تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (29)

{ *فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون( 29 ) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين( 30 ) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين( 31 ) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملئيه إنهم كانوا قوما فاسقين( 32 ) } .

المفردات :

قضى موسى الأجل : أتم المدة المضروبة بينه وبين شعيب .

آنس : أبصر ، وأصل الإيناس : إبصار ما يؤنس .

بخبر : بنبأ يعلم منه الطريق .

جذوة : " مثلثة الجيم " وهي عود غليظ مشتعل .

تصطلون : تستدفئون .

29

التفسير :

29-{ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } .

أفادت الآيات السابقة اتفاق موسى وشعيب على أن يتزوج موسى بإحدى ابنتي شعيب ، نظير أن يقوم برعي الغنم مدة من السنين ، وقد أتم موسى المدة المتفق عليها ، والراجح أنه أكمل عشر سنين ، ثم طاف به الحنين إلى أمه وأسرته ، فاستأذن ليعود إلى أرض مصر مع زوجته ، وكانت حاملا لا تعلم هل يتم الوضع ليلا أو نهارا ، وجاء الليل باردا شاتيا مظلما ، وضل موسى الطريق ، وحاول أن يقدح زنده ليوقد نارا فأصلد ولم يخرج نارا ، فنظر فإذا نار تلوح في الأفق ، فآنس بها واطمأن إليها ، وقال لأهله : أقيموا مكانكم وامكثوا في هذا الوضع ، فقد شاهدت نارا سأقصدها .

{ لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } .

لعلي أجد عند هذه النار من يرشدني إلى الطريق الصحيح ، أو أحضر لكم عودا غليظا ملتهبا بالنار ، تستدفئون به من شدة البرد .

ونلمح أن موسى شاهد نارا فاقترب منها ، فإذا النار نور أثيرى ، وإذا الموقف موقف تفضل ورحمة وإكرام ، وإذا المنعم الجليل يختار موسى ، ليحمل رسالة إلهية سامية .

/خ32

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (29)

{ فَلَمَّا قضى مُوسَى الاجل } أي أتم المدة المضروبة لما أراد شعيب منه والمراد به الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما . وأخرج البخاري وجماعة عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل . وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هرون عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى فقال : لا أدري حتى اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام فسأل ميكائيل فقال : لا أدري حتى أسأل الرفيع فسأل الرفيع فقال : لا أدري حتى أسأل إسرافيل عليه السلام فسأل إسرافيل فقال : لا أدري حتى أسأل ذا العزة جل جلاله فنادى إسرافيل بصوته الأشد ياذا العزة أي الأجلين قضى موسى قال : { أتم الأجلين وأطيبها عشر سِنِينَ } قال علي بن عاصم : فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول : حدثني أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن الرفيع عن إسرافيل عن ذي العزة تبارك وتعالى : { أن موسى قَضَى أتم الأجلين وأطيبها عشر سِنِينَ } والفاء قيل : فصيحة أي فعقد العقدين وباشر موسى ما أريد منه فلما أتم الأجل { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قيل : نحو مصر بإذن من شعيب عليه السلام لزيارة والدته وأخيه وأخته وذوي قرابته وكأنه عليه السلام أقدمه على ذلك طول مدة الجنابة وغلبة ظنه خفاء أمره ، وقيل : سار نحو بيت المقدس وهذا أبعد عن القيل والقال .

{ ءانَسَ مِن جَانِبِ الطور } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر ، وأصل الإيناس على ما قيل الإحساس فيكون أعم من الإبصار ، وقال الزمخشري : هو الإبصار البيت الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل : الجن لاستتارهم ، وقيل : هو إبصار ما يؤنس به .

{ نَارًا } استظهر بعضهم أن المبصر كان نوراً حقيقة إلا أنه عبر عنه بالنار اعتباراً لاعتقاد موسى عليه السلام ، وقال بعض العارفين : كان المبصر في صورة النار الحقيقية وأما حقيقته فوراء طور العقل إلا أن موسى عليه السلام ظنه النار المعروفة { قَالَ لأهله امكثوا } أي أقيموا مكانكم وكان معه عليه السلام على قول امرأته وخادم ويخاطب الاثنان بصيغة الجمع ، وعلى قول آخر كان معه ولدان له أيضا اسم الأكبر جير شوم واسم الأصغر اليعازر ولداً له زمان إقامته عند شعيب وهذا مما يتسنى على القول بأنه عليه السلام دخل على زوجته قبل الشروع فيما أريد منه ، وأما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى أتم الأجل فلا يتسنى إلا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين ، وقد قيل به ، أخرج عبد بن حميد .

وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قضى موسى عشر سنين ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى ، وعن وهب أنه عليه السلام ولد له ولد في الطريق ليلة إيناس النار ، وفي «البحر » أنه عليه السلام خرج بأهله وماله في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل لا يدري أليلاً تضع أم نهاراً فسار في البرية لا يعرف طرقها فالجأه السير إلى جانب الطور المغربي الأيمن في ليلة ملمة مثلجة شديدة البرد ، وقيل : كان لغيرته على حرمه يصحب الرفقة ليلاً ويفارقهم نهاراً فأضل الطريق يوماً حتى أدركه الليل فأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فأصلد فنظر فإذا نار تلوح من بعد فقال امكثوا { إِنّي ءانَسْتُ نَاراً لَّعَلّي ءاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } أي بخبر الطريق بأن أجد عندها من يخبرني به وقد كانوا كما سمعت ضلوا الطريق ، والجملة استئناف في معنى التعليل للأمر { أَوْ جَذْوَةٍ } أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار كما في قوله :

وألقى على قيس من النار جذوة *** شديداً عليها جرها والتهابها

أو لم تكن كما في قوله :

باتت حواطب ليلى يلتمسن لها *** جزل الجذا غير خوار ولا دعر

ولذا بينت كما قال بعض المحققين بقوله تعالى : { مِنَ النار } وجعلها نفس النار للمبالغة كأنها لتشبث النا ربها استحالت ناراً ، وقال الراغب : الجذوة ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب ، وفي معناه قول أبي حيان : عود فيه نار بلا لهب ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : هي عود من حطب فيه النار .

/ وأخرج هو وجماعة عن قتادة أنها أصل شجرة في طرفها النار ، قيل : فتكون من على هذا للابتداء ، والمراد بالنار هي التي آنسها .

وقرأ الأكثر { جَذْوَةٍ } بكسر الجيم . والأعمش . وطلحة . وأبو حيوة . وحمزة بضمها { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون وتتسخنون بها ، وفيه دليل على أنهم أصابهم برد .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (29)

ومضت السنوات العشر ، التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير فى مدين ، ووفى كل واحد منهما بما وعد به صاحبه ، وتزوج موسى بإحدى ابنتى الشيخ الكبير ، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر ، فماذا حدث له فى طريق عودته ؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث لموسى - عليه السلام - بعد ذلك فيقول : { فَلَمَّا قضى . . . . } .

المراد بالأجل فى قوله - تعالى - : { فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل . . } المدة التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير ، بجهة مدين .

والمعنى : ومكث موسى عشر سنين فى مدين ، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتى الشيخ الكبير ، استأذن منه { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } أى وسار بزوجته متجها إلى مصر ليرى أقاربه وذوى رحمه ، أو إلى مكان آخر قيل : هو بيت المقدس .

{ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً } ولفظ { آنَسَ } من الإيناس ، وهو إبصار الشىء ورؤيته بوضوح لا التباس معه ، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له .

أى : وخلال سيره بأهله إلى مصر ، رأى بوضوح و جلاء { مِن جَانِبِ الطور نَاراً } .

أى : رأى من الجهة التى تلى جبل الطور نارا عظيمة .

قال الآلوسى : " استظهر بعضهم أن المبصر كان ورا حقيقة ، إلا أنه عبر عنه بالنار ، اعتبارا لاعتقاد موسى - عليه السلام - ، وقال بعضهم : كان المبصر فى صور النار الحقيقية ، وأما حقيقته ، فوراء طور العقل ، إلا أن موسى - عليه السلام - ظنه النار المعروفة " .

وقوله - سبحانه - { قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً . . } حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - لزوجته ومن معها عندما أبصر النار .

أى : عندما ابصر موسى النار بوضوح وجلاء { قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا } فى مكانكم { إني آنَسْتُ نَاراً } على مقربة منى وسأذهب إليها .

{ لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ } ينفعنا فى مسيرتنا ، { أَوْ } أقتطع لكم منها { جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } .

قال الجلم : قرأ حمزة : { أَوْ جُذْوَةٍ } بضم الجيم . وقرأ عامص بالفتح ، وقرأ الباقون بالكسر ، وهى لغات فى العود الذى فى رأسه نار ، هذا هو المشهور . وقيده بعضهم فقال : فى رأسه نار من غير لهب ، وقد ورد ما يقتضى اللهب فيه ، وقيلأ : الجذوة العود الغليظ سواء أكان فى رأسه نار أم لم يكن . وليس المراد هنا إلا ما فى رأسه نار .

وقوله : { تَصْطَلُونَ } من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستدفاء بها من البرد . والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال .

أى : قال موسى لأهله امكثوا فى مكانكم حتى أرجع إليكم ، فإنى أبصرت نارا سأذهب إليها ، لعلى آتيكم من جهتها بخبر يفيدنا فى رحلتنا ، أو أقتطع لكم منها قطعة من الجمر ، كى تستدفئوا بها من البرد .

قال ابن كثير ما ملخصه : وكان ذلك بعدما قضى موسى الأجل الذى كان بينه وبين صهره فى رعاية الغنم ، وسار بأهله . قيل : قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته ، فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية . ونزل منزلا بين شعاب وجبال ، فى برد وشتاء ، وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا - أى : ليخرج نارا - كما جرت العادة به ، فجعل لا يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شىء ، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا .