فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (4)

{ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } .

بعد تثبيت اليقين بصدق القرآن ، وبيان الحكمة في خلق الأكوان ، والتخويف من شقوة الغافلين عن لقاء الملك الديان ، أمر الله تعالى نبيه أن يقيم الحجة على أهل الشرك والأوثان ؛ والاستفهام في { أرأيتم } بمعنى الطلب { ما تدعون من دون الله } أي شيء تعبدون غير الله من أصنام وأوثان ، أو كواكب أو نبات أو حيوان ، أو عنصر أو جن أو ملك أو إنسان فعبادته باطلة ، { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم . . }{[4587]}{ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون . قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون }{[4588]} . { أروني } أخبروني- تبكيتا لهم وتوبيخا-{ ماذا خلقوا من الأرض } أي جانب أو مكان من أرضنا هذه المبسوطة وما فيها ومن فيها خلقوه ؟ { أم لهم شرك في السماوات } بل ألهم شركة مع الله في خلق السماوات وما حولها من العلويات- ملائكة وشمس وقمر ونجوم ، وفلك وسحب ورياح ، وأبخرة وأشعة وهواء- ؟ ، فيكون لكم بذلك في عبادة ما عبدتم من دون الله حجة ؟ ! وهيهات !

{ ائتوني بكتاب من قبل هذا } .

جيئوني بحجة سماوية ووحي منزل سبق هذا القرآن يشهد لآلهتكم أنها خلقت من الأرض بقعة أو شاركت البارئ المصور فاطر السماوات في إبداعها ورفعها فإنكم إن سقتهم مثل تلك الحجة[ صحت لها الشركة في النعم التي أنتم فيها ، ووجب عليكم الشكر ، واستحقت منكم الخدمة ، لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا إله ] وما من خالق إلا الله .

{ أو أثارة من علم إن كنتم صادقين( 4 ) } .

أو هاتوا بقية مما يؤثر ويورث عن السابقين من علم يدل على صحة ما ادعيتم من تأليه مسميات سميتموها آلهة : { . . وما من إله إلا الله . . }{[4589]} . إن كنتم صادقين في دعوى اتخاذ أنداد أو شركاء لبارئ الأرض والسماء { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا }{[4590]} .

{ وهكذا أعجزهم الكتاب الحكيم فلم يستطيعوا الإتيان بشاهد حسي إذ تحداهم : { أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } ولا أن يجيئوا بدليل نقلي إذا طلبوا به { ائتوني بكتاب من قبل هذا } ولا ببرهان عقلي { أو أثارة من علم } [ فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة لم تغن عن المدعي شيئا . . وإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي أنه لا شريك له في إبداعها وأنه المتفرد بخلقها دون سواه ]{[4591]} .


[4587]:سورة فاطر من الآية 14.
[4588]:سورة سبأ الآيتان: 41،40.
[4589]:سورة آل عمران من الآية 62.
[4590]:سورة الإسراء الآية 43.
[4591]:ما بين العارضتين مقتبس من جامع البيان، بتصرف.