تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

أمة واحدة

{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم( 213 ) }

المفرٍدات :

أمة : جماعة منة الناس أمرهم ومقصدهم واحد .

مبشرين ومنذرين : واعدين المتقين بالجنة ، ومتوعدين الكفار بالنار .

البينات : الأدلة المقنعة الظاهرة .

بغيا : ظلما وعدوانا .

المعنى الإجمالي :

وإن الناس طبيعة واحدة فيها الاستعداد للضلالة ، ومنهم من قد استولى عليه أسباب الهداية ، ومنهم من تغلب عليه الضلالة ، ولذلك اختلفوا فبعث الله إليهم الأنبياء هداة مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتب مشتملة على الحق ، لتكون هي الحكم بين الناس فينقطع التنازع ولكن الذين انتفعوا بهدى النبيين هم الذين آمنوا فقط ، الذين هداهم الله في موضع اختلاف إلى الحق ، والله هو الذي يوفق أهل الحق إذا خلصوا .

التفسير :

{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين }

نقل الإمام محمد عبده عدة أقوال عن المفسرين السابقين في معنى هذه الآية ، وناقشها ولم يقبلها .

ومن الآراء التي ناقشها أن الناس كانوا على ملة الهدى والدين القويم .

وقد رفض هذا الرأي لأن هداية الناس واجتماعهم لا تستوجب بعث النبيين مبشرين ومنذرين .

واختار أن يكون معنى هذه الآية :

خلق الله الإنسان أمة واحدة أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش ، لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا ، إلى الأجل التي قدره الله لهم إلا مجتمعين . يعاون بعضهم بعضا ، ولا يمكن أن يستغنى بعضهم عن بعض ، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله ، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفيته جميع ما يحتاج إليه ، فلابد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ، فيستعين بهم في شأنه كما يستعينون به في بعض شأنهم ، وهذا الذي يعبرون عنه بقولهم : " الإنسان مدني بالطبع " ، يريدون بذلك أنهم لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته ، بل قدر له أن تكون منزلة أفراده من الجماعة ، منزلة العضو من البدن ، لا يقوم البدن إلا بعمل الأعضاء كما لا تؤدي الأعضاء وظائفها إلا بسلامة البدن . . .

" إن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضها ببعض ، ولا سبيل لعقولهم وحدها إلا الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ، ودفع المضار عنهم ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى ما يأتون به إنما هو من عند الله تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم ، العالم بما يخطر في ضمائرهم ، الذي لا تخفى عليه خافية من سرائرهم .

{ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . . . }

أي وأنزل معهم الكتب السماوية التي توضح للناس العبادات وشرائع المعاملات ، طبقا للحق والعدل ، فإذا حادوا عن سواء السبيل ، عادوا إلى هذه الكتب السماوية يحتكمون إليها فتردهم إلى الصواب .

{ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم . . . }

وما اختلف في الحق أو في الكتاب المنزل إلا الذين أوتوه من أرباب العلم والدراسة ، بعد ما جاءتهم الحجج الواضحات على وجوب الأخذ به ، وعدم الاختلاف .

فالبغي بغي الحسد وبغي الطمع ، وبغي الحرص وبغي الهوى ، هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج ، والمضي في التفرق واللجاج والعناد .

قال الأستاذ محمد عبده :

لكن قد يشوب الحق شيء من الرغبة في عزة الرئاسة أو ميل مع أربابها أو خوف منهم أو شهوة خفية في منفعة أخرى يلج ذلك بصاحب الرأي حتى يكون شقاق ، ويحدث افتراق ولا ريب أن هذا الشوب وإن كان قد يكون غير ملحوظ لصاحبه بل دخل على نفسه من حيث لا يشعر فهو من البغي على حق الله في عباده أولا ، والبغي على حقوق العباد الذين جاء الكتاب لتعزيز الوفاق بينهم ثانيا ، أما العامة من الناس فلا جريمة لهم في هذا ولذلك جاء بالحصر في قوله : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم . . . } فإذا كان الرؤساء قد جنوا هذه الجناية على أنفسهم وعلى الناس بسبب البغي الخاص بهم ، فهل يقدح هذا في هداية الكتاب إلى ما يتفق الناس عليه من الحق ويرتفع به النزاع فيما بينهم ؟ كلا فقد رأينا كل دين في بدء نشأته يقرب البعيد ويجمع المشتت ويلم الشعث ويمحق أسباب الخلاف من النفوس ويقرر بين الآخذين به أخوة لا تدانيها أخوة النسب في شيء . وهل يؤثر الأخ في النسب أخاه بماله على نفسه وهو في أشد الحاجة إليه كما كان يفعل أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ؟ وهل يبذل الأخ النسبي روحه دون أخيه ويؤثره بالحياة على نفسه كما آثره بالمال ، كما كان يقع من أولئك الأبطال ؟ هذا شان الدين وهو باق على أصله ، معروف بحقيقته لأهله ، تبينه للناس رؤساؤه ويمشي بنوره فيهم علماؤه ، لا خلاف ولا اعتساف ، ولا طرق ولا مشارب ، ولا منازعات في الدين ولا مشاغب( 151 ) .

{ فهدى الله الذين أمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه }

هداهم بما في نفوسهم من صفاء بما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق في أرواحهم من تجرد .

{ والذين آمنوا } هم أهل الإيمان الصادق في كل دين .

وقيل المراد من الدين آمنوا : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، هداهم الله لما اختلف فيه أهل الكتاب من الحق بإذنه تعالى وتيسريه ، فعرفوه .

ومن ذلك هدايتهم إلى تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد ، وأن إبراهيم عليه السلام كان حنيفا مسلما ، وما كل يهوديا ولا نصرانيا ولا مشركا ، وأن مريم سيدة شريفة ، وليست كما وصفها اليهود ، وأن عيسى رسول الله ، خلافا لما زعم اليهود من نفي رسالته ، ولما زعم النصارى من أنه ابن الله ، إلى غير ذلك .

وفي هذا يقول تعالى : { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } .

( النمل : 76 ) .

{ والله يهدي ما يشاء إلى صراط مستقيم }

والله وحده هو الهادي من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه ، ولو أن يكون الناس جميعا مهديين لكانوا ولكن حكمته اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فيجازي كل فريق بما يستحقه .

قال ابن كثير : وفي صحيح مسلم والبخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه مسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ( 152 ) .

وفي الدعاء المأثور : " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما " ( 153 ) .

* * *

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

{ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متفقين على التوحيد مقرين بالعبودية حين أخذ الله تعالى عليهم العهد ، وهو المروي عن أبيّ بن كعب أو بين آدم وإدريس عليهما السلام بناءاً على ما في «روضة الأحباب » أن الناس في زمان آدم كانوا موحدين متمسكين بدينه بحيث يصافحون الملائكة إلا قليل من قابيل ومتابعيه إلى زمن رفع إدريس ، أو بين آدم ونوح عليهما السلام على ما روى البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ أنه كان بينهما عشرة قرون على شريعة من الحق ، أو بعد الطوفان إذ لم يبق بعده سوى ثمانين رجلاً وامرأة ، ثم ماتوا إلا نوحاً وبنيه حام وسام ويافث وأزواجهم وكانوا كلهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام فالاستغراق على الأول والأخير حقيقي ، وعلى الثاني والثالث ادعائي بجعل القليل في حكم العدم ، وقيل : متفقين على الجهالة والكفر بناءاً على ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا كفاراً وذلك بعد رفع إدريس عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث نوح ، أو بعد موت نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث هود عليه الصلاة والسلام .

{ فَبَعَثَ الله النبيين } أي فاختلفوا فبعث الخ وهي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وإنما حذف تعويلاً على ما يذكر عقبه . { مُبَشّرِينَ } من آمن بالثواب . { وَمُنذِرِينَ } من كفر بالعذاب وهم كثيرون ، فقد أخرج أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء ؟ قال : " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قلت : يا رسول الله كم الرسل ؟ قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير " ولا يعارض هذا قوله تعالى { وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ } [ النساء : 164 ] الآية لما سيأتي إن شاء الله تعالى ، والجمعان منصوبان على الحال من ( النبيين ) ، والظاهر أنها حال مقدرة ، والقول بأنها حال مقارنة خلاف الظاهر .

{ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب } اللام للجنس ومعهم حال مقدرة من الكتاب فيتعلق بمحذوف ، وليس منصوباً بأنزل والمعنى أنزل جنس الكتاب مقدراً مقارنته ومصاحبته للنبيين حيث كان كل واحد منهم يأخذ الأحكام إما من كتاب يخصه أو من كتاب من قبله ، والكتب المنزلة مائة وأربعة في المشهور أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث ثلاثون ، وعلى إدريس خمسون ، وعلى موسى قبل التوراة عشر ، والتوراة والإنجيل ، والزبور والفرقان ، وجوز كون اللام للعهد وضمير معهم للنبيين باعتبار البعض أي أنزل مع كل واحد من بعض النبيين كتابه ، ولا يخفى ما فيه من الركة { بالحق } متعلق ب { أَنَزلَ } أو حال من { الكتاب } أي متلبساً شاهداً به { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس } علة للإنزال المذكور أوله وللبعث ، وهذا البعث المعلل هو المتأخر عن الاختلاف فلا يضر تقدم بعثة آدم وشيث ، وإدريس عليهم الصلاة والسلام بناءاً على بعض الوجوه السابقة والحكم بمعنى الفصل بقرينة تعلق بين به ولو كان بمعنى القضاء لتعدى بعلى ، والضمير المستتر راجع إلى الله سبحانه ويؤيده قراءة الجحدري فيما رواه عنه مكي ( لنحكم ) بنون العظمة أو إلى النبي وأفرد الفعل لأن الحاكم كل واحد من النبيين ، وجوز رجوعه إلى الكتاب والإسناد حينئذ مجازي باعتبار تضمنه ما به الفصل ، وزعم بعضهم أنه الأظهر إذ لا بد في عوده إلى الله تعالى من تكلف في المعنى أي يظهر حكمه وإلى النبي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل ليحكموا ، ومما ذكرنا يعلم ما فيه من الضعف ، والمراد من الناس المذكورون والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التعيين .

{ فِيمَا اختلفوا فِيهِ } أي في الحق الذي اختلفوا فيه بناءاً على أن وحدة الأمة بالاتفاق على الحق وإذا فسرت الوحدة بالاتفاق على الجهالة والكفر يكون الاختلاف مجازاً عن الالتباس والاشتباه اللازم له والمعنى فيما التبس عليهم { وَمَا اختلف فِيهِ } أي في الحق بأن أنكروه وعاندوه أو في الكتاب المنزل متلبساً به بأن حرفوه وأولوه بتأويلات زائغة والواو حالية . { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف وإزاحة الشقاق أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل مزيحاً للاختلاف سبباً لرسوخه واستحكامه ، وبهذا يندفع السؤال بأنه/ لما لم يكن الاختلاف إلا من الذين أوتوه فالاختلاف لا يكون سابقاً على البعثة وحاصله أن المراد ههنا استحكام الاختلاف واشتداده ، وعبر عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن الإنزال لا يفيد ذلك ، وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين ، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم

{ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي رسخت في عقولهم الحجج الظاهرة الدالة على الحق ، و{ مِنْ } متعلقة ب { اختلفوا } محذوفاً ، والحصر على تسليم أن يكون مقصوداً مستفاد من المقام أو من حذف الفعل ، ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء لفظاً ، أو من تقدير المحذوف مؤخراً وفي «الدرّ المصون » تجويز تعلقه بما اختلف قبله ولا يمنع منه إلا كما قاله أبو البقاء ، وللنحاة في هذا المقام كلام محصله أنّ استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقاً عند الأكثرين ، لا على وجه البدل ولا غيره ويجوز عند جماعة مطلقاً وفصل بعضهم إن كان المستثنى منه مذكوراً مع كل من المستثنيين وهما بدلان جاز وإلا فلا واستدل من أجاز مطلقاً بقوله تعالى :

{ وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرأي } [ هود : 7 2 ] فإنه لم يذكر فيه المستثنى أصلاً ، والتقدير : ما نراك اتبعك أحد في حال إلا أراذلنا في بادي الرأي وأجاب من لم يجوّز بأن النصب بفعل مقدر أي : اتبعوا وبأنّ الظرف يكفيه رائحة الفعل فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره قاله الرضيّ وهو مبنى الاختلاف في الآية/

وقوله تعالى : { بَغْياً بَيْنَهُمْ } متعلق بما تعلق به { مِنْ } والبغي الظلم أو الحسد ، و{ بَيْنَهُمْ } متعلق بمحذوف صفة { بَغِيّاً } وفيه إشارة على ما أرى إلى أنّ هذا البغي قد باض وفرخ عندهم ، فهو يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، وفيه إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه وهو فائدة التوصيف بالظرف وقيل : أشار بذلك إلى أنّ البغي أمر مشترك بينهم وأنّ كلهم سفل ، ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ } أي بأمره أو بتوفيقه وتيسيره ، و{ مِنْ } بيان { لَّمّاً } والمراد للحق الذي اختلف الناس فيه فالضمير عام شامل للمختلفين السابقين واللاحقين وليس راجعاً إلى «الذين أوتوه » كالضمائر السابقة ، والقرينة على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف أهل الكتاب واللاحقين بعد اختلافهم ، وقيل : المراد من { الذين كَفَرُواْ } أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والضمير في { اختلفوا } للذين أوتوه أي الكتاب ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : اختلفوا في يوم الجمعة ، فأخذ اليهود يوم السبت ، والنصارى يوم الأحد فهدى الله تعالى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة . واختلفوا في القبلة ، فاستقبلت النصارى المشرق ، واليهود بيت المقدس وهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة . واختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يركع ولا يسجد ، ومنهم من يسجد ولا يركع ، ومنهم من يصلي وهو يتكلم ، ومنهم من يصلي وهو يمشي ، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في الصيام ، فمنهم من يصوم النهار والليل ، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام ، فهدى الله أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت اليهود : كان يهودياً ، وقالت النصارى : كان نصرانياً ، وجعله الله تعالى حنيفاً مسلماً فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك . واختلفوا في عيسى عليه الصلاة/ والسلام ، فكذبت به اليهود وقالوا لأمّه : بهتاناً عظيماً ، وجعلته النصارى إلهاً وولداً ، وجعله الله تعالى روحه وكلمته ، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك وقراءة أبيّ بن كعب { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ * لّيَكُونُواْ * شُهَدَاء عَلَى الناس } . { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى * صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، والجملة مقررّة لمضمون ما قبلها .

( ومن باب الإشارة ) : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } على الفطرة ودين الحق في عالم الإجمال ثم اختلفوا في النشأة بحسب اختلاف طبائعهم وغلبة صفات نفوسهم واحتجاب كل بمادة بدنه { فَبَعَثَ الله النبيين } [ البقرة : 3 21 ] ليدعوهم من الخلاف إلى الوفاق ومن الكثرة إلى الوحدة ومن العداوة إلى المحبة فتفرقوا وتحزبوا عليهم وتميزوا ، فالسفليون ازدادوا خلافاً وعناداً ، والعلويون هداهم الله تعالى إلى الحق وسلكوا الصراط المستقيم