في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

( له معقبات من بين يديه ومن خلفه - يحفظونه - من أمر الله ) . .

والحفظة التي تتعقب كل إنسان ، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة ، والتي هي من أمر الله ، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف . أكثر من أنها . ( من أمر الله ) . . فلا نتعرض نحن لها : ما هي ? وما صفاتها ? وكيف تتعقب ? وأين تكون ? ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق . فذلك هو المقصود هنا ؛ وقد جاء التعبير بقدره ؛ ولم يجيء هكذا جزافا ؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل !

( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . .

فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم . فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى ، ولا يغير عزا أو ذلة ، ولا يغير مكانة أو مهانة . . . إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم . وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون . ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم ، ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم .

وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة ؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته ، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر ؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم . والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل . وهو يحمل كذلك - إلى جانب التبعة - دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله ، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه .

وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء ؛ لأنهم - حسب المفهوم من الآية - غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء :

( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) . .

يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة . وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم ، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم - إذا استحقوه بما في أنفسهم - ولا يعصمهم منه وال يناصرهم . .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ . . . } .

والضمير في { له } يعود إلى { من } في قوله { مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل } باعتبار تأويله بالمذكور .

و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات .

قال الشوكانى : " والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات .

قال الجوهرى : والتعقيب العود بعد البدء قال الله - تعالى - { ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } يقال : عقب الفرس في عدوه ، أى : جرى بعد جريه . وعقبه تعقيبا . أى : جاء عقبة و " من " في قوله { مِنْ أَمْرِ الله } بمعنى باء السببية .

والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .

قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .

وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحويهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .

وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه " .

ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .

أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد .

وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه .

وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد .

فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله في شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإِصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم . ولا يدفعه دافع .

قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم لهم مما يحبون إلى ما يكرهون .

ثم قال : إن مصداق ذلك في كتاب الله { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .

وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى ، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال : " قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { له } ، أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب . والمعقبات ، هم الملائكة الحفظة . سموا بالمعقبات ؛ لأن الملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس . والمعنى : أن للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، فريق يحرسونه بالليل وآخرون يحرسونه بالنهار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن روائه ، ومن كل ما حوله ؛ فقد أحط به هؤلاء المعقبات ليحصلوا عليه كل أعماله وأقواله على التمام ، من غير أن يفرطوا في حفظ شيء منها . وقيل : المراد أنهم يحرسونه من جميع المهالك .

قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { من } ، بمعنى الباء ؛ أي يحفظونه بأمر الله أو بإذنه . وقريب من ذلك كون { من } ، بمعنى عن ؛ أي يحفظونه عن أمر الله . وقيل : يحفظونه من اجل أمر الله ؛ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه من بأسه ونقمته بدعائهم له . وقيل : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الأسواء{[2325]} ؛ والنائبات ؛ فالملائكة موكلة بالعبد لحفظه من الوحوش والهوام والأخطار كأن تقع عليه حائط ، أو يهوي في بئر ، أو يأكله سبع ، أو ينتابه غرق أو حرق ، فغذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر .

وذكر أن هذه الآية : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } نزلت في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاءة الله له من الأشرار والخائنين ؛ فقد روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعك ؟ قال : ( أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل ) . قال : لا . قال : ( فما تبغي ؟ ) قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : ( لا ) قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : ( لا ) قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة ) يريد الأوس والخزرج . فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تشاورا فيما بينهما . فقال عامر : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة . فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم والآخر قال : اقصص علينا قصصك ، ما يقول قرآنك ، فجعل يجادله ويستبطئه وهو يرجو أن يضرب أربد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف . ثم قال له عامر : مالك ، أجشمت{[2326]} ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فما قدرت على أن أحركها ! ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عامر : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصف فيها صاعقة فاحرقته . وخرج عامر حتى إذا كان بواد يقال له الجرير أرسل الله عليه الطاعون فجعل يصيح : يا آل عامر أعدة{[2327]} كغدة البكر تقتلني ! يا آل عامر أغدة البكر تقتلني ! فذلك هو قول الله : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } حتى قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } {[2328]} .

قوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ذلك إخبار من الله عن فضله على الناس وعن عدله فيهم ، وإن ما بهم من نعمة أو خير فما يزول إلا بعصيانهم وضلالهم وفسقهم عن أمر ربهم ؛ فالله جل وعلا لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيلهما عنهم ويهلكهم حتى يقع منهم تغيير ، وذلك بظلم بعضهم بعضا ، واعتداء بعضهم على بعض ؛ فتحل بهم حينئذ من الله العقوبة والتغيير . أي أن زوال النعم وتغيير الحال من العافية والسلامة والعزة سببه المعاصي والحيدة عن منهج الله إلى ما يخالفه .

قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } إذا أراد أن يصيب أحدا أو قوما أو أمة من الأمم بعذاب أو بلاء ، من أمراض أو أسقام أو كروب أو نحو ذلك من ألوان البلاء ؛ ساقهم ليختاروا ما فيه بلائهم . وهم بذلك يمضون إلى ما فيه هلاكهم من حيث لا يدرون ، وربما يساق المرء مختارا إلى حتفه وهو لا يدري أو يسعى جادا ليظفر بما يبتغيه ثم يجد ثمة مهلكته وهو لا يعلم . ولو كان بعلم لامتنع من الفعل وأحجم ؛ فهذا هو تقدير الله على عباده ، ولا يملك أن يرد ما أراده الله بعباده من سوء وغيره { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم غير الله من ناصر يلي أمرهم فيدرأ عنهم البلاء ، أو ملجأ يأوون إليه فيحول بينهم وبين ما يريده الله لهم من السوء{[2329]} .


[2325]:الأسواء: جمع سوء انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 460.
[2326]:جشمت: تعبت. جشمت المر جشما، أي تكلفته على مشقة؛ أجشمته الأمر، وجشمته فتجشم. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 110.
[2327]:الغدة: لحم يحدث من داء بين الجلد واللحم. والغدة للبعير كالطاعون للإنسان. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 94.
[2328]:تفسير الطبري جـ 13 ص 95.
[2329]:الكشاف جـ 2 ص 352 وفتح القدير جـ 3 ص 71.