والآن وقد صور عباد الرحمن . تلك الخلاصة الصافية للبشرية . يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء . فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام .
( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .
وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها ؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم ، وتطاولهم عليه ، وهم يعرفون مقامه ؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون . . فما قومه ? وما هذه البشرية كلها ، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله . وتتضرع إليه . كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون ?
من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل . والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض . والأمة واحدة من أمم هذه الأرض . والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله ?
وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا ؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه ! وهو هين هين ، ضعيف ضعيف ، قاصر قاصر . إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد ، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله ؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان . فضلا من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة ، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له ، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة ؛ وإلا فهو لقي ضائع ، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان !
( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) . . وفي التعبير سند للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإعزاز : ( قل : ما يعبأ بكم ربي ) . فأنا في جواره وحماه . هو ربي وأنا عبده . فما أنتم بغير الإيمان به ، والانضمام إلى عباده ? إنكم حصب جهنم ( فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .
لزاما : لازما يحيق بكم حتى يكبكم في النار .
77-{ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما }
تشير الآية إلى هوان البشرية كلها على الله ، لولا طاعتها وعبادتها ، فهناك أكوان وعوالم من السماء ، والأرض ، والبحار والأفلاك ، والأبراج والشموس والأقمار ، وصدق الله العظيم : { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس . . } [ غافر : 57 ] فالبشرية كلها صفحة في كتاب الكون البديع ، والله غني عنها وعن عبادتها ، فإذا عرف المؤمنون ربهم وعبدوه ، فقد أدركوا طريقهم ، وأرضوا ربهم ، وساروا في المسار الصحيح للمخلوقات : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات : 56 ] وإذا كذب الكافرون وأعرضوا ، فما أهونهم وما أجدرهم باستحقاق العذاب .
وفي مثل هذه المعاني يقول القرآن الكريم : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } [ فاطر : 15 ]
ويقول سبحانه : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } [ محمد : 38 ] .
سورة الفرقان في جانب منها إيناس للرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي جانب آخر مناقشة للمشركين ، واستعراض حججهم ومناقشتها ، وفي ختام السورة : بيان لعظمة الخالق ، وإبداع الخلق ، وأن الإنسان حين يتكبر ويتجبر ، أو يكفر ويكذّب ، أو يتطاول على خالقه : فقد لبس حلة أكبر من قدره ، وتعاظم فوق مقدرته ، فناسب ذلك أن يكون ختام السورة حاملا لهذه المعاني : لا يبالي بكم ربي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه ، فإنه إنما خلق الخلق لعبادته وتوحيده ، { فقد كذبتم } . أيها الكافرون بكتابي ورسولي ، فسوف يكون تكذيبكم مقتضيا لعذابكم في الدنيا والآخرة ، مستلزما هزيمتكم يوم بدر ، وعذابكم في جهنم يوم القيامة .
تم تفسير سورة الفرقان ، والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
3 - نقلا عن تفسير ابن كثير 3/ 315 .
4 - الملك : مبتدأ يومئذ : ظرف للمبتدأ . الحق : نعت له . للرحمان : خبره .
5 - إن الله تعالى يطوي السماء :
رواه مسلم في صفة القيامة ح 4995 ، وأبو داود في السنة ح 4170 .
رواه مسلم في أثناء حديث طويل من كتاب صلاة المسافرين ح 1233 ، وأحمد مختصرا ح 23460 ، 24139 ، 24629 .
رواه الترمذي في تفسير القرآن ح 3067 وأحمد في مسنده ح 8293 ، 8400 ، 12247 من حديث أبي هريرة ، وقال الترمذي : حديث حسن
8 - يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي :
رواه مسلم في البر والصلة ح 2577 وأحمد 5/ 154 ، 160 177 والترمذي 2495 ، وابن ماجة ح 4275 ، وعبد الرزاق 20272 من حديث أبي ذر .
9 - لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم :
رواه البخاري في الصلاة ح 415 ، وفي أحاديث الأنبياء ح 312 ، 313 ، وفي المغازي ح 4076 ، 4068 ، وفي تفسير القرآن ح 4333 ، ومسلم في الزهد ح 5292 ، 5293 ، وأحمد 4333 ، 4974 ، 5090 من حديث عبد الله بن عمر بلفظ : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين . . ) الحديث .
رواه البخاري في الشهادات ح 2458 ، ومسلم في فضائل الصحابة ح 4601 وأحمد في مسنده ح 3413 ، 3767 ، والترمذي في المناقب ح 3794 ، وابن ماجة في الأحكام ح 2353 ، من حديث عبد الله بن مسعود ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
11 - لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي :
رواه البخاري في تفسير القرآن ح 4397 ، ومسلم في الإيمان ح 307 ، وأحمد في مسنده ح 2413 ، والترمذي في تفسير القرآن ح 3286 ، من حديث ابن عباس ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
12 - المنتخب في تفسير القرآن الكريم ، طباعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، بوزارة الأوقاف بمصر ص 537
13 - في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ، دار الشروق 5/ 2569 .
14 - ذهبت النبوات وبقيت المبشرات . . الرؤيا يراها الرجل :
رواه مسلم في الصلاة ح 738 ، وأحمد ح 181 ، والنسائي في التطبيق ح 1035 ، 1108 ، وأبو داود في الصلاة ح 742/ وابن ماجة في تعبير الرؤيا ح 3889 ، والدارمي في الصلاة ح 1291 ، 1292 .
15 - في رحاب التفسير : عبد الحميد كشك 4/ 2214 الناشر : المكتب المصري الحديث .
16 - في رحاب التفسير : عبد الحميد كشك ، المجلد الرابع ، نشر المكتب المصري الحديث ، 2 شارع شريف عمارة اللواء بالقاهرة ت 3934127 .
17 - أتدرون ماذا قال ربكم . . . أصبح من عبادي مؤمن وكافر :
رواه البخاري في الآذان ح 801 وفي الجمعة ح 980 ، وفي المغازي ح 3832 ، وفي التوحيد ح 6949 ، ومسلم في الإيمان ح 104 ، وأحمد في مسنده ح 16444 ، وأبو داود في الطب ح 3407 ، ومالك في النداء للصلاة ح 405 .
18 - أعطيت خمسا لم يعطهن نبي :
رواه البخاري في التيمم ح 323 ، وفي الصلاة ح 419 ، ومسلم في المساجد ح 810 ، وأحمد ح 2606 ، والنسائي في الغسل والتيمم ح 429 ، والدارمي في الصلاة ح 1353 ، وفي السير ح 2358 .
19 - بعثت إلى الأحمر والأسود :
رواه أحمد في مسنده ح 13745 ، 18902 ، 20337 ، 20352 ، والدرامي في السير ح 2358 .
20 - في ظلال القرآن 9/ 48 ، طبعة دار إحياء الكتب العربية .
21 - تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 19/ 32 .
22 - إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه :
رواه البخاري في بدء الخلق ح 2969 ، ومسلم في القدر ح 4781 ، وأحمد ح 3441 ، 3882 ، والترمذي في القدر ح 2063 .
23 - سبحانك اللهم ربنا وبحمدك :
رواه مسلم في الصلاة ح 606 والترمذي في الصلاة ح 225 ، 226 ، 443 ، وفي الدعوات ح 3355 ، والنسائي في الافتتاح ح 889 ، 890 ، وفي التطبيق ح 1119 ، وفي السهو ح 1327 ، وأبو داود في الصلاة ح 658 ، 659 وفي الأدب ح 4216 ، 4217 ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ح 796 ، 798 ، 879 ، وأحمد في مسنده ح 3696 ، 3926 ، والدارمي في الصلاة ح 1211 ، وفي الاستئذان ح 2543 .
24 - إن الله عز وجل يبسط يده بالليل :
رواه مسلم في التوبة ح 4954 ، وأحمد ح 18708 ، 18793 .
25 - إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق :
رواه أحمد في مسنده ح 8595 من حديث أبي هريرة .
26 - إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون :
رواه مسلم في المساجد ح 945 ، وأحمد ح 6952 ، 9550 ، 10427 ، والترمذي في الصلاة ح 301 والنسائي في الإمامة ح 852 ، وابن ماجة في المساجد ح 767 ، ومالك في النداء للصلاة ح 137 ، ورواه البخاري في الآذان ح 636 ، بنحوه .
27 - انظر تفسير ابن كثير ، وفي رحاب التفسير للشيخ عبد الحميد كشك 4/ 2295 .
28 - لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث :
رواه البخاري في الديات ح 6370 ، ومسلم في القسامة 3157 ، 3167 ، والترمذي في الديات ح 1322 ، وفي الحدود ح 1364 ، والنسائي في تحريم الدم ح 3951 ، وفي القسامة ح 4642 ، وأبو داود في الحدود ح 3788 ، وابن ماجة في الحدود ح 2525 ، وأحمد ح 3438 ، 3859 ، 4024 ، والدارمي في الحدود ح 2196 .
رواه البخاري في بدء الوحي ح1 ، وأطرافه عنده : 54 ، 2529 ، 3898 ، 5070 ، 6689 ، 6953 ، ومسلم ح 1907 ، وأحمد 1/ 25 ، 43 ، وأبو داود في الطلاق ح 1882 ، 2201 والترمذي ح 1374 ، وابن ماجة في الزهد ح 4217 .
30 - إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار :
رواه مسلم في الإيمان ح 273 ، 288 ، والترمذي في صفة جهنم ح 2520 ، وأحمد ح 3414 ، 7762 ، 10770 ، 14420 .
31 - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر :
رواه البخاري في الشهادات ح 2460 ، وفي الآداب ح 5519 ، 5520 ، ومسلم في الإيمان ح 126 ، 128 ، وأحمد ح 11886 ، 19491 ، 19499 .
32 - إذا مات ابن آدم انقطع عمله :
رواه مسلم في الوصية ح 3084 ، والترمذي في الأحكام ح 1297 ، والنسائي في الوصايا ح 3591 ، وابن ماجة في المقدمة ح 238 ، وأحمد ح 8489 ، والدارمي في المقدمة ح 558 ، وهو بلفظ ( إذا مات الإنسان . . . ) الحديث . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
33 - تفسير النيسابوري [ غرائب القرآن ورغائب الفرقان ] على مصحف التهجد 3/ 2530 دار الصفوة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل ما يعبؤا بكم} يقول: ما يفعل بكم {ربي لولا دعاؤكم} يقول: لولا عبادتكم {فقد كذبتم} النبي صلى الله عليه وسلم، يعد كفار مكة {فسوف يكون لزاما} يلزمكم العذاب ببدر، فقتلوا وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل الله تعالى بأرواحهم إلى النار، فيعرضون عليها طرفي النهار.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ربّي" يقول جلّ ثناؤه لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: أيّ شيء يَعُدّكم، وأيّ شيء يصنع بكم ربي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئا، وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته...
وقوله: "لَوْلا دُعاؤُكُمْ "يقول: لولا عبادة من يعبده منكم، وطاعة من يطيعه منكم... عن مجاهد، قوله "لَوْلا دُعاؤُكُمْ" قال: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه.
وقوله: "فَقَدْ كَذّبْتُمْ" يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذّبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به، لو تمسكتم به، كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابا لكم ملازما، قتلاً بالسيوف وهلاكا لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا... ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذاب اللزام...
وقال آخرون: معنى اللزام: القتال... عن ابن عباس "فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما" قال: موتا.
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: معنى ذلك: فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شرّ.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
أحسن الأقاويل فيه أن معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤكم أي: لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد، وهي في معنى قوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)... (فقد كذبتم) أي: كذبتم أيها الكافرون، ومعناه: قد دعوتكم إلى الإيمان فلم تؤمنوا. وقوله: (فسوف يكون إلزاما) وعيد معناه: سوف يكون العذاب لزاما.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة: أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرّح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتدّ بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يخاطب بذلك... و {ما} تحتمل النفي وتحتمل التقرير والكلام في نفسه يحتمل تأويلات أحدها أن تكون الآية إلى قوله {لولا دعاؤكم} خطاباً لجميع الناس... ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة أي {ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب تعذيبكم،...
فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم... ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ليرجعوا عن العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال: {قل ما يعبأ} أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن -على أن "ما "نافية {بكم} أي أيها الكافرون {ربي} أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته، المخصص لي بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار {فقد كذبتم} أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد كذبتم، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم شراً من البهائم، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب،
والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، وإنما قلت: "الآن" لأن "ما" لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس "لا" {فسوف} أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم، بل {يكون} جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد عندكم قريب عنده، وكل آتٍ قريب، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم {لزاماً} أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن أنكر حقيقة الرحمن- والله ولي التوفيق بالإيمان...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن وقد صور عباد الرحمن. تلك الخلاصة الصافية للبشرية. يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء. فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام. (قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما).. وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم، وتطاولهم عليه، وهم يعرفون مقامه؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون.. فما قومه؟ وما هذه البشرية كلها، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله. وتتضرع إليه. كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون؟ من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل. والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض. والأمة واحدة من أمم هذه الأرض. والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله؟ وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه! وهو هين هين، ضعيف ضعيف، قاصر قاصر. إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان. فضلا من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة؛ وإلا فهو لقي ضائع، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان! (قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم).. وفي التعبير سند للرسول [صلى الله عليه وسلم] وإعزاز: (قل: ما يعبأ بكم ربي). فأنا في جواره وحماه. هو ربي وأنا عبده. فما أنتم بغير الإيمان به، والانضمام إلى عباده؟ إنكم حصب جهنم (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن، وما تضمنته من توحيد الله، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم، وأحوال المؤمنين، وأقيمت الحجج الدامغة للمعْرضين، ختمت بأمر الله رسولَه عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شَفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته؛ فبيّن لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمةً منه بهم لإصلاح حالهم وقطعاً لعذرهم فإذْ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب.
و {ما} من قوله: {ما يعبؤا بكم} نافية. وتركيب: ما يعبأ به، يدل على التحقير، وضده عَبأ به يفيد الحفَاوة.
ومعنى {ما يعبأ}: ما يبالي وما يهتمّ، وهو مضارع عَبَأ مثل: ملأ يَملأ مشتقّ من العِبء بكسر العين وهو الحِمل بكسر الحاء وسكون الميم، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العِبء على العِدْل بكسر فسكون، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة. فأصل {ما يعبأ}: ما يحْمِل عِبئاً، تمثيلاً بحالة المُتعَب من الشيء، فصار المقصود: ما يهتمّ وما يكترث، وهو كناية عن قلة العناية.
والباء فيه للسببية، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام. فالتقدير هنا: ما يعبأ بخطابكم.
والدعاء: الدعوة إلى شيء، وهو هنا مضاف إلى مفعوله، والفاعل يدل عليه {ربّي} أي لولا دعاؤه إياكم، أي لولا أنه يدعوكم. وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله: {فقد كذبتم}، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام. والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم. وهذا كقوله تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا لِيَعْبُدون ما أُريد منهم مِن رزق وما أُريد أن يُطْعِمُون} [الذاريات: 56، 57].
وضمير الخطاب في قوله: {دعاؤكم} موجّه إلى المشركين بدليل تفريع {فقد كَذّبتم} عليه وهو تهديد لهم، أي فقد كذبتم الداعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء. وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجهاً إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتمادُ المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها.
وتفريع {فقد كذبتم} على قوله: {لولا دعاؤكم}، والتقدير: فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه.
والضمير في {يكون} عائد إلى التكذيب المأخوذ من {كذبتم}، أي سوف يكون تكذيبهم لزاماً لكم، أي لازماً لكم لا انفكاك لكم منه. وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديداً مهولاً بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني: قد فعلتَ كذا فسوف تتحمل ما فعلت.
ودخل في هذا الوعيد ما يحلّ بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب.
واللِّزام: مصدر لازم، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم، أي عدم المفارقة، قال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً} في سورة طه (129). والضميرُ المستتر في (كان) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله: {ولعذَاب الآخرة أشدّ وأبقَى} [طه: 127]، فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة. وقد اجتمع فيه مبالغتان: مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف.
وعن ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب: اللِّزام: عذاب يوم بَدر. ومرادهما بذلك أنه جزئيّ من جزئيات اللِّزام الموعود لهم. ولعلّ ذلك شاع حتى صار اللزام كالعَلم بالغلبة على يوم بدر. وفي الصحيح عن ابن مسعود: خمس قد مضَين: الدخان والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، يعني أن اللِّزام غير عذاب الآخرة.
ثم ينهي الحق سبحانه سورة الفرقان بقوله تعالى:
{قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما}
بعد أن تحدث الحق –تبارك وتعالى- عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم وجزاءهم توجه إلى الآخرين الذين لم يتصفوا بهذه الصفات، ولن ينالهم شيء من هذا النعيم، يقول لهم: إياكم أن تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو يهتم، أو يكون في معونتكم؛ لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين عبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وأنتم خالفتم الأصل الأصيل من إيجاد الخلق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله تعالى من أجله.
فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تعبئوا به ولم تعبدوه، ولم يكن على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ذكر منه سبحانه، وسوف يهملكم.
وقوله تعالى: {لولا دعاؤكم} يعني: لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع {فقد كذبتم} أي: بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون للعبادة {فسوف يكون لزاما} كما لازمتم أنتم الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل لزاما لكم، فلا يفارقكم أبدا.