في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

124

( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) . .

هذا البيت الحرام الذي قام سدنته من قريش فروعوا المؤمنين وآذوهم وفتنوهم عن دينهم حتى هاجروا من جواره . . لقد أراده الله مثابة يثوب إليها الناس جميعا ، فلا يروعهم أحد ؛ بل يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم . فهو ذاته أمن وطمأنينة وسلام .

ولقد أمروا أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى - ومقام إبراهيم يشير هنا إلى البيت كله وهذا ما نختاره في تفسيره - فاتخاذ البيت قبلة للمسلمين هو الأمر الطبيعي ، الذي لا يثير اعتراضا . وهو أولى قبلة يتوجه إليها المسلمون ، ورثة إبراهيم بالإيمان والتوحيد الصحيح ، بما أنه بيت الله ، لا بيت أحد من الناس . وقد عهد الله - صاحب البيت - إلى عبدين من عباده صالحين أن يقوما بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود - أي للحجاج الوافدين عليه ، وأهله العاكفين فيه ، والذين يصلون فيه ويركعون ويسجدون فحتى إبراهيم وإسماعيل لم يكن البيت ملكا لهما ، فيورث بالنسب عنهما ، إنما كانا سادنين له بأمر ربهما ، لإعداده لقصاده وعباده من المؤمنين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

البيت الحرام

( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطآئفين والعاكفين والركع السجود( 125 ) ( .

المفردات :

البيت الحرام : المراد به الكعبة .

مثابة : أي مرجعا يثوب إليه هؤلاء الزوار أمثالهم .

أمنا : موضع أمن .

مقام إبراهيم : هو الحجر الذي كان يقوم عليه حين بناء الكعبة .

المصلى : موضع الصلاة أي الدعاء والثناء على الله تعالى .

عهدنا : عهد إليه بكذا إذا وصاه به .

طهرا بيتي : نظفاه من كل ما لا يليق من الأوثان وجميع الخبائث .

والعاكفين : أي المعتكفين في المسجد ، الملازمين له زمنا ما .

والركع السجود : الركع جمع راكع ، السجود جمع ساجد ، المراد به المصلون .

تمهيد :

ذكر سبحانه العرب في هذه الآية بنعم أسبغنا عليهم ومنن قلدها جيدهم ، وهي جعل البيت الحرام مرجعا للناس يقصدونه ثم يثوبون إليه ، وجعله مأمنا في هذه البلاد ، بلاد المخاوف التي يتخطف الناس فيها من كل جانب .

التفسير :

125- وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا : أي اذكروا وقت أن أمرنا بأن يصير البيت مرجعا للحجاج يرجعون إليه بعد أن يتفرقوا عنه ، أو موضع ثواب يثاب الناس بالحج إليه والاعتمار فيه .

وأمنا : أي موضع أمن ، والمقصود من جعل البيت مكان أمن أن الحج إليه يجعل الحاج مطمئنا إلى رحمة الله ، فإنه مكفر لكثير من الذنوب .

كما جعل الله الحرام آمنا لاحترام الناس وتعظيمهم إياه بعدم سفك دم فيه ، حتى كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له بسوء .

ونحو الآية قوله تعالى في سورة العنكبوت : أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ؟ ( العنكبوت : 67 ) .

واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى : أي وقلنا لهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وفائدة ذكر هذا الأمر أن يستحضر السامع أو التالي المأمورين به وكان الأمر يوجه إليهم .

وشرع من قبلنا شره لنا ما لم يرد ناسخ له ، فنحن مأمورون بالدعاء في مقام إبراهيم ، كما أمر به من كان في عصره من المؤمنين .

روى ابن جرير عن جابر قال : استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعة ، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين ، وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه( 303 ) .

وروى البخاري عن عمرو بن دينار قال : سمعت ابن عمر يقول : ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف باليت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ) .

قال ابن كثير :

«فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة ، كلما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى ، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه ، وكلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها ، وهكذا حتى أتم جدارات الكعبة » ( 304 ) .

وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود : أي ووصينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن طهرا هذا البيت وما حوله من كل رجس معنوي كالشرك بالله وعبادة الأصنام أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه ، وقد أمر بتطهيره على هذا النحو من أجل الطائفين به للتنسك من أهل الحرم ، أو الوافدين عليه من بقاع الأرض ، ومثلهم الزائرون . فالتطهير عام من أجل الجميع .

وكما أمر بتطهيره مما ذكر للطائفين ، أشرك معهم في هذا الحكم المعتكفين فيه عن الناس لعبادة ربهم والمصلين الذين عناهم سبحانه بقوله : والركع السجود .

قال ابن كثير :

إن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له ، للطائفين والعاكفين والمصلين إليه من الركع السجود كما قال تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . ( الحج : 26 ) .

والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى : إن الذين كفروا يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم . ( الحج : 25 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

ثم ذكر تعالى ، نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم ، وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده ، ركنا من أركان الإسلام ، حاطا للذنوب والآثام .

وفيه من آثار الخليل وذريته ، ما عرف به إمامته ، وتذكرت به حالته فقال : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } أي : مرجعا يثوبون إليه ، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية ، يترددون إليه ، ولا يقضون منه وطرا ، { و } جعله { أَمْنًا } يأمن به كل أحد ، حتى الوحش ، وحتى الجمادات كالأشجار .

ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد الاحترام ، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم ، فلا يهيجه ، فلما جاء الإسلام ، زاده حرمة وتعظيما ، وتشريفا وتكريما .

{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } يحتمل أن يكون المراد بذلك ، المقام المعروف الذي قد جعل الآن ، مقابل باب الكعبة ، وأن المراد بهذا ، ركعتا الطواف ، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم ، وعليه جمهور المفسرين ، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا ، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج ، وهي المشاعر كلها : من الطواف ، والسعي ، والوقوف بعرفة ، ومزدلفة ورمي الجمار والنحر ، وغير ذلك من أفعال الحج .

فيكون معنى قوله : { مُصَلًّى } أي : معبدا ، أي : اقتدوا به في شعائر الحج ، ولعل هذا المعنى أولى ، لدخول المعنى الأول فيه ، واحتمال اللفظ له .

{ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } أي : أوحينا إليهما ، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك ، والكفر والمعاصي ، ومن الرجس والنجاسات والأقذار ، ليكون { لِلطَّائِفِينَ } فيه { وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي : المصلين ، قدم الطواف ، لاختصاصه بالمسجد [ الحرام ] ، ثم الاعتكاف ، لأن من شرطه المسجد مطلقا ، ثم الصلاة ، مع أنها أفضل ، لهذا المعنى .

وأضاف الباري البيت إليه لفوائد ، منها : أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره ، لكونه بيت الله ، فيبذلان جهدهما ، ويستفرغان وسعهما في ذلك .

ومنها : أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه .

ومنها : أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه .