وبين المستويين المتقابلين ، مستويان بين بين . . أولهما :
( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئاً ، عسى اللّه أن يتوب عليهم ، إن اللّه غفور رحيم . خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، واللّه سميع عليم . ألم يعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ? وأن اللّه هو التواب الرحيم ? وقل : اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون . . ) .
وأمر اللّه لرسوله بإجراء معين مع هذه الطائفة دليل على أنها كانت معينة بأشخاصها لرسول اللّه [ ص ] كما هو ظاهر .
وقد روي أن الآيات نزلت في جماعة خاصة معينة فعلاً ، ممن تخلفوا عن رسول اللّه في غزوة تبوك ، ثم أحسوا وطأة الذنب ، فاعترفوا بذنوبهم ، ورجوا التوبة . فكان منهم التخلف وهو العمل السيء . وكان منهم الندم والتوبة وهو العمل الصالح .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري : حُدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد بن سلمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ) . نزلت في أبي لبابة وأصحابه ، تخلفوا عن نبي اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك . فلما قفل رسول اللّه - [ ص ] - من غزوته ، وكان قريباً من المدينة ، ندموا على تخلفهم عن رسول اللّه ، وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء ، ونبي اللّه في الجهاد واللأواء ! واللّه لنوثقن أنفسنا بالسواري ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي اللّه - [ ص ] - يطلقنا ويعذرنا ! وأوثقوا أنفسهم ، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسواري . فقدم رسول اللّه - [ ص ] - من غزوته ، فمر في المسجد ، وكان طريقه ، فأبصرهم ! فسأل عنهم ، فقيل له : أبو لبابة وأصحابه ، تخلفوا عنك ، يا نبي اللّه ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا اللّه ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم ! فقال نبي اللّه - [ ص ] - لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللّه ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ! فأنزل اللّه : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم )إلى ( عسى اللّه أن يتوب عليهم )و( عسى ) من اللّه واجب . . فأطلقهم نبي اللّه وعذرهم .
ووردت روايات متعددة أخرى منها : أنها في أبي لبابة وحده لما وقع في غزوة بني قريظة من تنبيههم لما يراد بهم ، وأنه الذبح ، بالإشارة إلى عنقه ! ولكن هذا مستبعد فأين هذه الآيات مما وقع في بني قريظة ! كذلك ورد أنها في الأعراب . . وقد عقب ابن جرير على هذه الروايات كلها بقوله :
" وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك ، قول من قال : نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول اللّه - [ ص ] - وتركهم الجهاد معه ، والخروج لغزو الروم ، حين شخص إلى تبوك ، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة ، أحدهم أبو لبابة .
" وإنما قلنا : ذلك أولى بالصواب في ذلك ، لأن اللّه جل ثناؤه قال : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) . . فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم ، ولم يكن المعترف بذنبه ، الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة ، غير أبي لبابة وحده . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان اللّه تبارك وتعالى قد وصف في قوله : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم )بالاعتراف بذنوبهم جماعة ، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست بالواحد ، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة ، وكان لا جماعة فعلت ذلك - فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل - إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك ، صح ما قلنا في ذلك ، وقلنا : " كان منهم أبو لبابة " لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك " . .
ولما ذكر اللّه - سبحانه - صفة هذه الجماعة من الناس المتخلفين المعتذرين التائبين عقب عليها بقوله :
( عسى اللّه أن يتوب عليهم ، إن اللّه غفور رحيم ) . .
وكما قال ابن جرير : [ وعسى من اللّه واجب ] . . فهو رجاء من يملك إجابة الرجاء سبحانه ! والاعتراف بالذنب على هذا النحو ، والشعور بوطأته ، دليل حياة القلب وحساسيته ، ومن ثم فالتوبة مرجوة القبول ، والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم . . وقد قبل اللّه توبتهم وغفر لهم .
{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم } في التخلف عن الغزو { خلطوا عملا صالحا } وهو جهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا { وآخر سيئا } تقاعدهم عن هذه الغزوة { عسى الله } واجب من الله { أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم } ثم تاب على هؤلاء وعذرهم فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها منا صدقة وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل الله سبحانه { خذ من أموالهم صدقة } فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم وكانت كفارة للذنوب التي أصابوها وهو قوله { تطهرهم } يعني هذه الصدقة تطهرهم من الذنوب { وتزكيهم بها } أي ترفعهم أنت يا محمد بهذه الصدقة من منازل المنافقين { وصل عليهم } ادع لهم { إن صلاتك سكن لهم } إن دعواتك مما تسكن نفوسهم إليه بأن قد تاب الله عليهم { والله سميع } لقولهم { عليم } بندامتهم فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى المدينة نهى المؤمنين عن مكالمة المنافقين ومجالستهم فأنزل الله سبحانه { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } يقبلها { وأن الله هو التواب الرحيم } يرجع على من يرجع إليه بالرحمة والمغفرة
أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم ، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد . فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين . وقال ابن عباس : نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد . وقال بنحوه قتادة وقال : وفيهم نزل " خذ من أموالهم صدقة " [ التوبة : 103 ] ؛ ذكره المهدوي . وقال زيد بن أسلم : كانوا ثمانية . وقيل : كانوا ستة . وقيل : خمسة . وقال مجاهد : نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة ؛ وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلقه . يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا ، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد ، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت ، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ، ونزلت هذه الآية ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ، ذكره الطبري عن مجاهد ، وذكره ابن إسحاق في السيرة أوعب من هذا . وقال أشهب ، عن مالك : نزلت " وآخرون " في شأن أبي لبابة وأصحابه ، وقال حين أصاب الذنب : يا رسول الله ، أجاورك وأنخلع من مالي ؟ فقال : ( يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى : " خذ من أموالهم صدقة تطرهم وتزكيهم بها " [ التوبة 103 ] ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك . والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك ، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لبابة ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يطلقهم ويرضى عنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ) فأنزل الله هذه الآية ، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم . فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا . فقال : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة " [ التوبة : 103 ] الآية . قال ابن عباس : كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة ، فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها . فكان عملهم السيئ التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة . واختلفوا في الصالح ؛ فقال الطبري وغيره : الاعتراف والندم . وقيل : عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا : لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله عذرنا . وقالت فرقة : بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة ، فهي ترجى . ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " . وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : ( أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا : أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم ) . وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال : ( ثم صعد بي إلى السماء . . . ) ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا : ( حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشمط{[8247]} جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ، ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ، ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال : يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم ؟ فقال : هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم . فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله . وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا ) وذكر الحديث . والواو في قوله{[8248]} : " وآخر سيئا " قيل : هي بمعنى الباء ، وقيل : بمعنى مع ، كقولك استوى الماء والخشبة . وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا : لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء ، و " آخر " في الآية يجوز تقديمه على الأول ، فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن .