{ 4-6 } { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ *وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }
أي : { قُلْ } لهؤلاء الذين أشركوا بالله أوثانا وأندادا لا تملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، قل لهم -مبينا عجز أوثانهم وأنها لا تستحق شيئا من العبادة- : { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } هل خلقوا من أجرام السماوات والأرض شيئا ؟ هل خلقوا جبالا ؟ هل أجروا أنهارا ؟ هل نشروا حيوانا ؟ هل أنبتوا أشجارا ؟ هل كان منهم معاونة على خلق شيء من ذلك ؟
لا شيء من ذلك بإقرارهم على أنفسهم فضلا عن غيرهم ، فهذا دليل عقلي قاطع على أن كل من سوى الله فعبادته باطلة .
ثم ذكر انتفاء الدليل النقلي فقال : { اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا } الكتاب يدعو إلى الشرك { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } موروث عن الرسل يأمر بذلك . من المعلوم أنهم عاجزون أن يأتوا عن أحد من الرسل بدليل يدل على ذلك ، بل نجزم ونتيقن أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد ربهم ونهوا عن الشرك به ، وهي أعظم ما يؤثر عنهم من العلم قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وكل رسول قال لقومه : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فعلم أن جدال المشركين في شركهم غير مستندين فيه على برهان ولا دليل وإنما اعتمدوا على ظنون كاذبة وآراء كاسدة وعقول فاسدة . يدلك على فسادها استقراء أحوالهم وتتبع علومهم وأعمالهم والنظر في حال من أفنوا أعمارهم بعبادته هل أفادهم شيئا في الدنيا أو في الآخرة ؟
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 4 ) }
قل -يا محمد- لهؤلاء الكفار : أرأيتم الآلهة ، والأوثان التي تعبدونها من دون الله ، أروني أيَّ شيء خلقوا من الأرض ، أم لهم مع الله نصيب من خلق السموات ؟ ائتوني بكتاب من عند الله من قبل هذا القرآن أو ببقيَّة من علم ، إن كنتم صادقين فيما تزعمون .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جهالاتهم وعنادهم ، فقال : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات . . . } .
وقوله : { أَرَأَيْتُمْ } بمعنى أخبرونى ، ومفعوله الأول قوله { مَّا تَدْعُونَ } وجملة " ماذا خلقوا " سدت مسد مفعوله الثانى .
وجملة : " أرونى " مؤكدة لقوله : { أَرَأَيْتُمْ } لأنها - أيضا - بمعنى أخبرونى .
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ والتأنيب - : أخبرونى عن هذه الآلهة التى تعبدونها من دول الله - تعالى - ، أى شئ فى الأرض أوجدته هذه الآلهة ؟ إنها قطعا لم تخلق شيئا من الأرض . فالأمر فى قوله { أَرُونِي } للتعجيز والتبكيت .
و " أم " فى قوله { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات } للإِضراب عن أن يكونوا قد خلقوا شيئا ، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع الله فى خلق السماوات أو الأرض أو غيرهما . فقوله : { شِرْكٌ } بمعنى مشاركة . .
أى : بل ألهم مشاركة من الله - تعالى - فى خلق شئ من السماوات ؟ كلا ، لا مشاركة لهم فى خلق أى شئ ، وإنما الخالق لكل شئ هو الله رب العالمين .
فالمراد من الآية الكريمة نفى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان العبادة بأبلغ وجه ، لأن هذه المعبودات لا مدخل لها فى خلق أى شئ لا من العوالم السفلية ولا من العوالم العلوية ، وإنما الكل مخلوق لله - تعالى - وحده .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : { هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ } وبعد أن أفحمهم - سبحانه - من الناحية العقلية ، أتبع ذلك بإفحامهم بالأدلة النقلية ، فقال - تعالى - : { ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
والأمر فى قوله - تعالى - { ائتوني } للتعجيز والتهكم - أيضا - كما فى قوله : { أَرُونِي } .
وقوله : { أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ } أى : بقية من علم بؤثر عن الأولين ، وينسب إليهم .
قال القرطبى : وفى الصحاح : " أو أثارة من علم " أى : بقية منه . وكذلك الأَثَرة - بالتحريك - ويقال : سمنت الإِبل على أثارة ، أى : على بقية من شحم كان فيها قبل ذلك . .
والأثارة : مصدر كالسماحة والشجاعة ، وأصل الكلمة من الأَثَر ، وهى الرواية ، يقال : أثرتُ الحديث آثَرُه أَثْراً وأَثَارةً وأَثْرةً فأنا آثِر ، إذا ذكرته من غيرك ، ومنه قيل : حديث مأثوة ، أى نقله الخلق عن السلف .
أى : هاتوا لى - أيها المشكرون - كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ما أنتم عليه من شرك ، فإن لم تستطيعوا ذلك - ولن تستطيعوا - ، فأتونى ببقية من علم يؤثر عن السابقين ، ويسند إليهم ، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر .
{ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } فيما تزعمونه من أنكم على الحق .
وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة ، وألزمهم بطلان ما هم عليه من ضلال ، بالأدلة العقلية المتمثلة فى شهادة هذا الكون المفتوح ، وبالأدلة النقلية المتمثلة فى أنه لا يوجد عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب . يستندون إليه فى استحقاق تلك المعبودات للعبادة .
والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التى تخرس أصحاب الأقوال التى لا دليل على صحتها ، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذى يوصلهم إلى الحق والعدل
قوله : { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } أي قل لهؤلاء المشركين المكذبين : أرأيتم ما تعبدون من دون الله من الأنداد والشركاء { أروني ماذا خلقوا من الأرض } أي أخبروني ما الذي خلقوه من الأرض ، إنهم لم يخلقوا شيئا البتة بل إنهم هو المخلوقون { أم لهم شرك في السماوات } { أم } ، هي المنقطعة المقدرة من بل والهمزة . والاستفهام للتوبيخ والتقريع . والمعنى : بل ألهم شرك ، أي نصيب مع الله في خلق السماوات { ائتوني بكتاب من قبل هذا } أي ائتوني بكتاب من كتب النبيين السابقين يشهد بما تزعمون .
قوله : { أو أثارة من علم } { أثارة من علم } أي بقية من علم . وقيل : أو علم يؤثر . أو يؤثر وينقل وإن لم يكن مكتوبا . وقيل : أو علامة . وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية . أثرت الحديث إذ ذكرته عن غيرك . حديث مأثور ، أي نقله خلف عن سلف . وقيل : أو خاصة من علم أوتيتموه وأوثرتم به على غيركم . واختار الإمام الطبري رحمه الله المعنى الأول على أنه الصواب وهو : أو بقية من علم ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب . فيكون المعنى : ائتوني بكتاب من قبل هذا الكتاب يشهد بصدق ما تدعون لآلهتكم أو ببقية من علم يوصل بها إلى صحة ما تزعمون { إن كنتم صادقين } في دعواكم لآلهتكم ما تدعون .