تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} (5)

وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي : نخصك وحدك بالعبادة

والاستعانة ، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر ، وهو إثبات الحكم للمذكور ، ونفيه عما عداه . فكأنه يقول : نعبدك ، ولا نعبد غيرك ، ونستعين بك ، ولا نستعين بغيرك .

وقدم{[31]}  العبادة على الاستعانة ، من باب تقديم العام على الخاص ، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده .

و { العبادة } اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال ، والأقوال الظاهرة والباطنة . و { الاستعانة } هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ، ودفع المضار ، مع الثقة به في تحصيل ذلك .

والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية ، والنجاة من جميع الشرور ، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما . وإنما تكون العبادة عبادة ، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله . فبهذين الأمرين تكون عبادة ، وذكر { الاستعانة } بعد { العبادة } مع دخولها فيها ، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى . فإنه إن لم يعنه الله ، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر ، واجتناب النواهي .


[31]:- في ب: وتقديم.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} (5)

الثالثة والعشرون : قوله تعالى : " إياك نعبد " رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين ؛ لأن من أول السورة إلى ههنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه كقوله " وسقاهم{[96]} ربهم شرابا طهورا " [ الإنسان : 21 ] . ثم قال : " إن هذا كان لكم جزاء " . وعكسه : " حتى إذا كنتم{[97]} في الفلك وجرين بهم " [ يونس : 22 ] على ما يأتي . و " نعبد " معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل . وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي . ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى ؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك . " وإياك نستعين " أي نطلب العون والتأييد والتوفيق .

قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبدالله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقرَّ ب " إياك نعبد وإياك نستعين " فقد برئ من الجبر والقدر .

الرابعة والعشرون : إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل ؟ قيل له : قدم اهتماما ، وشأن العرب تقديم الأهم . يذكر أن أعرابيا سبَّ آخر فأعرض المسبوب عنه ، فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض ، فقدما الأهم . وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فلا يجوز نعبدك ونستعينك ولا نعبد إياك ونستعين إياك ، فيقدم الفعل على كناية المفعول وإنما يتبع لفظ القرآن . وقال العجاج :

إياك أدعو فتقبل مَلَقي *** واغفر خطاياي وكثّر ورِقي

ويروى : وثَمِّر . وأما قول الشاعر{[98]} :

إليك حتى بَلَغَتْ إيّاكا

فشاذ لا يقاس عليه . والورِق بكسر الراء من الدراهم ، وبفتحها المال . وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك .

الخامسة والعشرون : الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من " إياك " في الموضعين . وقرأ عمرو بن فائد : " إياك " بكسر الهمزة وتخفيف الياء ، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها . وهذه قراءة مرغوب عنها ، فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك وإياة الشمس ( بكسر الهمزة ) : ضوءها وقد تفتح . وقال{[99]} :

سقته إِيَاةُ الشمس إلا لِثاتِه *** أُسِفّ فلم تَكدِم عليه بإثمد

فإن أسقطت الهاء مددت . ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر وهي الدارة حولها . وقرأ الفضل الرقاشي : " أياك " ( بفتح الهمزة ) وهي لغة مشهورة . وقرأ أبو السَّوار الغَنَوي : " هياك " في الموضعين وهي لغة قال :

فهِيّاك والأمر الذي إن توسعت *** مواردُه ضاقت عليك مصادرُه

قوله تعالى : " وإياك نستعين " عطف جملة على جملة . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش : " نِستعين " بكسر النون وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ليدل على أنه من استعان ، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل . وأصل " نستعين " نستعون قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء ، والمصدر استعانة والأصل استعوان ، قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية ؛ لأنها زائدة ، وقيل الأولى ؛ لأن الثانية للمعنى ولزمت الهاء عوضا .


[96]:راجع ج 19 ص 145
[97]:راجع ج 8 ص 324.
[98]:هو حمدي الأرقط: والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك.
[99]:قائله طرفة بن العبد. والهاء في "سقته" و"لثاته" يعود على الثغر، وكذا المضمر الذي في "أسف". ومعنى سقفه: حسنته وبيضته وأشربته حسنا. و"أسف": ذر عليه. "فلم تكدم عليه": أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها. (عن شرح المعلقات).
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} (5)

الفائدة العاشرة : إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده ، وإنما قدم ليفيد الحصر فإن تقديم المعمولات يقتضي الحصر ، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له ، واقتضى قوله :{ وإياك نستعين } اعترافا بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلا بالله وحده .

الفائدة الحادية عشرة : إياك نستعين : أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا ، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ، وأن الحق بين ذلك .

الفائدة الثانية عشرة : اهدنا : دعاء بالهدى . فإن قيل : كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم ؟ فالجواب : أن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت ، أو الزيادة منه فإن الارتقاء في المقامات لا نهاية له .

الفائدة الثالثة عشرة : قدم الحمد والثناء على الدعاء لأن تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح ، وذلك أقرب للإجابة ، وكذلك قدم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه ، وكذلك قدم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة .

الفائدة الرابعة عشرة : ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريق الغيبة ، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده ، وذلك يسمى الالتفات ، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرب منه فصار من أهل الحضور فناداه .