سورة   الفاتحة
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

تفسير الفاتحة وهي مكية

{ 1 - 7 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }

{ بِسْمِ اللَّهِ } أي : أبتدئ بكل اسم لله تعالى ، لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف ، فيعم جميع الأسماء [ الحسنى ] . { اللَّهِ } هو المألوه المعبود ، المستحق لإفراده بالعبادة ، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال . { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء ، وعمت كل حي ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله . فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة ، ومن عداهم فلهم{[30]}  نصيب منها .

واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ، الإيمان بأسماء الله وصفاته ، وأحكام الصفات .

فيؤمنون مثلا ، بأنه رحمن رحيم ، ذو الرحمة التي اتصف بها ، المتعلقة بالمرحوم . فالنعم كلها ، أثر من آثار رحمته ، وهكذا في سائر الأسماء . يقال في العليم : إنه عليم ذو علم ، يعلم [ به ] كل شيء ، قدير ، ذو قدرة يقدر على كل شيء .


[30]:- في ب: فله.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفاتحة :

ولها ثلاثة أسماء معروفة : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والسبع المثاني .

سميت فاتحة الكتاب : لأنه تعالى بها افتتح القرآن .

وأم الكتاب : لأنها أصل القرآن منها بدئ القرآن ، وأم الشيء : أصله ، ويقال لمكة أم القرى لأنها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها . وقيل : لأنها مقدمة وإمام لما يتلوها من السور يبدأ بكتابتها في الصحف ، وبقراءتها في الصلاة .

والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق العلماء . وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة ، فتقرأ في كل ركعة . وقال مجاهد : سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة فذخرها لهم .

وهي مكية على قول الأكثرين . وقال مجاهد : مدنية . وقيل : نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة ؛ ولذلك سميت مثاني . والأول أصح ، أنها مكية ، لأن الله تعالى من على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " ولقد آتيناك سبعاً من المثاني " والمراد منها فاتحة الكتاب ، وسورة الحجر مكية فلم يكن يمن عليه بها قبل نزولها .

قوله : { بسم الله } الباء زائدة يخفض ما بعدها مثل : من وعن ، والمتعلق به محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره أبدأ بسم الله ، أو قل بسم الله ، وأسقطت الألف من الاسم طلباً للخفة ، لكثرة استعمالها ، وطولت الباء ، قال القطيبي : ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم ، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، يقول لكتابه : طولوا الباء ، وأظهروا السين ، وفرجوا بينهما ، أو دوروا الميم تعظيماً لكتاب الله عز و جل ، وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالاً على سقوط الألف ، ألا ترى أنه لما كتب الألف في ( اقرأ باسم ربك ) ردت الباء إلى صيغتها ، ولا يحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ، ولا مع غير الباء . والاسم هو المسمى ، وعينه وذاته قال تعالى ( إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) أخبر أن اسمه يحيى ، ثم نادى الاسم فقال : " يا يحيى " وقال ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال : ( سبح اسم ربك ) و( تبارك اسم ربك ) ثم يقال للتسمية أيضاً اسم ، فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى . فإن قيل : ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم العباد كيف يستفتحون القراءة واختلفوا في اشتقاقه ، قال المبرد في البصريين ، هو مشتق من السمو ، وهو العلو ، فكأنه علا على معناه وظهر عليه وصار معناه لا تحته ؛ وقال ثعلب في الكوفيين : هو من الوسم والسمة وهي العلامة ، وكأنه علامة لمعناه وعلامة للمسمى ، والأول أصح لأنه يصغر على سمي ، ولو كان من السمت لكان يصغر على الوسيم ، كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان في الوسم لقيل وسمت . قوله تعالى : { الله } قال الخليل وجماعة : هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو ، وقال جماعة : هو مشتق . ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل : من أله إلاهة أي عبد عبادة ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ( ويذرك وآلهتك ) أي عبادتك ، معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره ، وقيل أصله إله ، قال الله عز وجل : ( وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ) قال المبرد : هو من قول العرب ، ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر :

ألهت إليها والحوادث جمة*** . . . . . . . .

فكان الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ، ويقال ألهت إليه أي فزعت إليه قال الشاعر :

ألهت إليها والركائب وقف*** . . . . . . . .

وقيل أصل الإله ولاه ، فأبدلت الواو بالهمزة ، مثل وشاح وإشاح ، اشتقاقه من الوله ، لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد ، ويلجئون إليه في الحوائج ، كما يوله كل طفل إلى أمه ، وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك . قوله : { الرحمن الرحيم } .

قال ابن عباس رضي الله عنهما ، هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، واختلفوا فيهما ، منهم من قال : هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة ، وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعاً لقلوب الراغبين ، وقال المبرد : هو إنعام بعد إنعام ، وتفضل بعد تفضل ، ومنهم من فرق بينهما فقال : للرحمن بمعنى العموم ، وللرحيم بمعنى الخصوص . فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا ، وهو على العموم لكافة الخلق . والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة ، والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص . ولذلك قيل في الدعاء " يا رحمن الدنيا ، ورحيم الآخرة " فالرحمن : من يصل رحمته إلى الخلق على العموم . والرحيم من يصل رحمته إليهم على الخصوص . ولذلك يدعى غير الله رحيماً ، ولا يدعى رحمن ؛ فالرحمن عام المعنى ، خاص اللفظ . والرحيم ، عام اللفظ خاص المعنى . والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله ، وقيل :هي ترك عقوبة من يستحقها ، وإسداء الخير إلى من لا يستحق . فهي على الأول صفة ذات ، وعلى الثاني صفة فعل . واختلفوا في آية التسمية : فذهب قراء المدينة ، والبصرة ، وفقهاء الكوفة ، إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب ، ولا من غيرها من السور ، والافتتاح بها للتيمن والتبرك . وذهب قراء مكة ، والكوفة ، وأكثر فقهاء الحجاز ، إلى أنها من الفاتحة ، وليست من سائر السور . فإنما كتبت للفصل . وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة -وهو قول الثوري ، و ابن المبارك ، و الشافعي - في قول لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن . واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات ، والآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وابتداء الآية الأخيرة ( صراط الذين ) ومن لم يعدها من الفاتحة قال : ابتداؤها ( الحمد لله رب العالمين ) وابتداء الآية الأخيرة ( غير المغضوب عليهم ) . واحتج من جعلها من الفاتحة ، ومن السور ، بأنها كتبت في المصحف بخط القرآن . وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، وأنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، أخبرني أبي عن سعيد بن جرير ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) وهي : أم القرآن ، قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " الآية السابعة . قال سعيد : قرأها علي ابن عباس ، كما قرأتها عليك ، ثم قال ( بسم الله الرحمن الرحيم ) الآية السابعة قال ابن عباس فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم ، ومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي . أخبرنا زاهر بن أحمد ، ثنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال " قمت وراء أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، كلهم كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " .

قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم سورة حتى ينزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

عن أبي مسعود قال : كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى ينزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

وقال الشعبي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء الأمر على رسم قريش " باسمك اللهم " حتى نزل ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ) فكتب " بسم الله الرحمن " حتى نزلت : ( قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن ) . فكتب " بسم الله الرحمن " حتى نزلت . ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) فكتب مثلها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

وهي قوله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، والاستعاذة بمعنى الالتجاء والاستجارة ، استعاذ به ، أي لجأ إليه ، وهو عياذه ، أي ملجأه ، ومعاذ الله ، أعوذ بالله . {[1]}

والشيطان من شطن ، أي بعد عن الخير ، وسمي الشيطان بذلك ، لعتوه وتمرده وبعده عن الحق والخير ، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب شيطان . {[2]}

والرجيم ، من الرجم وهو القتل واللعن والطرد والإبعاد من الخير ، وأصله الرجم بالحجارة فهو رجيم ومرجوم . {[3]}

على أن الاستعاذة مأمور بها عند أول كل قراءة من القرآن الكريم ، لقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " وهذا الأمر إنما يفيد الندب لا الوجوب وهو قول الجمهور . وثمة قول بأنه للوجوب . والصواب قول الجمهور وهو الندب ، أما التعوذ في الصلاة فهو مندوب في الركعة الأولى منها ، وقيل بوجوبها في كل ركعة استنادا إلى عموم قوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " وأجمعوا على أن التعوذ ليس من القرآن ولا هو آية منه .

وفي فضل التعوذ روى أبو داود عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال : « يا أرض ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك ، ومن شر ما خلق فيك ، ومن شر ما يدب عليك ، ومن أسد وأسود ، ومن الحية والعقرب ، ومن ساكني البلد ، ووالد وما ولد  » .

وأخرج الموطأ ومسلم والترمذي عن خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من نزل منزلا ثم قال : « أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل  » .

تفسير سورة الفاتحة

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية ، وهي سورة عظيمة القدر والشأن ، فهي أم الكتاب وفاتحته ، لما يتجلى فيها من كبير المعاني وأصول العقيدة ، ولما تتسم به من جلال التعبير الذي يفيض بروعة الكلم وتشيع منه العذوبة وتمام الانسجام ، لا جرم أن سورة الفاتحة نموذج الإعجاز الباهر في الكتاب الحكيم كله ، وهي لفضلها وبالغ قدسيتها وعجيب إيقاعها وفخامة مضمونها ومعناها كانت طليعة الكتاب العزيز ، وفي فضلها الكريم الطاهر روى الترمذي عن أبي كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل  » .

أما أسماء الفاتحة فهي كثيرة منها : أولا : الصلاة ، قال الله في الحديث القدسي : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين( قال الله تعالى : حمدني عبدي وإذا قال العبد : ( الرحمن الرحيم( قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، وإذا قال العبد : ( إياك نعبد وإياك نستعين( قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل  » رواه مسلم عن أبي هريرة ، وقوله سبحانه : « قسمت الصلاة  » يريد الفاتحة ، وسماها صلاة ، لأن الصلاة لا تصح إلا بها .

ثانيا : الحمد : لأن فيها ذكر الحمد .

ثالثا : فاتحة الكتاب ، من غير خلاف في ذلك ، وسميت بهذا الاسم ، لأن قراءة القرآن تفتح بها لفظا وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا وبها تفتح القراءة في الصلوات .

رابعا : أم الكتاب ، وهذا الاسم عند الجمهور وكرهه ابن سيرين والحسن البصري إذ قالا : الآيات المحكمات هن أم الكتاب ، والصحيح قول الجمهور ، لما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب ، والسبع المثاني والقرآن العظيم  » .

خامسا : أم القرآن ، ودليله الخبر المبين آنفا .

سادسا : السبع المثاني ، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة ، وقبل غير ذلك .

سابعا : الشفاء ، لما رواه الدرامي عن أبي سعيد مرفوعا : « فاتحة الكتاب شفاء من كل سم  »

ثامنا : الرقية ، وجمعها الرقى استرقاه فرقاه ، يرقيه رقية فهو راقي . {[4]}

تاسعا : الواقية ، لأنها لا تحتمل الاختزال فلا تتصف ، فلو نصفت الفاتحة في ركعتين لما جاز ذلك ، لكن لو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الآخر في ركعة أخرى جاز .

عاشرا : الكافية ، لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها . {[5]}

البسملة

وهي قوله : بسم الله الرحمن الرحيم ، وقيل في تأويلها : إن بسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده : إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري . {[6]}

وهل البسملة آية من القرآن ؟ ثمة أقوال في هذه المسألة :

القول الأول : ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها ، وهو قول الإمام مالك واحتج لذلك بأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد ، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا خلاف فيه ، قال ابن العربي في ذلك : يكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها ، والقرآن لا يختلف فيه الناس .

القول الثاني : إنها آية من كل سورة ، وهو قول عبد الله بن المبارك وقد شذ في ذلك .

القول الثالث : وهو للشافعي ، إذ قال هي آية في الفاتحة وحدها ، وفي قول ثان له أنها آية من كل سورة .

القول الرابع : إن البسملة آية من سورة النمل ، وهذا ما لا خلاف فيه .

أما قراءتها في الصلاة فثمة خلاف في ذلك ، فقد قيل بوجوب قراءتها في صلاة الفرض والنفل وهو قول الشافعية والحنابلة وغيرهم ، وذهب آخرون إلى الإسرار بها مع الفاتحة وهو قول الحنفية ، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير .

وقال به أحمد بن حنبل ، واحتجوا من الأثر بما روي عن أنس قال : « صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم  » .

وذهبت المالكية إلى أن البسملة ليست آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها ، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها لا سرا ولا جهرا ، ويجوز أن يقرأها في النوافل .

قوله : « بسم الله » الباء زائدة ومعناها الإلصاق ، {[7]} تكتب بسم بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط ، وذلك لكثرة الاستعمال ، بخلاف قوله ( اقرأ بسم ربك الذي خلق ( فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال ، وبسم الله يعني بالله : أي بخلقه وتقديره نصل إلى ما نصل إليه ، وقيل : « بسم الله » يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته .

واللفظ « الله » هو أكبر أسماء الله تعالى ، وهو لا ثني ولا يجمع ، والله اسم للموجود القديم الحق الذي جمع صفات الإلهية والربوبية .

أما الرحمن ، فقيل : إن هذا الاسم غير مشتق ، لأنه من الأسماء المختصة بالله سبحانه ، ولو كان مشتقا لعرفته العرب ، ولم ينكروه حين سمعوه قالوا ( وما الرحمن( وقيل : الرحمن مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه : ذو الرحمة الذي ليس له فيها نظير ، ولذلك لا يثنى ولا يجمع مثلما يثنى الرجيم ويجمع ، والراجح اشتقاقه ، لما خرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ، وهذا نص يدل على الاشتقاق .

على أن الرحمن مختص بالله جلاله ، ولا يجوز أن يسمى به أحد غير الله ، ويدل على ذلك قوله :

( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن( فعادل اسم الرحمن اسم الله الذي لا يتسمى به أحد غيره . {[8]}


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[2]:مختار الصحاح ص 236.
[3]:مختار الصحاح ص 338.
[4]:مختار الصحاح ص 254.
[5]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 98 وتفسير البحر المحيط جـ 1 ص 32 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 8.
[6]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 75-80 وتفسير البيضاوي ص 2 و 3.
[7]:البيان لابن الأنياري جـ 1 ص 31.
[8]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 81-90 وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي جـ 1 ص 14-17 وتفسير البيضاوي ص 3، 4.