تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (37)

{ 37 } { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }

النسيء : هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم ، وكان من جملة بدعهم الباطلة ، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال ، في بعض أوقات الأشهر الحرم ، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم ، التي حرم اللّه القتال فيها ، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم ، أو يقدموه ، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا ، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه ، وجعلوا الشهر الحلال حراما ، فهذا -كما أخبر اللّه عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم ، لما فيه من المحاذير .

منها : أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم ، وجعلوه بمنزلة شرع اللّه ودينه ، واللّه ورسوله بريئان منه .

ومنها : أنهم قلبوا الدين ، فجعلوا الحلال حراما ، والحرام حلالا .

ومنها : أنهم مَوَّهوا على اللّه بزعمهم وعلى عباده ، ولبسوا عليهم دينهم ، واستعملوا الخداع والحيلة في دين اللّه .

ومنها : أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها ، يزول قبحها عن النفوس ، وربما ظن أنها عوائد حسنة ، فحصل من الغلط والضلال ما حصل ، ولهذا قال : { يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } أي : ليوافقوها في العدد ، فيحلوا ما حرم اللّه .

{ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } أي : زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة ، فرأوها حسنة ، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم .

{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } أي : الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم ، فلو جاءتهم كل آية ، لم يؤمنوا .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (37)

{ إنما النسيء } تأخير حرمة شهر حرمه الله إلى شهر آخر لم يحرمه وذلك أن العرب في الجاهليه ربما كانت تستحل المحرم وتحرم بدله صفر فأخبر الله تعالى أن ذلك كله { زيادة في الكفر } حيث أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله { يضل به } بذلك التأخير { الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما } إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفر وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه { ليواطئوا } ليوافقوا { عدة ما حرم الله } وهو أنهم لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم لئلا يكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله فيكون موافقة للعدد { زين لهم سوء أعمالهم } زين لهم الشيطان ذلك

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (37)

قوله تعالى : { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله يهدي القوم الكافرين } { النسيء } معناه التأخير . وهو مصدر بمعنى الإنساء وهو التأخير ، أنسأته إنساء ؛ إذا أخرته عنه . والاسم النسيئة والنسء . ومنه : أنسأ الله فلانا أجله . ونسأ في أجله{[1778]} والمراد : تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ؛ فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة سابقا ، فإذا دعتهم الحاجة إلى القتال فيها ، قاتلوا حرموا غيرها بدلا منها ، فإذا قاتلوا مثلا في المحرم ، حرموا بدلا منه شهر صفر وهكذا في غيره . وقد حملهم على ذلك أن أكثرهم كانوا يعيشون من الغارات وغزو بعضهم بعضا ونهب ما يمكنهم أن ينبهوه ، فيقع بسبب ذلك بينهم القتال ، ومن أجل ذلك كانوا يحللون لأنفسهم بعض الأشهر الحرم ؛ ليحرموا مكانه بقدره من أشهر أخرى غير الحرم . وهذا هو النسيء .

قوله : { زيادة في الكفر } يعني هذا النسيء الذي بينا معناه آنفا ، زيادة في كفرهم . فقد أتوا وجوها في الكفر ، منها : جحودهم الخالق ، وإنكارهم البعث ، وتكذيبهم النبيين والمرسلين . فجاء النسيء زيادة على هذه الوجوه ؛ أي أنهم ازدادوا بالنسيء كفرا على كفرهم ؛ فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم فضلوا به ضلالا زائدا . وهو قوله : { يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما } .

قوله : { ليوطئوا عدة ما حرم الله } { ليوطئوا } : ليجتمعوا ويتفقوا . واطأه على الأمر : وافقه . تواطأوا عليه ؛ أي اتفقوا{[1779]} . والمعنى : أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله من غير زيادة عليها ولا نقصان منها . فهم بذلك لم يحلوا شهرا إلا حرموا بدلا منه شهرا آخر ؛ ليبقى الأشهر الحرم أربعة ؛ وبذلك يحلون ما رحم الله من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها .

قوله : { زين لهم سوء أعمالهم } أي زين الشيطان لأتباعه المشركين الضالين ما اقترفوه من المعاصي وأنواع الكفر ، ومن جملتها ذلك .

قوله : { والله لا يهدي القوم الكافرين } وذلك إذا اختاروا الباطل فمالت إليه نفوسهم بعد أن جنحوا عن طريق الله وأبوا إلا المضي في طريق الشيطان{[1780]} .


[1778]:القاموس المحيط جـ 1 ص 31 وتفسير الرازي جـ 16 ص 57.
[1779]:مختار الصحاح ص 727 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 1041.
[1780]:فتح القدير جـ 2 ص 360 وتفسير النسفي جـ 2 ص 125، 126 وتفسير البيضاوي ص 254 والكشاف جـ 2 ص 189.