تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (8)

النجوى

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 8 ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 9 ) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) }

8

المفردات :

الذين نهوا عن النجوى : هم اليهود والمنافقون .

الإثم : المعصية والذنب .

العدوان : الاعتداء على غيرهم ، كمعصية الرسول ومخالفته .

لولا يعذبنا الله : هلا يعذبنا بسبب ذلك .

حسبهم جهنم : عذاب جهنم كاف لهم في الآخرة .

يصلونها : يقاسون حرها .

التفسير :

8-{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

تفيد هذه الآيات أن فريقا من اليهود والمنافقين كانوا يكيدون للإسلام والمسلمين ، ويتناجون بما يسوء بعض المسلمين ، وقد اشتكى المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهى اليهود عن ذلك ، ونصح المنافقين بالبعد عنه ، لكنهم عاودوا هذه المناجاة فيما بينهم .

قال القرطبي :

نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون فيما بينهم ، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا ؛ فنزلت .

وفي الآية تعجيب من حالهم ، أي : ألم تشاهد يا كل من يتأتى منه المشاهدة ، اللذين نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن النجوى بالإثم والكيد ، ثم هم يعودون لما نهوا عنه ، ويكررون العودة إليه ، لأن الفعل المضارع يفيد الحال والاستقبال والتجدد ، فقد كان اليهود والمنافقون شوكة في جنب المسلمين ، وكانوا يتناجون في صوت خافت بالكيد والدس والفتنة والأذى للمسلمين ، ومخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن سوء أدبهم أنهم كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له : ( السام عليكم ) ، وهي كلمة عبرية معناها : الموت عليكم ، مع أن الله حيا رسوله في التشهد بقوله : " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " .

وقال سبحانه وتعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } . ( الأحزاب : 56 ) .

وقال تعالى : { وسلام على المرسلين } . ( الصافات : 181 ) .

وقال سبحانه وتعالى : { وسلام على عباده الذين اصطفى . . . }( النمل : 59 ) .

وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن أناسا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " وعليكم " . قالت عائشة : قلت : عليكم السام ، ولعنكم الله وغضب عليكم . وفي رواية : عليكم السام والذام واللعنة .

فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عائشة ، إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش " ، فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام ، فقال : " يا عائشة ، أو ما سمعت أقول وعليكم " ؟ فأنزل الله تعالى : { وإذا جاءوك . . . }الآيةix .

وهذا يدل على الدور السيئ لليهود ، وإيذائهم للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُول . . . }

ويقولون فيما بينهم : هلا يعذبنا الله بهذا القول لو كان محمد نبيا ، فلو كان نبيا حقا لعذبه الله على هذا الكلام .

قال في ظلال القرآن :

وظاهر من سياق السورة ، من مطلعها ، أن الله قد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم 1ه .

{ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

إن الله مطلع وشاهد على مؤامراتهم ونجواهم ، واجتماعاتهم المشتملة على الكيد والدسّ وتبييت السوء للمسلمين ، وقد كشف أمرهم في الدنيا ، وأجل العقوبة إلى الآخرة ، حيث يصطلون بنار جهنم ، ويقاسون حرها ولهيبها ، والهوان والخزي والذل في عذابها .

قال ابن العربي :

كانوا يقولون : لو كان محمدا نبيا لما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به ، وجهلوا أن الباري حليم لا يعاجل بالعقوبة .

وقد ثبت في الصحيح : " لا أحد أصبر على الأذى من الله ، يدعون له الصاحبة والولد ، وهو يعافيهم ويرزقهم " ، فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم ، وفضحا لبواطنهم ، وتكريما لرسول لله صلى الله عليه وسلم . x

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (8)

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون دون المؤمنين وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم يوهمونهم عن أقاربهم أنهم أصابهم شر فلا يزالون كذلك حتى تقدم أقاربهم فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنهاهم أن يتناجوا دون المؤمنين فعادوا لمثل فعلهم ، وقال مجاهد نزلت في اليهود .

/ وقال ابن السائب : في المنافقين ، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والهمزة للتعجيب من حالهم ، وصيغة المضارع للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة ، وقوله تعالى :

{ ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَة الرسول } عطف عليه داخل في حكمه أي ويتناجون بما هو إثم في نفسه ووبال عليهم وتعدّ على المؤمنين وتواص بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين وإليه صلى الله عليه وسلم لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم .

وقرأ حمزة . وطلحة . والأعمش . ويحيى بن وثاب . ورويس وينتجون بنون ساكنة بعد الياء وضم الجيم مضارع انتجى ، وقرأ أبو حيوة العدوان بكسر العين حيث وقع ، وقرئ معصيات بالجمع ونسبت فيما بعد إلى الضحاك { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله } صح من رواية البخاري . ومسلم . وغيرهما عن عائشة " أن ناساً من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم فقال عليه الصلاة والسلام : وعليكم ، قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم " وفي رواية " عليكم السام والذام واللعنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش ، فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام ؟ا فقال صلى الله عليه وسلم : أو ما سمعت أقول : وعليكم ؟ا فأنزل الله تعالى { وَإِذَا جاؤوك } " الآية .

وأخرج أحمد . والبيهقي في «شعب الإيمان » بسند جيد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سام عليك يريدون بذلك شتمه ثم يقولون في أنفسهم : لولا يعذبنا الله بما نقول فنزلت هذه الآية { بالشاكرين وَإِذَا جَاءكَ } الخ ، والسام قال ابن الأثير : المشهور فيه ترك الهمز ويعنون به الموت ، وجاء في رواية مهموزاً ومعناه أنكم تسأمون دينكم ، وصرح الخفاجي بأنه بمعنى الموت عبراني ، ولم يذكر فيه الهمز وتركه .

وقال الطبرسي : من قال : السام الموت فهو من سأم الحياة بذهابها وهذا إرجاع له إلى المهموز ، وجعل البيضاوي من التحية التي لم يحيه بها الله تعالى تحيتهم له عليه الصلاة والسلام بأنعم صباحاً وهي تحية الجاهلية كعم صباحاً ولم نقف على أثر في ذلك ، وقوله تعالى : { وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ } أي فيما بينهم ، وجوز إبقاؤه على ظاهره { لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } أي هلا يعذبنا الله تعالى بسبب ذلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً أي لو كان نياً عذبنا الله تعالى بسبب ما نقول من التحية أوفق بالأول لأن أنعم صباحاً دعاء بخير والعدول إليه عن تحية الإسلام التي حيا الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأشير إليها بقوله تعالى : { سلام على المرسلين } [ الصافات : 181 ] { وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } [ النمل : 59 ] وما جاء في التشهد «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته » ليس فيه كثير إثم يتوقع معه التعذيب الدنيوي حتى أنهم يقولون ذلك إذا لم يعذبوا اللهم إلا إذا انضم إليه أنهم قصدوا بذلك تحقيراً وإعلاناً بعدم الاكتراث ، ولعل قائل ذلك هم المنافقون من المشركين وهو أظهر من كون قائله اليهود ، وحكم التحية به اليوم أنها خلاف السنة ، والقول بالكراهة غير بعيد .

وفي تحفة المحتاج لا يستحق مبتدي بنحو صبحك الله بالخير أو قواك الله جوباً ودعاؤه له في نظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام انتهى ، وأنعم صباحاً نحو صبحك الله بالخير ، غاية ما في الباب أنه دعاء كان يستعمل تحية في الجاهلية ، نعم تحيتهم به له عليه الصلاة والسلام على الوجه الذي قصدوه حرام بلا خلاف { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً { يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها أو يقاسون حرها أو يصطلون بها .

{ فَبِئْسَ المصير } أي جهنم .

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (8)

{ أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 8 ) } .

ألم تر -يا محمد- إلى اليهود الذين نُهوا عن الحديث سرًّا بما يثير الشك في نفوس المؤمنين ، ثم يرجعون إلى ما نُهوا عنه ، ويتحدثون سرًّا بما هو إثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول ؟ وإذا جاءك -يا محمد- هؤلاء اليهود لأمر من الأمور حيَّوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية ، فقالوا : ( السام عليك ) أي : الموت لك ، ويقولون فيما بينهم : هلا يعاقبنا الله بما نقول لمحمد إن كان رسولا حقًا ، تكفيهم جهنم يدخلونها ، ويقاسون حرها ، فبئس المرجع هي .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (8)

قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوؤهم ، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } أي المناجاة ، { ثم يعودون لما نهوا عنه } أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها ، { ويتناجون } قرأ الأعمش وحمزة : وينتجون ، على وزن يفتعلون ، وقرأ الآخرون يتناجون ، لقوله : { إذا تناجيتم فلا تتناجوا }( المجادلة :10 ) { بالإثم والعدوان ومعصية الرسول } ، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نهاهم عن النجوى فعصوه ، { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله } ، وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، { ويقولون } السام عليك . والسام : الموت ، وهم يوهمونه أنهم يقولون : السلام عليك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول : عليكم ، فإذا خرجوا قالوا : { في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } يريدون : لو كان نبياً حقاً لعذبنا الله بما نقول ، قال الله عز وجل :{ حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد ابن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة : ( أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : السام عليك ، قال : وعليكم ، فقالت عائشة : السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش ، قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : أو لم تسمعي ما قلت ؟ رددت عليهم ، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (8)

قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيّوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير( 8 ) } .

ذكر عن ابن عباس قوله في سبب نزول الآية : نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ، وينظرون للمؤمنين يتغامزون بأعينهم فيقول المؤمنون : لعلهم بلغهم عن إخواننا وقراباتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة ، ويسوءهم ذلك فكثرت شكواهم للنبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت .

وقيل : كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا فيعرج عن طريقه ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت{[4481]} .

قوله : { ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } أي يتسارّون بينهم بالظلم والكذب ومخالفة الرسول ، أو يتناجون بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول .

قوله : { وإذا جاءوك حيّوك بما لم يحيك به الله } ، روي عن السيدة عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم . فقالت عائشة : وعليكم السام : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ياعائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش " فقالت : ألا تسمعهم يقولون : السام عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو ما سمعت أقول وعليكم ؟ " فأنزل الله قوله تعالى : { وإذا جاءوك حيّوك بما لم يحيك به الله } {[4482]} ، يعني إذا جاءك هؤلاء الماكرون الخبثاء من أهل الكتاب والمنافقين الذين نهوا عن النجوى ، حيوك بغير التحية المشروعة المعروفة التي يحييك بها الله وهي السلام عليكم ، بل كانوا يحيونه بقولهم له : السام عليك يا محمد ، والسام معناه الموت . { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } يقول هؤلاء الذين يحيون النبي بهذه التحية الخبيثة من اليهود والمنافقين في أنفسهم : هلا عاقبنا الله بما نقول لمحمد فعجل لنا العقاب على ذلك ، أو لو كان محمد نبيا لعذبنا الله جزاء قولنا له : السام عليك . وهم في الحقيقة موقنون في أنفسهم أن الأنبياء ، يستغضبون فلا يجعل الله العذاب لمن يستغضبهم ، إنما يعذبهم الله في الدنيا إن شاء ، وهم في الآخرة حصب جهنم يصلونها مذمومين خزايا ، وهو قوله : { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } أي كافيهم جهنم يعذبون فيها يوم القيامة فبئس المرجع والمآب والمأوى .


[4481]:أسباب النزول للنيسابوري ص 275 وتفسير القرطبي جـ 17 ص 291.
[4482]:أسباب النزول للنيسابوري ص 275 وتفسير ابن كثير جـ 4 ص 323.