وسار الركب ، ونفذوا وصية أبيهم :
( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ما كان يغني عنهم من الله من شيء - إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها - وإنه لذو علم لما علمناه ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . .
فيم كانت هذه الوصية ؟ لم قال لهم أبوهم : لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ؟
تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدى وتعيد ، بلا ضرورة ، بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم . فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال . ولكنه قال فقط - إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها - فينبغي أن يقف المفسرون عند ماأراده السياق ، احتفاظا بالجو الذي أراده . والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئا عليهم ، ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء . فالحكم كله إليه ، والاعتماد كله عليه . إنما هو خاطر شعر به ، وحاجة في نفسه قضاها بالوصية ، وهو على علم بأن إرادة الله نافذة . فقد علمه الله هذا فتعلم .
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . .
ثم ليكن هذا الشيء الذي كان يخشاه هو العين الحاسدة ، أو هي غيرة الملك من كثرتهم وفتوتهم . أو هو تتبع قطاع الطريق لهم . أو كائنا ما كان فهو لا يزيد شيئا في الموضوع . سوى أن يجد الرواة والمفسرون بابا للخروج عن الجو القرآني المؤثر إلى قال وقيل ، مما يذهب بالجو القرآني كله في كثرة الأحايين !
فلنطو نحن الوصية والرحلة كما طواها السياق ، لنلتقي بإخوة يوسف في المشهد التالي بعد الوصول :
{ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون68 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون69 } .
من حيث أمرهم أبوهم : من الأبواب المتفرقة التي أمرهم بالدخول منها .
لما علمناه : لتعليمنا إياه بالوحي .
68 { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها . . . } .
أي : ولما دخل إخوة يوسف من الأبواب المتفرقة ، ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد ، ما كان يدفع عنهم ذلك الدخول من أبواب متفرقة شيئا مما قضاه الله ، وقدره عليهم ، ولكن الذي حمل يعقوب على أمرهم بذلك ، هو خوفه عليهم من الحسد ، أو خوفه من بطش الملك بهم ؛ حين يراهم مجتمعين ، في هيئة واحدة ؛ فأظهر يعقوب رغبته في دخولهم متفرقين ، ووصاهم بها ، ولم يستطع إخفاءها ؛ لشدة حبه لهم ، مع اعتقاده بأن كل شيء بقضاء الله وقدره .
{ وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .
أي : وإن يعقوب لذو علم عظيم ؛ لأجل تعليمنا إياه بالوحي ؛ حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر ؛ حيث قال : { وما أغني عنكم من الله من شيء } . أي وما أدفع عنكم بهذا التدبير من شيء قضاه الله ؛ وإنما نأخذ بالأسباب ؛ فالأخذ بها مشروع ومأمور به .
{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . ما أعطاه الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه من العلم والمعرفة محسن التأني للأمور .
{ وَلَمَّا } ذهبوا و { دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ } ذلك الفعل { يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد ، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة ، وقضاء لما في خاطره .
وليس هذا قصورا في علمه ، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين ، ولهذا قال عنه : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } أي : لصاحب علم عظيم { لِمَا عَلَّمْنَاهُ } أي : لتعليمنا إياه ، لا بحوله وقوته أدركه ، بل بفضل الله وتعليمه ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } عواقب الأمور ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم منهم ، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.