ومن التكريم أن يكون الإنسان قيما على نفسه ، محتملا تبعة اتجاهه وعمله . فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا . حرية الاتجاه وفردية التبعة . وبها استخلف في دار العمل . فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب :
( يوم ندعو كل أناس بإمامهم . فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ) .
ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا . .
وهو مشهد يصور الخلائق محشورة . وكل جماعة تنادي بعنوانها باسم المنهج الذي اتبعته ، أو الرسول الذي اقتدت به ، أو الإمام الذي ائتمت به في الحياة الدنيا . تنادي ليسلم لها كتاب عملها وجزائها في الدار الآخرة . . فمن أوتي كتابه بيمينه فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاه ، ويوفى أجره لا ينقص منه شيئا ولو قدر الخيط الذي يتوسط النواة !
{ يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ( 71 ) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ( 72 ) وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتّخذوك خليلا ( 73 ) ولولا أن تبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ( 74 ) إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد له علينا نصيرا ( 75 ) وإن كادوا ليستفزّونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ( 76 ) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ( 77 ) }
بإمامهم : بمن ائتموا به من بني آدم في الدين وقيل : بكتابهم أو دينهم ، وقيل : بكتاب أعمالهم .
الفتيل : الخيط المستطيل في شق النواة ، وبه يضرب المثل في الشيء الحقير التافه ، ومثله : النقير ، والقطمير .
71- { يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا } .
{ يوم ندعو كل أناس بإمامهم } . أي : بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين ، أو كتاب أو دين ؛ فيقال : يا أتباع فلان ، يا أهل دين كذا وكتاب كذا ، وقيل : بكتاب أعمالهم ، فيقال يا أصحاب كتاب الخير ، ويا أصحاب كتاب الشر !
ورجح ابن كثير- رحمه الله- القول بأن الإمام هو كتاب الأعمال لقوله تعالى : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } . ( يس : 12 ) .
وقال سبحانه : { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ، 28 ) .
وما رجحه ابن كثير هو الصواب ؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وأول ما يمكن الاهتمام به في معاني الآيات هو الرجوع إلى نظائرها .
{ فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم } . أي : فمن أعطى كتاب عمله بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم مبتهجين فرحين بما فيه من العمل الصالح { ولا يظلمون فتيلا } أي : وينقصون شيئا من أجور أعمالهم ، ولو قدر الفتيل ، وهو ما في شق النواة ، أو ما تفتله بين أصبعيك ، أو هو أدنى شيء ، فهي الفتيل مثل في القلة كقوله تعالى :
{ ولا يظلمون شيئا } . ( مريم : 60 ) .
وقد ثبت في علم الكمياء أنّ وزن الذرات التي تدخل في كل جسم بنسب معينة ، فلو أن ذرة واحد في عنصر من العناصر الداخلة في تركيب أي جسم من النبات أو الحيوان أو الجماد ، نقصت عن النسبة المقدرة لتكوينه ؛ لم يتكون ذلك المخلوق .
وخالق الدنيا هو خالق لآخرة ، فالظلم مستحيل هناك كما استحال هنا في نظم الطبيعة ، فما أجل قدرة الله وما أعظم حكمته في خلقه ! {[437]} .
{ 71-72 } { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا }
يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة ، وأنه يدعو كل أناس ، ومعهم إمامهم وهاديهم إلى الرشد ، وهم الرسل ونوابهم ، فتعرض كل أمة ، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم ، وتعرض أعمالهم على الكتاب الذي يدعو إليه الرسول ، هل هي موافقة له أم لا ؟ فينقسمون بهذا قسمين : { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } لكونه اتبع إمامه ، الهادي إلى صراط مستقيم ، واهتدى بكتابه ، فكثرت حسناته ، وقلت سيئاته { فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ } قراءة سرور وبهجة ، على ما يرون فيها مما يفرحهم ويسرهم . { وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } مما عملوه من الحسنات .
{ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 71 ) }
اذكر -يا محمد- يوم البعث مبشرًا ومخوفًا ، حين يدعو الله عز وجل كل جماعة من الناس مع إمامهم الذي كانوا يقتدون به في الدنيا ، فمن كان منهم صالحًا ، وأُعطي كتاب أعماله بيمينه ، فهؤلاء يقرؤون كتاب حسناتهم فرحين مستبشرين ، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم الصالحة شيئًا ، وإن كان مقدارَ الخيط الذي يكون في شَقِّ النواة .
وقوله - سبحانه - : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } شروع فى بيان تفاوت أحوال بنى آدم فى الآخرة ، بعد بيان حالهم فى الدنيا .
ولفظ { يوم } منصوب بفعل محذوف ، أى : واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم . والمراد بإمامهم هنا : كتاب أعمالهم .
وقد اختار هذا القول الإِمام ابن كثير ورجحه فقال : يخبر الله - تعالى - عن يوم القيامة ، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ، وقد اختلفوا فى ذلك . فقال مجاهد وقتادة أى : بنبيهم ، وهذا كقوله - تعالى - : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط }
وقال ابن زيد : بإمامهم أى بكتابهم الذى أنزل على نبيهم من التشريع ، واختاره ابن جرير . . .
وروى العوفى عن ابن عباس فى قوله : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } أى : بكتاب أعمالهم . . .
وهذا القول هو الأرجح لقوله - تعالى - : { وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ } وقال - تعالى - : { وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } ويحتمل أن المراد بإمامهم : أن كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإِيمان ائتموا بالأنبياء - عليهم السلام - ، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم فى الكفر . . .
وفى الصحيحين : " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت . . . " الحديث . . .
ثم قال - رحمه الله - ولكن المراد ههنا بالإِمام ، هو كتاب الأعمال .
والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا ، بكتاب أعمالهم الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم لله فقال - تعالى - : { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } .
أى : فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة ، كتابه بيمينه ، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته ، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج ، ولا ينقصون من أجورهم قدر فتيل ، وهو الخيط المستطيل فى شق النواة ، وبه يضرب المثل فى الشئ القليل و { من } فى قوله { فمن أوتى } يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء فى الخبر وهو { فأولئك } لشبهه بالشرط .
وجاء التعبير فى قوله { أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } بالإِفراد ، حملا على لفظ من ، وجاء التعبير بالجمع فى { أولئك } حملا على معناها .
وفى قوله - سبحانه - { بيمينه } تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب الملئ بالإِيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه - : { فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ } بالإِظهار ، ولم يقل : يقرءونه ، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء ، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه .