تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ} (200)

ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق ، وأن الجميع يسألونه مطالبهم ، ويستدفعونه ما يضرهم ، ولكن مقاصدهم تختلف ، فمنهم : { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أي : يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته ، وليس له في الآخرة من نصيب ، لرغبته عنها ، وقصر همته على الدنيا ، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين ، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه ، وكل من هؤلاء وهؤلاء ، لهم نصيب من كسبهم وعملهم ، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم ، وهماتهم ونياتهم ، جزاء دائرا بين العدل والفضل ، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه ، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع ، مسلما أو كافرا ، أو فاسقا ، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه ، دليلا على محبته له وقربه منه ، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين .

والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد ، من رزق هنيء واسع حلال ، وزوجة صالحة ، وولد تقر به العين ، وراحة ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ونحو ذلك ، من المطالب المحبوبة والمباحة .

وحسنة الآخرة ، هي السلامة من العقوبات ، في القبر ، والموقف ، والنار ، وحصول رضا الله ، والفوز بالنعيم المقيم ، والقرب من الرب الرحيم ، فصار هذا الدعاء ، أجمع دعاء وأكمله ، وأولاه بالإيثار ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به ، والحث عليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ} (200)

قوله تعالى : ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم او أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاف ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب )

إذا أديتم مناسك الحج وفرغتم منها فاذكروا الله ثناء عليه ؛ لما امتن به عليكم من زاخر الخيرات والعطايا ومن عظيم الآلاء . اذكروا الله في ذلك مثلما تذكرون آباءكم . وروي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم ، فأنزل الله ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) ويستفاد من هذه الآية عموم مدلولها وهو أن يزداد اهتمامهم بذكر الله ليفوق أي ذكر آخر كذكر الآباء . وينبغي للمسلم أصلا أن يظل مستديم الذكر لله ليبقى اسم الله وجلاله حاضرا في ذهنه وحسه وتصوره على الدوام .

وما من شك أن المرء يملكه الغضب إذا ما نيل أبوه بشتم أو سباب . فمن الجدير به أن يكون أعظم غضبا وأشد غيرة إذا ما انتهكت حرمة من حرمات الله ليكون المسلم في ذلك أعظم حبا لله .

وقوله : ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) ذكر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قوله : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون : اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا فأنزل الله هذه الآية .

الدعاء من أجل الدنيا وحدها بما تنطوي عليه من خيرات وثمرات ومباهج لهو أمر فيه دلالة مكشوفة على الاهتمام بالحياة الدنيا وزينتها ، مع الذهول والغفلة عن يوم القيامة وما ينتظر الخلائق من أهوال وكروب يوم الفزع الأكبر . وما يسال أحد ربه أن يعطيه الدنيا منفردة إلا ظالم لنفسه خاسر . ولا جرم أن يبوء مثل هذا الجهول بفادح التخسير وسوء المصير .

لذلك قال سبحانه موضحا هذه النتيجة : ( وما له في الآخرة من خلاق ) أي حظ أو نصيب .