في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} (24)

22

ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال ؛ وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان :

( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) . . والكبر له جلاله ، وضعف الكبر له إيحاؤه ؛ وكلمة( عندك ) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف . . ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق ، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب . . ( وقل لهما قولا كريما ) وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام . . ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهنا يشف التعبير ويلطف ، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان . فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ، ولا يرفض أمرا . وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاسستسلام . ( وقل : رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) فهي الذكرى الحانية . ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان ، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع ، ورعاية الله أشمل ، وجناب الله أرحب . وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء .

قال الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن بريدة عن أبيه : أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي [ ص ] هل أديت حقها ? قال : لا . ولا بزفرة واحدة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا} (24)

{ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ( 24 ) }

التفسير :

24- { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة . . . }

خفض الجناح يراد به : التواضع والتدلل{[364]} . من الرحمة : أي من فرط رحمتك بهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما إليك .

{ وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا } .

أي : رب تعطف عليهما برحمتك ومغفرتك ، كما تعطفا علي في صغري ، فرحماني وربياني صغيرا . حتى استقللت بنفسي واستغنيت عنهما .

قال الزمخشري : أي : لا تكتف برحمتك بهما بل ادع الله أن يرحمها برحمته الواسعة ، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما بك في صغرك وتربيتهما لك{[365]} .

وكلما كرر الإنسان قراءة هذه الآية ؛ استشعر جمال التعبير القرآني وتلطفه في الوصول إلى حنايا النفس البشرية ، وروعته في تصوير الرحمة تصويرا رقيقا لطيفا حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ولا يرفض أمرا وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاستسلام ، { وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا } فهي الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع ورعاية الله أشمل . وجنات الله أرحب ، وهو أقرب على جزائهما بما بذل من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزاءه الأبناء .

والخلاصة : أن الله سبحان قد بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر منها جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته ثم شفعها بالإحسان إليهما ، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من التضجر ، ثم أمر بالذل والخضوع للوالدين وبالدعاء لهما والترحم عليهما ؛ فهي خمسة أمور مرتبة كالآتي :

1- الإحسان إلى الوالدين .

2- عدم التأفف والتضجر وعدم إيذائهما بالقول أو بالفعل .

3- التلطف في الخطاب والتأدب فيه ، مثل ذلك ألا ينادي أحدهما باسمه مجردا ولا يرفع صوته عليه بل يقول : يا أبي ويا أمي ولا يتكبر من أن يقبل يدهما ويبالغ في خدمتهما واحترامهما .

4- خفض الجناح ولين الجانب كما يفعل الطائر الذليل ، لا خوفا ولا رياء ولكن رحمة ورأفة بالسن الكبيرة والشيخوخة المتداعية .

5- الدعاء لله أن يرحمهما وأن يشملهما بعطفه ورضاه في الدنيا والآخرة .


[364]:- في هذا التعبير قدرة رائعة في تصوير هذا التواضع والتذلل من الأبناء للآباء وفيه استعارة مكنية وتخيلية فقد شبه الذل بطائر تشبيها مضمرا، وأثبت له الجناح تخييلا والخفض ترشيحا. وإضافة الجناح إلى الذل؛ للبيان؛ لأنه صفة مبينة. أي: جناحك الذليل وفيه مبالغة؛ لأنه وصف بالمصدر، فكأنه جعل الجناح عين الذل. أو التركيب استعارة تمثيلية فيكون مثلا لغاية التواضع، وسر ذكر الجناح وخفضه تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس.
[365]:- من الكشاف بتصرف وانظر محاسن التأويل للقاسمي 10/3919.