ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد . . إذا نحن بهذا المخلوق ، لاصقا بالأرض ، ملوثا بالطين . ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب ، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد . . كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ؛ والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر . . فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها . . مشهد اللهاث الذي لا ينقطع . سمع التعليق المرهوب الموحي ، على المشهد كله :
( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) . .
ذلك مثلهم ! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم . ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً . ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان ، هابطون عن مكان " الإنسان " إلى مكان الحيوان . . مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين . . وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين ؛ وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم ، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين !
يلهث : اللهث : التنفس الشديد مع إخراج اللسان .
{ 176 - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ . . . . } الآية .
أي : ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار ، بسبب تلك الآيات ، فالعمل بالعلم يرفع القدر ويعلى شأن صاحبه ، قال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } . ( المجادلة : 11 ) .
ولكنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة والتعبير بقوله : أخلد إلى الأرض ، يفيد : أنه رغب في لذائذ الأرض الفانية ، وترك آفاق العلم والمعرفة ، واختار الأدنى على الأعلى .
{ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } .
أي : أن صفته في حمل العلم والانسلاخ منه إلى شهوات الدنيا ، كصفة الكلب الذي يندلع لسانه . فهو دائم اللهث لأن اللهث ؛ طبيعة فيه ، أن شددت عليه وأتبعته لهث ، وأن تركته لهث .
أي : أن هذا العالم الضال أن حمل الحكمة لم يحملها ، وإن ترك لم يهتد لخير .
وقيل : المعنى : أن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ، فهو في ضلال ملازم لانسلاخه عن ربه ، فهو كالكلب إذ كان رابضا لهث ، وأن يطرد لهث .
{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } .
أي : ذلك المقل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود وغيرهم ، بعد أن علموا بها وعرفوها ، فحرفوا وبدلوا وكذبوا بها .
{ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .
أي : فاقصص أيها الرسول الكريم ، قصص ذلك الرجل ، الذي تشبه حاله حال أولئك المكذبين ، بما جئت به من الآيات رجاء أن يحملهم ذلك على التفكر والتأمل ، والنظر في الآيات بعين البصيرة ، لا بعين الهوى والعداوة .
{ ولو شئنا لرفعناه بها } أي : لرفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده .
{ ولكنه أخلد إلى الأرض } عبارة عن فعله لما سقطت به منزلته عند الله . { فمثله كمثل الكلب } أي : صفته كصفة الكلب ، وذلك غاية في الخسة والرداءة .
{ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان ، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب ، وهي حالة دائمة للكلب ، ومعنى إن تحمل عليه : إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو تتركه دون أن تحمل عليه ، فهو يلهث على كل حال ، ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال فضلالته على كل حال كما أن لهث الكلب على كل حال ، وقيل : إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة .
{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي : صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه وكصفة الرجل المشبه به لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا ، وإن تركوا لم يهتدوا ، وشبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم ، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.