نزلت سورة يونس بعد سورة الإسراء ، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة ، فتكون سورة يونس من السور التي نزلت بين الإسراء والهجرة ، فهي سورة مكية من أواخر ما نزل من القرآن بمكة . وقد سميت بهذا الاسم ؛ لذكر قصة يونس فيها ، وتبلغ آياتها تسعا ومائة آية .
موضوعات هذه السورة هي موضوعات السور المكية الغالبة ، وهي الجدل حول مسائل العقيدة والتوجيه إلى آيات الله الكونية ، وإلى سنن الله في الأرض ، وإلى العظة بالقرون الخوالي ومصائرها وعرض بعض القصص من هذا الجانب الذي تبرز فيه العظة واللمسات الوجدانية التي تنتقل بالإنسان من آيات الله في الكون إلى آياته في النفس ، إلى مشاهد القيامة المؤثرة ، إلى قصص الماضين ومصائرهم ، كأنها جميعا حاضرة معرضة للأنظار .
وهذه السورة تتضمن شيئا من هذا كله ، و ينتقل السياق فيها من غرض إلى غرض بمناسبات ظاهرة أو خفية بين مقاطعها ، ولكن جوهرها كله هو هذا الجو حتى ليصعب الفصل بين مقطع ومقطع فيها في أغلب الأحيان .
يبدأ القسم الأول من السورة بحروف ثلاثة هي : ألف ، لام ، را ، كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران بحروف مشابهة ؛ ذكر العلماء أنها أسماء للسورة ، أو إشارة إلى أسماء الله تعالى وصفاته ، أو هي لبيان إعجاز القرآن الكريم ، أو هي مما استأثر الله تعالى بعلمه ، ثم تأخذ السورة في عرض عدة أمور هي بيان حكمة القرآن وطريقته في تنبيه الغافلين إلى تدبر آيات الله ، في صفحة الكون وتضاعيفه : في السماء والأرض ، وفي الشمس والقمر ، وفي الليل والنهار ، وفي مصارع القرون الأولى ، وفي قصص الرسل فيهم ، وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود .
ثم تشرح السورة الحكمة في الإيحاء إلى رجل من البشر يعرفه الناس ويطمئنون إليه ويأخذون منه ويعطونه بلا تكلف ولا جفوة ولا تحرج ، وتذكر الحكمة من إرسال الرسل ؛ فالإنسان بطبعه مهيئا للخير والشر ، وعقله هو أداته للتمييز ، ولكن هذا العقل في حاجة إلى ميزان مضبوط يعود إليه دائما كلما اختلط عليه الأمر وأحاطت به الشبهات وجذبته التيارات والشهوات ، وهذا الميزان الثابت العادل هو هدى الله وشريعته .
وتلفت سورة يونس النظر إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما ، وإظهار قدرة الله الذي { جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل } . ( يونس : 5 ) .
وقدر اختلاف الليل والنهار ، إن الله الذي خلق هذا ودبره هو الذي يليق أن يكون ربا يعبد ولا يشرك به شيء من خلقه .
إن هذا الليل المظلم ، الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح ، وهذا الفجر المتفتح في نهاية الليل كابتسامة الولد ، وهذه الحركة التي يتنفس بها الصحيح فيدب النشاط في الحياة والأحياء وهذا الطير الرائح الغادي القافز الواثب الذي لا يستقر على حال ، وهذا النبت النامي المتطلع أبدا إلى النمو والحياة ، وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق ، وهذه الأرحام التي تدفع ، والقبور التي تبلع ، الحياة ماضية في طريقها كما شاء الله .
إن هذا الحشد من الصور والأشكال ، والحركات والأحوال والرواح والذهاب والبلى والتجدد والذبول والنماء ، والميلاد والممات ، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تني ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار ، إن هذا كله ليستنهض كل همة في كيان البشر للتأمل والتدبر والتأثر حتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه . والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب ؛ لتدبر هذا الحشد من الصور والآيات وتأمل قدرة الله في اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر ، فيطول الليل في الشتاء ويقصر في الصيف ، ويطول النهار في الصيف ويقصر في الشتاء ، ووراء كل إبداع يد الله القدير الذي رفع السماء وزينها بالنجوم وحفظها من التصدع والوقوع ، وبسط سبحانه الأرض وثبتها بالجبال وزينها بالنبات وأحياها بالأمطار ؛ { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون } . ( يونس : 6 ) .
الدرس الثاني الأدلة على وجود الله :
يستهل الدرس الثاني من سورة يونس بإعلان جزاء المؤمنين وعاقبة المكذبين ، حيث يقول سبحانه : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) .
فالجزاء الحق من جنس العمل ، فمن عمل صالحا في الدنيا ؛ أدخله الله الجنة ، ومتعه بالطيبات ونجاه من النار .
ثم تستمر الآيات في بيان عقوبة المكذبين ، وجزاء الخائنين ، وتسوق السورة عددا من الأدلة والبراهين تنتهي كلها إلى هدف واحد ؛ هو إشعار النفس بتوحيد الله وصدق الرسول ، واليقين باليوم الآخر ، والقسط في الجزاء .
تلمس الأدلة أقطار النفس ، وتأخذ بها إلى آفاق الكون في جولة واسعة شاملة ، جولة من الأرض إلى السماء ، ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر ، ومن الدنيا إلى الآخرة .
وقد لاحظنا في الدرس الماضي لمسات من هذه ، ولكنها في هذا الدرس أظهر ، فمن معرض الحشر إلى مشاهد الكون إلى ذات النفس ، وإلى التحدي بالقرآن إلى التذكير بمصائر المكذبين من الماضين ، ومن ثم لمحة عابرة عن الحشر في مشهد جديد ، إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب ، وإلى تصوير علم الله الشامل الذي لا يند عنه شيء ، إلى بعض آيات الله في الكون ، إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على الله يوم الحساب .
إنها مجموعة من اللمسات العميقة الصادقة ، لا تملك نفس سليمة التلقي ، صحيحة الاستجابة إلا أن تستجيب لها ، وألا تتذاوب الحواجز والموانع فيها دون هذا الفيض من المؤثرات المستمدة من الحقائق الواقعة ومن فطرة الكون وفطرة النفس وطبائع الوجود . لقد كان الكفار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم ، وهم يتناهون عن الاستماع إليه ؛ خيفة أن يجرفهم بتأثيره ويزلزل قلوبهم ، وهم يرددون أن يظلوا على الشرك صامدين . وأن سورة واحدة كهذه أو بعض سورة لتحمل من المؤثرات النفسية والعقلية ما لا يحمله جمع كبير من قوى الشرك والانحراف والفسوق .
لقد أخذ القرآن على النفوس كل مسلك ؛ ليسير بها نحو الإيمان ، وساق إليها أدلة محسوسة ملموسة ، حيث يقول سبحانه : { قل من يرزقكم من السماء والأرض } . من المطر الذي يحيى الأرض وينبت الزرع ، ومن طعام الأرض ونباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها ، فمن سطح الأرض أرزاق ، ومن أعماقها أرزاق ، ومن أشعة الشمس أرزاق ومن ضوء القمر أرزاق . وحتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق . { أمن يملك السمع والأبصار } . يهبهما القدرة على أداء وظائفهما أو يحرمهما ، ويصححهما أو يمرضهما ، ويصرفهما إلى العمل أو يلهيهما ، وإن تركيب العين وأعصابها و كيفية إدراكها للمرئيات ، أو تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات لعالم وحده يدير الرءوس عندما يقاس هذا الجهاز أو ذلك إلى أدق الأجهزة التي يعدها الناس من معجزات العلم الحديث .
{ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } . أي : النور من الظلام والظلام من النور ، والنهار من الليل والليل من النهار ، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، والنبتة من الحبة والحبة من النبتة ، والفرخ من البيضة والبيضة من الفرخ . . . إلى آخر هذه المشاهدات العجيبة ، وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة ؟ ! وأين كان يكمن العود ، وأين كانت الجذور والساق والأوراق ؟ !
{ ومن يدبر الأمر } . كله في هذا الذي ذكر وفي سواه من شئون الكون وشئون البشر ؟ ! من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق ؟ ! ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر ؟ !
{ فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } . ( يونس : 31 ) ، أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض والذي يملك السمع والأبصار ، والذي يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، الذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه : { فذالكم الله ربكم الحق } . هو سبحانه صاحب الحق والأمر تبارك الله رب العالمين .
اشتملت الآيات من 7193 من سورة يونس عل ذكر طرف من قصة نوح مع قومه ، وقصة موسى مع فرعون وملئه ، وقد تحقق فيهما عاقبة المكذبين ، وهلاك المخالفين لأوامر الله وهدى رسله ، والقصص في القرآن يجيء في السياق ؛ ليؤدي وظيفة فيه ، ويتكرر القصص في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه في السياق والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع ، ونلاحظ فيما عرض من قصتي نوح وموسى هنا ، وفي طريقة العرض ، مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة معه ، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان ، كما نلحظ المناسبة الواضحة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه .
بدأت قصة نوح من الحلقة الأخيرة ، حلقة التحدي الأخير بعد الإنذار الطويل والتذكر والتكذيب ، ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ولا التفصيلات الواردة في سور أخرى ؛ لأن الهدف هنا هو إبراز التحدي الذي واجه نوحا من قومه ، واستعانته بالله ، ونجاته ومن معه وهم قلة ، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة ، لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة التي يقصها إلى حلقة واحدة ، ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة وهي نجاة نوح ومن آمن معه في السفينة و استخلافهم في الأرض على قلتهم ، وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم . قال تعالى : { فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآيتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } . ( يونس : 73 ) .
وأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي وينهيها عند غرق فرعون وجنوده ، وإذا كانت قصة نوح قد ذكرت في أربع آيات فقط هي الآيات من 71 إلى 74 من سورة يونس ، فإن قصة موسى قد ذكرت على نطاق أوسع خلال ثماني عشرة آية هي الآيات من 75 إلى 93 ، وقد ألمت قصة موسى بالمواقف ذات الشبه بموقف المشركين في مكة من الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القلة المؤمنة التي معه ، وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى مقسمة إلى ثلاثة مواقف يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به . وهذه المواقف الثلاثة تتتابع في السياق على هذا النحو :
الموقف الأول : وصول موسى إلى فرعون ومعه آيات تسع ذكرت في سورة الأعراف ؛ و لكنها لم تذكر في سورة يونس ولم تفصل ؛ لأن السياق لا يقتضيها ، والإجمال في هذا الموضع بغنى ، والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله ، لقد استقبلوها بالظلم والاستكبار قال تعالى :
{ ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون و ملإيه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } . ( يونس : 75 ، 76 ) .
ادعى فرعون أن معجزة موسى سحر ظاهر ، وجمع له كبار السحرة وأرادوا أن يغرقوا الجماهير في صراع السحر بأن تعقد حلقة للسحر يتحدون بها موسى وما معه من آيات تشبه السحر في ظاهرها ؛ ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحرا ماهرا .
والموقف الثاني : موقف المبارزة بين السحرة وموسى ، فقد ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وتحركت الحبال والعصي فبهرت جميع الناس وأرهبتهم ، ثم ألقى موسى عصاه في الأرض فانقلبت حية هائلة لها شفتان طويلتان ، شفة في الأرض تبتلع جميع الحبال والعصي التي ألقاها السحرة ، وشفة مرفوعة إلى أعلى ، ثم أمسك موسى بعصاه فعادت كما كانت ، وبطل السحر ، وعلا صوت الحق . و لكن السياق يختصر المشاهد هنا ؛ لأنها ليست مقصودة في هذا المجال ، ويسدل الستار ؛ ليرفع على موسى ومن آمن معه وهم قليل ، وهذه إحدى عبر القصة المقصودة :
{ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم } . ( يونس : 83 ) .
وفي هذا الوضع تفيد الآيات : أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم لموسى من بني إسرائيل كانوا هم الفتيان الصغار لا مجموعة الشعب الإسرائيلي ، وأنهم تعرضوا للإرهاب من فرعون ، ولكن موسى ثبتهم على الإيمان ودعا موسى ربه أن ينجي المؤمنين وأن يهلك الكافرين ؛ فاستجاب الله دعاءه وجاء الموقف الحاسم .
الموقف الثالث والأخير : في قصة التحدي والتكذيب : هو غرق الطغاة الظالمين ونجاة من آمن بالمرسلين .
{ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ( 1 ) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ( 2 ) } .
الر : قال السلف فيها وفي أمثالها : الله أعلم بمراده : ويأتي تفصيل الحديث عنها في الشرح .
الكتاب الحكيم : القرآن المشتمل على الحكمة وهي إصابة الحق .
1 { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } .
أسلفنا الحديث عن هذه الأحرف المقطعة في صدر سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ومجمل هذا الحديث أن هذه الفواتح للعلماء فيها رأيان رئيسان :
الأول : أنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه .
الثاني : أن لها معنى وتعددت الآراء في تحديد هذا المعنى .
فمن العلماء من قال : إنها أسماء للسور التي تصدرتها ، ومنهم من قال : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، ومنهم من قال : هي حروف ذكرت للتحدي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مكون من الحروف العربية التي تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ؛ فدل ذلك على أنه من عند الله تعالى .
ومنهم من قال : هي حروف للتنبيه كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ؛ فقد تواصى الكفار بالإعراض عن القرآن وعدم الاستماع إليه ، قال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } . ( فصلت : 26 ) .
فلما طرق أسماعهم ما لم يألفوه ؛ تنبهوا ، فكانت هذه الأحرف بمثابة أدوات الاستفتاح التي تدعو الناس إلى الإصغاء والانتباه لما يلقى عليهم .
وجاء في تفسير الطبري حكاية عن الربيع : أن الإعجاز في هذه الأحرف : هو جواز اشتمالها على جميع الآراء التي ذكرها العلماء في تفسيرها ، فهي أسماء للسورة ، وهي حروف للتحدي والإعجاز ، وهي أدوات للتنبيه ، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، وهي في نفس الوقت مما استأثر الله تعالى بعلمه .
{ تلك آيات الكتاب الحكيم } . أي : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب المشتمل على الحكمة والصواب ، الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
مكية على المشهور واستثنى منها بعضهم ثلاث آيات( {[1]} ) ( فلعلك تارك ) ( أفمن كان على بينة من ربه ) ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) قال : إنها نزلت في المدينة وحكى ابن الفرس والسخاوي أن من أولها إلى رأس أربعين آية مكي والباقي مدني وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روايتان فأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عنه ومن طريق ابن جريجعن عطاء عنه أنها مكية وأخرج من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنه أنها مدنية والمعول عليه عند الجمهور الرواية الأولى وآياتها مائة وتسع عند الجميع غير الشامي فإنها عنده مائة وعشر آيات . ووجه مناسبتها لسورة براءة أن الأولى ختمت بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه ابتدئت به وأيضا أن في الأولى بيانا لما يقوله المنافقون عند نزول سورة من القرآن وفي هذه بيان لما يقوله الكفار في القرآن حيث قال سبحانه : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ) الآية وقال جل وعلا : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) وأيضا في الأولى ذم المنافقين بعدم التوبة والتذكر إذا أصابهم البلاء في قوله سبحانه : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) على أحد الأقوال وفي هذه ذم لمن يصيبه البلاء فيرعوي ثم يعود وذلك في قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) وفي قوله سبحانه : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) إلى أن قال سبحانه : ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغيرالحق ) وأيضا في الأولى براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين مع الأمر بقتالهم على أتم وجه وفي هذه براءته صلى الله عليه وسلم من عملهم لكن من دون أمر بقتال بل أمر فيها عليه الصلاة والسلام أن يظهر البراءة فيها على وجه يشعر بالأعراض وتخلية السبيل كما قيل على ضدما في الأولى وهذا نوع من المناسبة أيضا وذلك في قوله تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) إلى غير ذلك والعجب من الجلال السيوطي عليه الرحمة كيف لم يلح له في تناسق الدرر وجه المناسبة بين السورتين وذكر وجه المناسبة بين هذه السورة وسورة الأعراف وقد يوجد في الأسقاط مالا يوجد في الأسفاط
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر } بتفخيم الراء المفتوحة وهو الأصل وأمال أبو عمرو وبعض القراء إجراء لألف الراء مجرى الألف المنقلبة عن الياء فإنهم يميلونها تنبيهاً على أصلها ، وفي الإمالة هنا دفع توهم أن را حرف كما ولا فقد صرحوا أن الحروف يمتنع فيها الإمالة ، وقرأ ورش بين بين ، والمراد من { الر } على ما روى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا الله أرى ، وفي رواية أخرى لنها بعض الرحمن وتمامه حم ون ، وعن قتادة أنها بعض الراحم وهو من أسماء القرآن ، وقيل : هي أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها مسرودة على نمط التعديد بطريق التحدي وعليه فلا محل لها من الإعراب ، والكلام فيها وفي نظائرها شهير .
/ والأكثرون على أنها اسم للسورة فمحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بكذا وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب ، والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لصيرورتها في حكم الحاضر لاعتبار كونها على جناح الذكر كما يقال في الصكوك : هذا ما اشترى فلان ، وجوز النصب بتقدير فعل لائق بالمقام كاذكر واقرأ وكلمة { تِلْكَ } إشارة إليها أما على تقدير كون { الر } مسروداً على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل : هذه الكلمات المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة الخ ، وأما على تقدير كونها اسماً للسورة فقد نوهت بازشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها . وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله عز وجل : { الكتاب الحكيم } وعلى تقدير كون { الر } مبتدأ فهو إما مبتدأ ثان أو بدل من الأول ، والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل ، والمقصود ببيان بعضيتها منه وصفيتها بما أشير إلى اتصافه به من النعوت الفاضلة والصفات الكاملة ، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم وإن لم ينزل بعد إما باعتبار تعينه وتحققه في العلم أو في اللوح أو باعتبار نزوله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا وإما جميع القررن النازل وقتئذٍ المتفاهم بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما نزل في كل كذا قال شيخ الإسلام .
وأنت تعلم أن المشهور عن السلف تفويض معنى { الر } وأمثاله إلى الله تعالى وحيث لم يظهر المراد منها لا معنى للتعرض لإعرابها ، وقد ذكروا أنه يجوز في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة وأن تكون لآيات القرآن ويجوز في الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فتكون الصور أربعاً .
إحداها : الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا بتخصيص آيات أو تأويل بعيد . وثانيها : عكسه ولا محذور فيه . وثالثها : الإشارة إلى آيات السورة والكتاب بمعنى السورة . ورابعها : ازشارة إلى آيات القررن والكتاب بمعنى القرآن ، ومرجع إفادة الكلام عليهما باعتبار صفة الكتاب الآتية ، وجوز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإن لم تذكر كما في المثال المذكور آنفاً . وفي «أمالي ابن الحاجب » أن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً حاضراً بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً . وفي «الكشاف » في تفسير قوله تعالى : { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } [ الكهف : 78 ] ما يؤيديه ، وأوثر لفظ تلك لما أشار إليه الشيخ ولكونه في حكم الغائب من وجه ولا يخلو ما ذكروه عن دغدغة ، وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد فتأمل .
وقوله تعالى : { الحكيم } صفة للكتاب ووصف بذلك لاشتماله على الحكم فيراد بالحكيم ذو الحكمة على أنه للنسبة كلابن وتامر ، وقد يعتبر تشبيه الكتاب بإنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الحكمة قرينة لها ، وجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام حكيم فالمعنى حكيم قائله فالتجوز في الإسناد كليله قائم ونهاره صائم ، وقيل : لأن آياته محكمة لم ينسخ منها شيء أي بكتاب آخر ففعيل بمعنى مفعل وقد تقدم ماله وما عليه
ومن باب الإشارة : في الآيات : { الر } [ يونس : 1 ] { ا } إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود و { ل } إشارة إلى العقل المسمى جبريل عليه السلام وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى ، و { ر } إشارة إلى الرحمة التي هي الذات المحمدية وهي في الحقيقة أول ووسط آخر لكن الاعتبارات مختلفة ، وكأن ذلك قسم منه تعالى بالحقيقة المحمدية على أن ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي آيات الكتاب المتقن وقيل : المعنى ما أشير إليه بهذه الأحرف أركان كتاب الكل ذي الحكمة أو المحكم ومعظم تفاصيله