف أن كل أمة من أمم الكفر عندما تقف بين يدي الله للحساب تلعن أختها .
قال تعالى : كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار * قل لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون . ( الأعراف : 38 ، 39 ) .
ثم تبين السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول :
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . ( الأعراف : 42 ) .
وفي أواخر هذا الربع وفي أوائل الربع الثالث منها نراها تسوق لنا تلك المحاورات التي تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وتحكي لنا ما يحصل بينهم من نداءات ومجادلات ، تنتهي بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على سبيل التذلل والتوسل :
أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله .
إن الله حرمها على الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا . . . ( الأعراف : 50 ، 51 ) .
ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه ، وتدعونا إلى شكره عليها ؛ لكي يزيدنا من فضله .
وفي الربع الرابع منها وفي أواخر الثالث تحدثنا عن قصة نوح مع قومه ، ثم عن قصة هود مع قومه ، ثم عن قصة صالح مع قومه ، ثم عن قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة شعيب مع قومه . ولقد ساقت لنا خلال حديثها عن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم من العبر والعظات ما يهدي القلوب ، ويشفي الصدور ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدى الأنبياء والمرسلين .
أما في الربع الخامس منها فقد بينت لنا سنن الله في خلقه ، ومن مظاهر هذه السنن أنه – سبحانه – لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار ، وأن الناس لو آمنوا واتقوا ؛ لفتح – سبحانه – عليهم بركات من السماء والأرض وأن الذين يأمنون مكر خالقهم هم القوم الخاسرون .
قال تعالى : تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين * وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين . ( الأعراف : 101 ، 102 ) .
ثم عقبت على ذلك ببيان أن الله تعالى قد ساق قصص السابقين ؛ للعظة والاعتبار .
ثم أسهبت السورة في الحديث عن قصة موسى – عليه السلام – فقصت علينا في زهاء سبعين آية – استغرقت الربع السادس و السابع والثامن – ما دار بينه وبين فرعون من محاولات ومناقشات ، وما حصل بينه وبين السحرة من مجادلات ومساجلات انتهت بأن قال السحرة :
آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون . ( الأعراف : 121 ، 122 ) .
ثم حكت لنا ما لقيه موسى من قومه بني إسرائيل من تكذيب وجهالات ، مما يدل على أصالتهم في التمرد والعصيان ، وعراقتهم في الكفر والطغيان .
وفي الربع التاسع منها حدثتنا عن العهد الذي أخذه الله على البشر بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم حدثتنا على التفكير والتدبير في ملكوت السموات والأرض ، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علام الغيوب ، وأن الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات الله ، ثم هم بعد ذلك لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا .
أما في الربع العاشر والأخير فقد اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله ، وأنكرت على المشركين شركهم ، ودعت الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم :
خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . ( الأعراف : 199 ) .
وأمرتهم بأن يكثروا من التضرع والدعاء :
واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين * إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون . ( الأعراف : 205 ، 206 ) .
ذكرت قصة آدم في سورة البقرة ثم أكملت سورة الأعراف حلقات هذه القصة . وذكرت أن الله خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له ؛ إظهارا لفضله وتنويها بما يكون له من شأن بعد أن سألوا عن الحكمة في خلقه وقد ركبت فيه الشهوة والغضب وبهما يفسد في الأرض ويسفك الدماء .
وذكرت السورة موقف إبليس وإباءه السجود والامتثال لأمر الله ، كما ذكرت قصة تأثر آدم بوسوسة الشيطان ، وإغرائه إياه بالأكل من الشجرة وكيف كانت عاقبة آدم في الهبوط من الراحة والاطمئنان إلى الكد والتعب ، وإلى مكافحة عوامل الشر التي بنيت الحياة عليها وعلى ما يقابلها من عوامل الخير ، ومطالبة الإنسان بأن يقف مع جانب العقل والرسالة الإلهية اللذين يشدان أزره في التغلب على عوامل الشر .
لقد كان آدم في نعيم الجنة يتمتع بما فيها من كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ويتنقل بين أشجارها ويتقيأ ظلالها ويتفكه بثمارها ويرتوي من عذب مياهها ، وشاركته زوجه هذه المتعة ولكن الشيطان أغراهما بالأكل من الشجرة وأقسم لهما بأنه من الناصحين ، فلما أطاعا الشيطان وأكلا من الشجرة سلب الله عنهما نعمته وحرمهما جنته :
وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين . ( الأعراف : 22 ) .
وقد ندم آدم وحواء أشد الندم وتابا إلى الله توبة نصوحا فتاب الله عليهما وأمرهما أن يهبطا إلى الأرض ؛ ليكدحا ويعملا فتعمر الأرض وتنتشر الحياة في جنباتها . وقد حذر الله آدم وذريته من الشيطان وإغرائه ، وبين سبحانه أن على المؤمن أن يلجأ إلى ربه وأن يستعين بهداه وألا يخلد إلى الهوى وألا ييأس من رحمة الله ؛ فقد فتح الله باب التوبة على مصراعيه حتى يتوب إليه التائبون ويلجأ إليه المؤمنون ، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .
والمؤمن يتسامى بغرائزه وينتصر على شهواته وينهى نفسه عن الهوى ويحملها على طريق الفلاح والاستقامة .
قال تعالى : ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ( الشمس : 7 ، 10 )
تحدثت سورة الأعراف عن نعم الله تعالى على بني آدم ، ومن هذه النعم نعمة الملبس الذي يستر الناس به عورتهم ، ويحملون به أنفسهم هيأ الله لهم مادته من القطن والصوف والحرير وما إليها وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق استنباتها وطرق صناعتها بالغزل والنسيج والخياطة . ولفت أنظارهم إلى أن تقوى الله في الانتفاع بتلك النعمة ، واستخدامها في طاعة الله وشكره . وبذلك تستر الثياب العورة ، وتكون مصدر نعمة لا نقمة .
قال تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير من آيات الله لعلهم يذكرون . ( الأعراف : 26 ) .
وفي هذا تنبيه إلى أن الحضارة الحقة ليست في كشف المفاتن ولا في إظهار العورات وإنما الحضارة الحقة في السير على سنة الله وهدي رسوله وتعاليم أنبيائه .
من الآيات المشهورة قوله تعالى :
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . ( الأعراف : 31 ) .
ومن هذه الآية نلمح سماحة الإسلام ويسره وهو يأمر بالنظافة ويدعوا إلى التجمل والتزين ويحث على التمتع بالطيبات . وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
( إن الله نظيف يحب النظافة جميل يحب الجمال ، طيب يحب الطيبين ) .
وقد جاء الإسلام دينا وسطا فقد نهى عن التبذير والإسراف وحذر من الشح والبخل وأمر بالقصد والاعتدال قال تعالى :
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق . ( الأعراف : 32 ) .
فهو سبحانه خلق الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وفضله على كثير من المخلوقات وسخر له الكون بما فيه من سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال راسية وبحار جارية وليل مظلم ونهار مضيء وأمره أن يستمتع بالطيبات وأن يبتعد عن المحرمات فهناك حدود بينها الله ؛ فالحلال بين والحرام بين وظاهر ، وبينهما أمور مشتبهات فيها شبهة وإثم فمن ابتعد عن الشبهات ؛ فقد سلم عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات ؛ كانت طريقا إلى الحرام ، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه . وصدق الله العظيم :
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق . ( الأعراف : 33 ) .
هذه فواتح لبعض السور القرآنية ، وقد افتتح الله تعالى بعض السور بالنداء مثل : ( يا أيها المزمل ) ( يا أيها المدثر ) ( يا أيها النبي اتق الله ) ، ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله . . ) .
وبعض السور بدئت بالقسم ، مثل : ( والشمس وضحاها ) ( والضحى * والليل إذا سجى . . ) ( والتين والزيتون وطور سنين * وهذا البلد الأمين . . ) .
( والذاريات ذروا . . ) ومثل : ( والصافات صفا . . ) ( والطور ) ، ( والنجم ) ، ( والفجر ) ، ( والليل ) ، ( والعاديات ) ، ( والعصر ) وبعض السور بدئت بالثناء وإثبات الحمد لله .
كما في سورة الفاتحة ، ( الحمد لله رب العالمين ) وكما في سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وكما في سورة الكهف : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب . . ) .
افتتح الله تعالى بعض السور القرآنية بالحروف المقطعة وهي حروف المعجم .
فبعض السور بدأ بحرف واحد مثل ن ، ق ، ص .
وبعض السور بدأ بحرفين مثل : حم ، طه ، يس .
وبعض السور بدأ بثلاثة أحرف مثل : ألم ، طسم ، الر .
وبعض السور بدأ بأربعة أحرف مثل المص ، المر .
وبعض السور بدأ بخمسة أحرف مثل : حم عسق ، كهيعص .
وليس لهذه الحروف معان مستقلة في اللغة العربية فهي لا تكون جملة مفيدة مستقلة .
وقد تكلم العلماء عن معانيها في كتاب الله تعالى ، وأشهر آراء العلماء تنقسم إلى قسمين .
القسم الأول : هي حروف استأثر الله تعالى بمعرفة معناها .
القسم الثاني : هي حروف لها معنى وتعددت آراء العلماء في تحديد هذا المعنى .
فمنهم من قال هي أسماء للسورة ، ومنهم من قال : هي حروف تشير إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .
ومنهم من قال هي دليل على انتهاء سورة وبداية أخرى ، ومنهم من قال : حروف للتحدي والإعجاز وبيان أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنه مكون من حروف عربية يتخاطبون بها ، فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر وإنما تنزيل من حكيم حميد وأصحاب هذا الرأي يرون أن الحروف المقطعة في فواتح السور مجموعها – بعد حذف المكرر منها – هو 14 حرفا ، ومجموع حروف المعجم في اللغة العربية هو 28 حرفا . فكأن الحق سبحانه يقول : لقد جعلت من نصف الحروف فواتح للسور في هذا الكتاب ، وتركت لكم النصف الثاني ؛ لتصنعوا منه كتابا مثله إن استطعتم .
ولاحظ أصحاب هذا الرأي أن فواتح السور حوت من كل جنس من الحروف نصفه ، فقد حوت نصف الحروف المهموسة ، ونصف الحروف المجهورة ، ونصف الشديدة ، ونصف الرخوة ، ونصف المطبقة ، ونصف المنفتحة ، وهو لون آخر من ألوان الإعجاز لهذا الكتاب الكريم .
وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم ، وتتبعنا هذه السور الكريمة ، التي بدئت بحروف الهجاء ؛ رأينا أنها في الأعم تحدثت عن نزول القرآن الكريم وإعجازه ، فدل ذلك على أن هذه الحروف قد ذكرت في بداية هذه السور ؛ إشارة إلى التحدي والإعجاز .
اقرأ إن شئت : ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه . البقرة .
آلم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق . . . آل عمران .
آلمص * كتاب أنزل إليك . . . الأعراف .
آلر تلك آيات الكتاب الحكيم . يونس .
آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . هود .
آلر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون . يوسف .
المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق . الرعد .
الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . . . إبراهيم .
الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين . الحجر .
طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . طه .
طسم * تلك آيات الكتاب المبين . الشعراء .
طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون . القصص .
طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين . النمل .
آلم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين . لقمان .
حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر .
حم * تنزيل من الرحمن الرحيم . فصلت .
حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون . الزخرف .
حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . الدخان .
وإذا نظرنا إلى الأسباب العامة لنزول هذه الآيات ، وإلى الجو الذي نزلت فيه رأينا أنها كلها سور مكية ، ما عدا البقرة وآل عمران وكلها نزلت تجادل كفار مكة وتصرفهم عن عنادهم ، وتأخذ بأيديهم وألبابهم إلى مواطن الإعجاز في هذا الكتاب الخالد الذي أنزله الله على نبيه ؛ هداية لهم ونورا لحياتهم ونظاما لسلوكهم ، ولكنهم صموا آذانهم عن سماعه وقالوا : أساطير الأولين ، وادعوا أنه حديث مفترى ، وأنهم لو شاءوا لقالوا مثله ، إلى غير ذلك مما كانوا يحاولون به صرف الناس عن القرآن والصد عنه ، فبدئت هذه السور بهذا الأسلوب ؛ تأثيرا في قلوبهم ولفتا لأنظارهم . ولا يخفى أن المفاجأة بالغريب الذي لم يؤلف ، لها في إرهاف الأسماع وتنبيه الأذهان ما لا يحتاج إلى بيان .
ولا يبعد أن يكون الإعجاز في هذه الحرف هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها .
فهي بداية للسور ، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، وهي لون من التنبيه الذي يقرع الأذهان ويلفت الغافلين .
وهي مما أقسم الله به ؛ لبيان شرف القرآن وفضله .
وهي مما استأثر الله بحقيقة المراد منه ، فكل ما ذكره العلماء اجتهاد محمود ؛ لإدراك أسرارها أو حكمة الابتداء بها .
ولا يزال الله يتفضل على عباده صباح مساء بفهم كتابه واستنباط معانيه ، سئل الإمام على رضى الله عنه : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء ؟ فقال : لا إلا فهما يعطيه الله لرجل في القرآن .
وصدق الله العظيم : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا . ( الكهف : 109 ) .
هذه الأحرف بداية لسورة الأعراف ، وهي مما استأثر الله تعالى بعلمه .
ويجوز أن تكون بداية للسورة ، بمثابة الجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة .
أو هي حروف للتحدي والإعجاز ، أو هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، أو هي اسم خاص بسورة الأعراف والله تعالى أعلم .