وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه العباد مَوْعِظَةً ترغب النفوس في أفعال الخير ، وترهبهم من أفعال الشر ، وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأحكام الشرعية ، والعقائد والأخلاق والآداب فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أي : بجد واجتهاد على إقامتها ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا وهي الأوامر الواجبة والمستحبة ، فإنها أحسنها ، وفي هذا دليل على أن أوامر اللّه - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة .
{ وكتبنا له في الألواح } أي : ألواح التوراة وكانت سبعة ، وقيل : عشرة ، وقيل : اثنان ، وقيل : كانت من زمردة وقيل : من ياقوت ، وقيل : من خشب .
{ من كل شيء } عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم ، وكذلك تفصيلا لكل شيء وموضع { كل شيء } نصب على أنه مفعول { كتبنا } وموعظة بدل منه .
{ فخذها بقوة } أي : بجد وعزم ، والضمير للتوراة .
{ يأخذوا بأحسنها } أي : فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو ، وكذلك سائر المباحات مع المندوبات .
{ سأريكم دار الفاسقين } أي : دار فرعون وقومه وهو مصر ، ومعنى أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا ، وقيل : منازل عاد وثمود ، ومن هلك من الأمم المتقدمة ليعتبروا بها ، وقيل : جهنم ، وقرأ ابن عباس سأورثكم بالثاء المثلثة من الوراثة وهي على هذا مصدر لقوله : { وأورثناها بني إسرائيل } [ الشعراء : 59 ] .
قوله : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء وموعظة وتفضيلا لكل شيء } كتب الله التوراة لموسى ؛ إذ كتبها جبريل بأمر ربه عز وعلا ، وأضاف الله الكتابة إلى نفسه ؛ تشريفا للتوراة وتعظيما . وقد كتب فيها { من كل شيء } مما يحتاجون إليه في دينهم من الأحكام ومن نبين للحلال والحرام . وقيل : لا يريد بكل شيء التعميم بل ذكر ذلك على سبيل التفخيم كقوله : { تدمر كل شيء } . وذلك كله { موعظة وتفصيلا لكل شيء } أي أنزلت التوراة على بني إسرائيل ؛ لتكون لهم موعظة ؛ أي ليتعظوا ويثوبوا إلى بارئهم ؛ فلا يميلوا عن شرع الله . ولتكون { تفصيلا لكل شيء } أي تبيينا الأحكام الحلال والحرام وغير ذلك مما أمروا به أو نهوا عنه{[1520]} .
قوله : { فخذها بقوة } أي قال له ربه : خذ التوراة بجد واجتهاد ونشاط ، وكذلك كلفه ربه أن يأمر بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة وهو قوله : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } المراد بأحسنها ، المأمور بعلمه ؛ فقد أمرهم أن يعلموا بما كان مأمورا به وهو أحسن من العمل بالمنهي عنه . وقيل : بأحسن ما فيها بما أجره أعظم من اجر غيره . كقوله : { فيتبعون أحسنه } ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه ؛ فهو أحسن من الانتصار للنفس والأخذ لها بالقصاص من الجاني . وكالعمل بالعزيمة أحسن من العمل بالرخصة ، وبالفريضة دون النافلة .
قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ذلك إخبار من الله لموسى والذين استضعفوا معه أنه سيريهم { دار الفاسقين } أي جهنم . وقيل : سأوريكم دار الظالمين في مصر وهم فرعون وقومه . وقيل : المراد ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والذين أهلكوا . وذلك وعيد تهديد لما خالف أمر الله فتنكب عن شرعه وصراطه المستقيم وآثر الأهواء والشهوات فانزلق في المعاصي والموبقات . فأولئك الخاسرون الهالكون الذين زاغوا عن دين الله ومنهجه الحكيم للناس .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.