في نهاية الدرس الماضي ، ذكر الله المسلمين بميثاقهم الذي واثقهم به ؛ وذكرهم نعمته التي أنعم بها عليهم في هذا الميثاق . ذلك كي يؤدوا من جانبهم ما استحفظوا عليه ؛ ويتقوا أن ينقضوا ميثاقهم معه .
فالآن يستغرق هذا الدرس كل كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى . . الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة ؛ وجاءهم به الرسول الأخير . ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد ، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم ، فنسوا ولبس عليهم الأمر . . فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير . فسقطت الحجة ، وقام الدليل .
ومن خلال هذه الدعوة ، تتبين وحدة دين الله - في أساسه - ووحده ميثاق الله مع جميع عباده : أن يؤمنوا به ، ويوحدوه ، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم ، وينصروهم ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله . . فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة ، ويقرر العبادة الصحيحة ، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح . .
فالآن نأخذ في استعراض هذه الحقائق كما وردت في السياق القرآني الكريم :
( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ، وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا . وقال الله . إني معكم . لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ، وعزرتموهم ؛ وأقرضتم الله قرضا حسنا . . لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل . . فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ؛ وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ، ونسوا حظا مما ذكروا به ، ولا تزال تطلع على خائنة منهم - إلا قليلا منهم - فاعف عنهم واصفح ، إن الله يحب المحسنين . ومن الذين قالوا : إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ؛ فنسوا حظا مما ذكروا به ، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) . .
لقد كان ميثاق الله مع بني إسرائيل ميثاقا بين طرفين ؛ متضمنا شرطا وجزاء . والنص القرآني يثبت نص الميثاق وشرطه وجزاءه ، بعد ذكر عقد الميثاق وملابسات عقده . . لقد كان عقدا مع نقباء بني إسرائيل الاثني عشر ، الذين يمثلون فروع بيت يعقوب - وهو إسرائيل - وهم ذرية الأسباط - أحفاد يعقوب - وعدتهم اثنا عشر سبطا . . وكان هذا نصه :
( وقال الله : إني معكم . لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ، وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا . . لأكفرن عنكم سيئاتكم ، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فمن كفر بعد ذلك منكم ، فقد ضل سواء السبيل ) . .
( إني معكم ) . . وهو وعد عظيم . فمن كان الله معه ، فلا شيء إذن ضده . ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود - في الحقيقة - له ولا أثر . ومن كان الله معه فلن يضل طريقه ، فإن معية الله - سبحانه - تهديه كما أنها تكفيه . ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى ، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده . . وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن ، وقد وصل ، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم .
ولكن الله - سبحانه - لم يجعل معيته لهم جزافا ولا محاباة ؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده . . إنما هو عقد . . فيه شرط وجزاء .
شرطه : إقامة الصلاة . . لا مجرد أداء الصلاة . . إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب ؛ وعنصرا تهذيبيا وتربويا وفق المنهج الرباني القويم ؛ وناهيا عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر !
وإيتاء الزكاة . . اعترافا بنعمة الله في الرزق ؛ وملكيته ابتداء للمال ؛ وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه - وهو المالك والناس في المال وكلاء - وتحقيقا للتكافل الاجتماعي الذي على أساسه تقوم حياة المجتمع المؤمن ؛ وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سببا في الكساد العام بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته ؛ كما يفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب ، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع بشتى ألوانه . . كل هذا الشر الذي تحول دونه الزكاة ؛ ويحول دونه منهج الله في توزيع المال ؛ وفي دورة الاقتصاد . .
والإيمان برسل الله . . كلهم دون تفرقة بينهم . فكلهم جاء من عند الله ؛ وكلهم جاء بدين الله . وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعا ، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعا . .
وليس هو مجرد الإيمان السلبي ، إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل ، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له ، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه . . فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض لينصر ما آمن به ، وليقيمه في الأرض ، وليحققه في حياة الناس . فدين الله ليس مجرد تصور اعتقادي ، ولا مجرد شعائر تعبدية . إنما هو منهج واقعي للحياة . ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة . والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة ، وتعزيز ، وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه . . وإلا فما وفي المؤمن بالميثاق .
وبعد الزكاة إنفاق عام . . يقول عنه الله - سبحانه - إنه قرض لله . . والله هو المالك ، وهو الواهب . . ولكنه - فضلا منه ومنة - يسمي ما ينفقه الموهوب له - متى أنفقة لله - قرضا لله . .
ذلك كان الشرط . فأما الجزاء فكان :
تكفير السيئات . . والإنسان الذي لا يني يخطى ء ، ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة . . تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من الله واسعة ، وتدارك لضعفة وعجزه وتقصيره . .
وجنة تجري من تحتها الأنهار . . وهي فضل خالص من الله ، لا يبلغه الإنسان بعمله ، إنما يبلغه بفضل من الله ، حين يبذل الجهد ، فيما يملك وفيما يطيق . .
وكان هنالك شرطا جزائي في الميثاق :
( فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ) . .
فلا هدى له بعد ذلك ، ولا أوبة له من الضلال . بعد إذ تبين له الهدى ، وتحدد معه العقد ، ووضح له الطريق ، وتأكد له الجزاء . .
ذلك كان ميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل . . عمن وراءهم . وقد ارتضوه جميعا ؛ فصار ميثاقا مع كل فرد فيهم ، وميثاقا مع الأمة المؤلفة منهم . . فماذا كان من بني إسرائيل !
ثم أخبر عن نقض بني إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله حين هموا بالاغتيال به فقال { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } على أن يعملوا بما في التوراة { وبعثنا } وأقمنا بذلك { منهم اثني عشر نقيبا } كفيلا وضمينا ضمنوا عن قومهم الوفاء بالعهد { وقال الله } لهم { إني معكم } بالعون والنصرة { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم } أي وقرتموهم { وأقرضتم الله قرضا حسنا } يريد الصدقات للفقراء والمساكين { فمن كفر بعد ذلك } أي بعد هذا العهد والميثاق { فقد ضل سواء السبيل } أخطأ قصد الطريق
الأولى : قال ابن عطية : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير ، واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم ، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها . والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ؛ ومنه قيل في عمر رضي الله عنه : إنه كان لنقابا . فالنقباء الضمان ، واحدهم نقيب ، وهو شاهد القوم وضمينهم ؛ يقال : نقب عليهم ، وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة . والنقب والنقب الطريق في الجبل . وإنما قيل : نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ، ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم . وقال قوم : النقباء الأمناء على قومهم ، وهذا كله قريب بعضه من بعض . والنقيب أكبر مكانة من العريف . قال عطاء بن يسار : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ، ذكره الدرامي في مسنده . قال قتادة - رحمه الله وغيره : هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط ، تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ، ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة ، بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان . فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلا ، وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم . وقال الربيع والسدي وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم ، فساروا ليختبروا حال من بها ، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم ، فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة - على ما يأتي - وظنوا أنهم لا قبل لهم بها ، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل ، وأن يعلموا به موسى عليه السلام ، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ، ومن وثقوه على سرهم ، ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " [ المائدة : 24 ] .
الثانية : ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء ، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية ، فتركب عليه الأحكام ، ويرتبط به الحلال والحرام ، وقد جاء أيضا مثله في الإسلام . قال صلى الله عليه وسلم لهوازن : ( ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ) . أخرجه البخاري .
الثالثة : وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس . والتجسس : التبحث . وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا{[5415]} . أخرجه مسلم . وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " {[5416]} إن شاء الله تعالى . وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في " المحبر{[5417]} " فقال : من سبط روبيل شموع بن ركوب ، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري ، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا ، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف ، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون ، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو ، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدي بن سوشا ، ومن سبط دان عمائيل بن كسل ، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل ، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا ، ومن سبط كاذ كوال بن موخى ؛ فالمؤمنان منهم يوشع وكالب ، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم . قاله الماوردي . وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن{[5418]} إسحاق فلينظروا هناك .
قوله تعالى : " وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة " الآية . قال الربيع بن أنس : قال ذلك للنقباء . وقال غيره : قال ذلك لجميع يني إسرائيل . وكسرت " إن " لأنها مبتدأة . " معكم " لأنه ظرف ، أي بالنصر والعون . ثم ابتدأ فقال : " لئن أقمتم الصلاة " إلى أن قال " لأكفرن عنكم سيئاتكم " أي إن فعلتم ذلك " ولأدخلنكم جنات " واللام في " لئن " لام توكيد ومعناها القسم ، وكذا " لأكفرن عنكم " ، " ولأدخلنكم " . وقيل : المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم ، وتضمن شرطا آخر لقوله : " لأكفرن " أي إن فعلتم ذلك كفر . وقيل : قوله " لئن أقمتم الصلاة " جزاء لقوله : " إني معكم " وشرط لقوله : " لأكفرن " والتعزير : التعظيم والتوقير ، وأنشد أبو عبيدة :
وكم من ماجدٍ لهم كريمٌ *** ومن ليثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيّ
أي يعظم ويوقر . والتعزير : الضرب دون الحد ، والرد . تقول : عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح . فقوله : " عزرتموهم " أي رددتم عنهم أعداءهم . " وأقرضتم الله قرضا حسنا " يعني الصدقات ، ولم يقل إقراضا ، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله : " والله أنبتكم من الأرض نباتا{[5419]} " [ نوح : 17 ] ، " فتقبلها ربها بقبول حسن " [ آل عمران : 37 ] وقد تقدم{[5420]} . ثم قيل : " حسنا " أي طيبة بها نفوسكم . وقيل : يبتغون بها وجه الله . وقيل : حلالا . وقيل : " قرضا " اسم لا مصدر . " فمن كفر بعد ذلك منكم " أي بعد الميثاق . " فقد ضل سواء السبيل " أي أخطأ قصد الطريق . والله أعلم .