في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَـٰٓئِكَ رَفِيقٗا} (69)

58

وفي نهاية هذه الجولة ، ونهاية هذا الدرس ، يعود السياق إلى الترغيب ؛ واستجاشة القلوب ؛ والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب . . متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .

( ومن يطع الله والرسول ، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وحسن أولئك رفيقا ! ذلك الفضل من الله ، وكفى بالله عليمًا ) . .

إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب ، فيه ذرة من خير ؛ وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة ، في جوار الله الكريم . . وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي . . إنما هي من فضل الله . فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها . . إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم .

ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول الله [ ص ] وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة ؛ وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه . . وهو [ ص ] بين ظهرانيهم . فتنزل هذه الآية : فتندي هذا الوجد ؛ وتبل هذه اللهفة . . الوجد النبيل . واللهفة الشفيفة :

قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب السقمي ، عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير . قال : جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله [ ص ] وهو محزون . فقال له النبى [ ص ] : " يا فلان . ما لي أراك محزونا ؟ " فقال : يا نبي الله . شيء فكرت فيه . فقال : " ما هو ؟ " قال : نحن نغدو عليك ونروح . ننظر إلى وجهك ، ونجالسك . وغدا ترفع مع النبيين ، فلا نصل إليك . . فلم يرد عليه النبي [ ص ] شيئًا . فأتاه جبريل بهذه الآية : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) . . الآية ، فبعث النبي [ ص ] فبشره .

وقد رواه أبو بكر بن مردويه مرفوعا - بإسناده - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " جاء رجل إلى النبي [ ص ] فقال : يا رسول الله . إنك أحب إلي من نفسي ، وأحب إلى من أهلي ، وأحب إلي من ولدي . وإني لأكون في البيت ، فأذكرك ، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك . وإذا ذكرت موتيوموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك . فلم يرد عليه النبي [ ص ] حتى نزلت : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) . .

وفي صحيح مسلم من حديث عقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن كثير ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، عن ربيعة بن كعب الأسلمي ، أنه قال : كنت أبيت عند رسول الله [ ص ] فأتيته بوضوئه وحاجته . فقال لي : " سل " . فقلت يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة . فقال : " أو غير ذلك " . قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " .

وفي صحيح البخاري من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله [ ص ] سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ، فقال : " المرء مع من أحب " . . قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث . .

لقد كان الأمر يشغل قلوبهم وأرواحهم . . أمر الصحبة في الآخرة . . وقد ذاقوا طعم الصحبة في الدنيا ! وإنه لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم . . وفي الحديث الأخير أمل وطمأنينة ونور . . .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَـٰٓئِكَ رَفِيقٗا} (69)

{ ومن يطع الله } الآية قال المسلمون للنبي ص ما لنا منك إلا الدنيا فإذا كانت الآخرة رفعت في الأعلى فحزن وحزنوا فنزلت { ومن يطع الله } في الفرائض { والرسول } في السنن { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين } أي إنه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم فلا يتوهمن أنه لا يراهم { والصديقين } أفاضل أصحاب الأنبياء { والشهداء } القتلى في سبيل الله { والصالحين } أي أهل الجنة من سائر المسلمين { وحسن أولئك } الأنبياء وهؤلاء { رفيقا } أي أصحابا ورفقاء

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَـٰٓئِكَ رَفِيقٗا} (69)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول " لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم ، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله . وهذه الآية تفسير قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم{[4607]} " [ الفاتحة :6 - 7 ] وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته ( اللهم الرفيق الأعلى ) . وفي البخاري عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة ) كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة{[4608]} شديدة فسمعته يقول : ( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فعلمت أنه خير . وقالت طائفة : إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري - الذي أري الأذان - : يا رسول الله ، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك ، وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية . وذكر مكي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده ، فعمي مكانه{[4609]} . وحكاه القشري فقال : اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي ، فعمي مكانه . وحكى الثعلبي : أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه ، يعرف في وجهه الحزن ، فقال له : ( يا ثوبان ما غير لونك ) فقال : يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع ، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ذكره الواحدي عن الكلبي . وأسند عن مسروق قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا ، فأنزل الله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " . وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله . " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم " أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم ، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء . وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله ، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول . قال الله تعالى : " ونزعنا ما في صدورهم من غل{[4610]} " [ الأعراف : 43 ] . والصديق فعيل ، المبالغ في الصدق أو في التصديق ، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه . وقيل : هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق . وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق{[4611]} ومعنى الشهيد . والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي ، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . وقيل " الشهداء " القتلى في سبيل الله . " والصالحين " صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : واللفظ يعم كل صالح وشهيد ، والله أعلم . والرفق لين الجانب . وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته ، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض . ويجوز " وحسن أولئك رفقاء " . قال الأخفش : " رفيقا " منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء ؛ وقال : انتصب على التمييز فوحد لذلك ، فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا . كما قال تعالى : " ثم نخرجكم طفلا{[4612]} " [ الحج : 5 ] أي نخرج كل واحد منكم طفلا . وقال تعالى : " ينظرون من طرف خفي{[4613]} " [ الشورى :45 ] وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الرفقاء أربعة ) ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله .

الثانية : في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة . وأجمع المسلمون على تسمية أبى بكر الصديق رضي الله عنه صديقا ، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا ، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد . والله أعلم .


[4607]:راجع ج 1 ص 146.
[4608]:البحة (بالضم): غلظ في الصوت وخشونة.
[4609]:من ج.
[4610]:راجع ج 7 ص 208 و ج 10 ص 33.
[4611]:راجع ج 1 ص 233. وج 2 ص 173. و ج 4 ص 268.
[4612]:راجع ج 12 ص 11.
[4613]:راجع ج 16 ص 45. ينظر: يقابل؛ تقول العرب: دور آل فلان تنظر إلى دور آل فلان، أي هي بإزائها ومقابلة لها.