( وعلم آدم الأسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . ) . .
ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى . . ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري ، وهو يسلمه مقاليد الخلافة . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى ، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات ، والمشقة في التفاهم والتعامل ، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .
فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية ، لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر ، وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . .
{ وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين( 31 ) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم( 32 ) قال يا ءادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون( 33 ) }
( عرض الله على آدم من أفراد كل نوع ما يصلح أن يكون نموذجا : يتعرف منه على أحوال البقية وأحكامها ) .
{ وعلم آدم الأسماء كلها . . . } اختلف في هذه الأسماء التي علمها الله سبحانه آدم أعني الإنسان والرأي في هذا أن الله سبحانه أودع في الإنسان القدرة على البحث والنظر والكشف عن خصائص الأشياء وعللها وأسبابها والوقوف على أسرارها المودعة فيها ، وحلها وتركيبها . . .
وبهذه القدرة عرف حقائق كثير من الأشياء ، وهو جاد أبدا في الكشف عن المزيد منها يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل وعصرا إثر عصر ، وكلما عرف حقيقة وضع لها اسما تعرف به .
فالمراد بالأسماء هنا هو مسميات تلك الأسماء ، والمراد بالمسميات خصائص هذه المسميات وحقائقها .
( والأسماء كلها لا يراد بها أسماء جميع الموجودات في هذا الوجود إذ إن آدم لا يمكن أن يحيط علمه بكل موجود ظاهر أو خفي ، قريب أو بعيد ، وإنما المراد والله أعلم المسميات التي تكشف حقائقها لآدم وذريته واهتدوا إلى التعرف عليها وتحديد موقفهم منها إيجابا أو سلبا .
ففي دائرة هذه المعرفة كان امتحان الملائكة وكان عجزهم ، وكان إعلام آدم بما عجزوا عن معرفته . . فكان ذلك أبلغ رد على اعتراض الملائكة وجلاء الموقف الذي وقفوه من آدم .
( فالمراد من آدم هنا هو الإنسانية كلها ، وكان امتحان الملائكة فيها عرف أبناء آدم من أسرار هذا الوجود ) ( 76 ) .
وفي تفسير ابن كثير عن ابن عباس أن الله علم آدم الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجمل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .
( وفي الصحيح أن الله علم آدم أسماء كل شيء ) ( 77 ) .
{ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء } . أي عرض المسميات المدلول عليها بالأسماء التي علمها آدم . { فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء } .
فالمعروض لنظر الملائكة ذوات مشخصة يراد من الملائكة أن يضعوا لها أسماء تدل عليها ، وتكشف عن حقيقة كل واحدة منها .
{ إن كنتم صادقين } . أي في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته ، وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء إظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة ( 78 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.