وقد ورد في رواية للبخاري - بإسناده - عن ابن عباس أن النبي [ ص ] سأل اليهود عن شيء ، فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه . وأنه في هذا نزلت آية :
( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) . .
وفي رواية أخرى للبخاري - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري ، أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله [ ص ] كانوا إذا خرج رسول الله [ ص ] إلى الغزو وتخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله [ ص ] فإذا قدم رسول الله [ ص ] من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت : ا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . . . ) .
ومسألة نزول آية بعينها في مسألة بعينها ليست قطعية في هذا . فكثيرا ما يكون الذي وقع هو الاستشهاد بالآية على حادثة بعينها . فيروى أنها نزلت فيها . أو تكون الآية منطبقة على الحادثة فيقال كذلك : إنها نزلت فيها . . ومن ثم لا نجزم في الروايتين بقول .
فأما إذا كانت الأولى ، فهناك مناسبة في السياق عن أهل الكتاب ، وكتمانهم لما ائتمنهم الله عليه من الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه . ثم هم يكتمونه . ويقولون غير الحق ويمضون في الكذب والخداع ، حتى ليطلبوا أن يحمدوا على بيانهم الكاذب وردهم المفتري !
وأما إذا كانت الثانية ، ففي سياق السورة حديث عن المنافقين يصلح أن تلحق به هذه الآية . وهي تصور نموذجا من الناس يوجد على عهد الرسول [ ص ] ويوجد في كل جماعة . نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي ، وتكاليف العقيدة ، فيقعدون متخلفين عن الكفاح . فإن غلب المكافحون وهزموا رفعوا هم رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم ، ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة . . أما إذا انتصر المكافحون وغنموا ، فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم ؛ وينتحلون لأنفسهم يدا في النصر ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا !
إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء . نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين . فإذا ملامحه واضحة للعيان ، وسماته خالدة في الزمان . . وتلك طريقة القرآن .
هؤلاء الناس يؤكد الله للرسول [ ص ] أنهم لا نجاة لهم من العذاب . وإن الذي ينتظرهم عذاب أليم لا مفر لهم منه و لا معين :
{ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ، ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير }
يفرحون : يفرحون بما جاءوا به نفاقا او رياء من الأقوال أو الأفعال .
بمفازة من العذاب : بمنجاة منه .
188- { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } .
لا يزال الكلام موصولا مع أهل الكتاب : فالآية نازلة فيهم :
أخرج الإمام أحمد ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف : أن مروان بن محمد ، قال : اذهب يا رافع " بوابه " إلى ابن عباس رضي الله عنه ، فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا ، لنعذبن أجمعون . فقال ابن عباس : وما لكم وهذه ، إنما نزلت هذه في اهل الكتاب . ثم تلا ابن عباس : { وإذا أخذ الله ميثاق الذين أ توا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون } . وتلا ابن عباس : { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } .
وقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه ، وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد اخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا كتمانهم ما سألهم عنه .
وروى نحوه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم .
وقيل نزلت في المنافقين : لما رواه البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخذري : أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم . خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الغزو ، اعتذروا إليه ، وحلفوا وأحبوا ان يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت : { ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية } .
وعلى هذا ، فالمراد من حب المنافقين أن يحمدوا بما لم يفعلوا : أنهم أرادوا أن يحمدهم المؤمنون بسرورهم الذي أظهروه نفاقا بنصر المؤمنين ، ولم يكن سرورا نابعا من قلوبهم . فاعتبره الله تعالى في حكم المنفى .
وقد جاء التصريح بسرورهم الظاهر بالنصر ، في رواية طويلة ، لابن مردوية في تفسيره ، جاء فيها : وإن كان لهم نصر وفتح ، حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح .
ولا منافاة بين ما قاله ابن عباس وما قاله أبو سعيد الخدري في سبب النزول فالآية عامة في جميع ما ذكر . وهي- وإن نزلت لهذا السبب الخاص ، أو لهما معا- فهي بعموم لفظها ، عامة لكل من يأتي بشيء من الحسنات : بظاهره أو بحقيقته ، فيفرح به فرح إعجاب ، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار عنه من الفضائل . كأين يقولون فيه : هو صادق فيما قال . أو مخلص فيما فعل . او عظيم الإحسان والمبرات ، او نحو ذلك مما ليس فيه .
ويدخل في هذا العموم : من نزلت فيهم الآية ، دخولا أوليا .
والخطاب في قوله تعالى : لا تحسبن للنبي صلى الله عليه وسلم ، او لكل من يصلح للخطاب .
والمعنى : لا تظنن الذين يفرحون فرح إعجاب بما جاءوا به مما ظاهره الخير ، وباطنه النفاق او العجب ، او التجرد عن النية الصالحة ، ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا ، بأن يقال : إنهم صادقون ، أو مخلصون محسنون ، او غير ذلك من الصفات الجميلة : التي أرادوا ان تقال في شأنهم على وجه الحمد والثناء وهو منها براء .
{ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } . فلا تظننهم بمنجاة من العذاب الأخروي ، وإن أفلتوا من المؤاخذة الدنيوية .
والمقصود من نهيه صلى الله عليه وسلم : أن يظنهم ناجين من العذاب ، هو التنبيه على أنهم معذبون حتما على نياتهم الخبيثة ، ونفاقهم الممقوت ، وليس المقصود نهيه حقيقة عن ظنه نجاتهم . فهو " عليه السلام " عليم باستحقاقهم العذاب ، ما داموا مصرين على ما هم عليه من الطوية الخبيثة ، طبقا لما نزل عليه من شرع الله تعالى .
وذكر قوله : فلا تحسبنهم . بعد قوله : لا تحسبن الذين يفرحون لتأكيد الوعيد ، لطول الكلام .
أما قوله : بمفازة فهو المفعول الثاني لتحسبن الأول .
ولهم عذاب أليم هذه الجملة قصد بها : ان العذاب الذي لا ينجو منه هؤلاء ، وليسوا منه بمفازة ، هم عذاب بليغ الإيلام في شدته ومدته ونوعه ، وليس عذابا هينا يمكن احتماله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.