تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (6)

ثم قال تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } أي : دلنا وأرشدنا ، ووفقنا للصراط المستقيم ، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله ، وإلى جنته ، وهو معرفة الحق والعمل به ، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط . فالهداية إلى الصراط : لزوم دين الإسلام ، وترك ما سواه من الأديان ، والهداية في الصراط ، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا . فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته ، لضرورته إلى ذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (6)

السابعة والعشرون : قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب ، والمعنى : دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك . قال بعض العلماء : فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة ، نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها فيه مجمع الحاجات ، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به [ الداعي ] لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به ، وفي الحديث : ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ) . وقيل المعنى : أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك وقيل : الأصل فيه الإمالة ومنه قوله تعالى : " إنا هُدنا إليك{[100]} " [ الأعراف : 156 ] أي ملنا ، وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين ، أي يتمايل . ومنه الهدية لأنها تمال من مِلك إلى مِلك . ومنه الهدي للحيوان الذي يساق إلى الحرم ، فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق . وقال الفضيل بن عياض : " الصراط المستقيم " طريق الحج ، وهذا خاص والعموم أولى .

قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل " اهدنا الصراط المستقيم " : هو دين الله الذي لا يقبل من العبادة غيره . وقال عاصم الأحول عن أبي العالية : " الصراط المستقيم " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده . قال عاصم فقلت للحسن : إن أبا العالية يقول : " الصراط المستقيم " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه قال : صدق ونصح .

أصل الصراط في كلام العرب الطريق ، قال عامر بن الطفيل :

شحنَّا أرضهم بالخيل حتى *** تركناهم أذلَّ من الصراط

وقال جرير :

أمير المؤمنين على صراط *** إذا اعوَجّ المواردُ مستقيم

وقال آخر :

فصدّ عن نهجِ الصراط الواضح

حكى النقّاش : الصراط الطريق بلغة الروم ، فقال ابن عطية : وهذا ضعيف جدا . وقرئ : السراط ( بالسين ) من الاستراط بمعنى الابتلاع ، كأن الطريق يسترط من يسلكه . وقرئ بين الزاي والصاد . وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل . وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعُذرة وكلب وبني القَيْن قال : وهؤلاء يقولون [ في أصدق ] : أزدق . وقد قالوا : الأزْد والأسْد ، ولسق به ولصق به . و " الصراط " نصب على المفعول الثاني ؛ لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر ، قال الله تعالى : " فاهدوهم{[101]} إلى صراط الجحيم " . [ الصافات : 23 ] . وبغير حرف كما في هذه الآية . " المستقيم " صفة ل " الصراط " وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ومنه قوله تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما{[102]} فاتبعوه " [ الأنعام : 153 ] وأصله مستقوم ، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .


[100]:راجع ج 7 ص 296
[101]:راجع ج 15 ص 73
[102]:راجع ج 7 ص 137
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (6)

الفائدة الخامسة عشرة : الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشي ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر ، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه ، فالصراط المستقيم الإسلام ، وقيل : القرآن والمعنيان متقاربان ، لأن القرآن يضمن شرائع الإسلام ، وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي ، وقد قيل : إنه قرئ بزاي خالصة ، والأصل فيه السين ، وإنما أبدلوا منها صادا لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق ، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر .