تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (106)

105

106- { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .

المراد ببياض الوجوه بهجتها وسرورها وبسواد الوجوه حزنها وكآبتها .

وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( القيامة 22-25 ) .

وقوله سبحانه { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ( الزمر 60 ) .

وقوله عز شأنه : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ( عبس 38-42 ) .

قال الزمخشري في تفسير : ( البياض من النور والسواد من الظلمة : فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه ومن كان من أهل الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله ) 41 .

وذهب بعض العلماء إلى ان السواد والبياض محمولان على حقيقتها وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك .

جاء في تفسير النيسابوري :

وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان :

أحدهما : إليه ميل أبي مسلم ان البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( النحل 58 ) .

ولما سلم الحسن بن علي الامر إلى معاوية قال له رجل : يا أبا مسود وجوه المؤمنين .

ولبعض الشعراء في الشيب قوله :

يا بياض القرون سودت وجهي

عند بيض الوجوه سود القرون

وثانيهما أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة ، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه ، ومن كان من اهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطت به الظلمة من كل جانب .

قالوا والحكمة في ذلك ان يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرونهم بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور .

وقد اختار الفخر الرازي ان التعبير القرآني في الآية محمول على المجاز لا على الحقيقة فقال : وهذا مجاز مشهور ، قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( النحل 58 ) .

ويقال لفلان عندي يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل ويقال لمن وصل إليه مكروه : أريد وجهه وأغبر لونه ، وتبدلت صورته ، وعلى هذا فمعنى الآية : أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه أسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه42 .

ومن الطرائف ما روى أن شخصين أحدهما أبيض والآخر أسود تقابلا فقال الأسود :

ألم تر ان سواد العين لا شك نورها

وان بياض العين لا شيء فاعلم

وان سواد المسك لا شيء مثله

وان بياض اللفت حمل بدرهم

فقال الأبيض :

ألم تر أن بياض البدر لا شيء مثله

وان سواد الفحم حمل بدرهم

وان رجال الله بيض وجوههم

وان سود الوجوه مأواهم جهنم

وهي مغالطة من الأبيض لأن سواد أهل النار ليس سواد الخلقة ولكنه سواد الظلمة والمعصية .

وفي الأثر ( كم من وجه صبيح ولسان فصيح وجسم مليح غذا بين أحشاء النار يصيح ) .

وكان زعيم المنافقين حسن الهيئة جميل الصوت يجيد تزويق الكلام فقال فيه القرآن : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون . ( المنافقون : 4 ) .

وقد ورد في هدى النبوة " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالهم " .

زمما تقدم يتضح أن الراجح في سواد الوجوه وبياضها ، هو أنهما محمولان على المجاز لا على الحقيقة ، وان بياض الوجه لا يقرب صاحبه إلى الله وان سواد الوجه لا يبعد صاحبه عن الله وإنما يقرب الإنسان من الله العمل الصالح ويبعده عن الله العمل الصالح .

{ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .

أي أما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل التوبيخ أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم .

والاستفهام في قوله تعالى : أكفرتم للتوبيخ والتعجب من حالهم قال الألوسي : والظاهر من السياق أن هؤلاء هم اهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم هو كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه وقيل هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف 172 ) ويحتمل ان يراد بالإيمان الإيمان بالقوة والفطرة وكفر جميع الكفار بعد هذا الإيمان لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم43 .

و قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (106)

{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } نصب بما في { لَهُمْ } من معنى الاستقرار أو منصوب باذكر مقدراً ، وقيل : العامل فيه عذاب وضعف بأن المصدر الموصوف لا يعمل ، وقيل : عظيم ، وأورد عليه أنه يلزم تقييد عظمته بهذا ولا معنى له ، ورد بأنه إذا عظم فيه ، وفيه كل عظيم ففي غيره أولى إلا أن يقال : إن التقييد ليس بمراد ، والمراد بالبياض معناه الحقيقي أو لازمه من السرور والفرح وكذا يقال في السواد ، والجمهور على الأول قالوا : يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفاً لهم وإظهاراً لآثار أعمالهم في ذلك الجمع ، ويوسم أهل الباطل بضد ذلك ، والظاهر أن الإبيضاض والإسوداد يكون لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه وهو أشرف أعضائه . واختلف في وقت ذلك فقيل : وقت البعث من القبور ، وقيل : وقت قراءة الصحف ، وقيل : وقت رجحان الحسنات والسيئات في الميزان ، وقيل : عند قوله تعالى شأنه : { وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } [ يس : 59 ] ، وقيل : وقت أن يؤمر كل فريق بأن يتبع معبوده ، ولا يبعد أن يقال : إن في كل موقف من هذه المواقف يحصل شيء من ذلك إلى أن يصل إلى حدّ ، الله تعالى أعلم به ؛ إذ البياض والسواد من المشكك دون المتواطىء كما لا يخفى ، وقرأ تبيض وتسود بكسر حرف المضارعة وهي لغة وتبياض وتسواد .

{ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ } تفصيل لأحوال الفريقين وابتدأ بحال الذين اسودت وجوههم لمجاورته { وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } وليكون الابتداء والاختتام بما يسر الطبع ويشرح الصدر { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } على إرادة القول المقرون بالفاء أي فيقال لهم ذلك ، وحذف القول واستتباع الفاء له في الحذف أكثر من أن يحصى ، وإنما الممنوع حذفها وحدها في جواب أما ، والاستفهام للتوبيخ والتعجيب من حالهم ، والكلام حكاية لما يقال لهم فلا التفات فيه خلافاً للسمين ، والظاهر من السياق والسباق ، أن هؤلاء أهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه وإليه ذهب عكرمة واختاره الزجاج والجبائي . وقيل : هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم { أَلَسْت بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] وروي ذلك عن أبيّ بن كعب ، ويحتمل أن يراد بالإيمان ، الإيمان بالقوة والفطرة وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الإيمان لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن الحسن أنهم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم فالإيمان على هذا مجازي ، وقيل : إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة ، وروي ذلك عن عليّ كرم الله تعالى وجهه وأبي أمامة وابن عباس وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه .

{ فَذُوقُواْ العذاب } أي المعهود الموصوف بالعظم ، والأمر للإهانة لتقرر المأمور به وتحققه ، وقيل : يحتمل أن يكون أمر تسخير بأن يذوق العذاب كل شعرة من أعضائهم نعوذ بالله تعالى من غضبه ، والفاء للإيذان بأن الأمر بذوق العذاب مترتب على كفرهم المذكور كما يصرح به قوله سبحانه : { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فالباء للسببية ، وقيل : للمقابلة من غير نظر إلى التسبب وليست بمعنى اللام ولعله سبحانه أراد { بَعْدَ إيمانكم } والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار كفرهم أو على مضيه في الدنيا .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } قالوا : ابيضاض الوجه عبارة عن تنور وجه القلب بنور الحق المتوجه إليه والإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة ولا يكون ذلك إلا بالتوحيد واسوداده ظلمة وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة لحظوظها والإعراض عن الجهة العلوية النورانية { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ } فيقال لهم { أَكْفَرْتُمْ } أي احتجبتم عن الحق بصفات النفس { بَعْدَ إيمانكم } أي تنوركم بنور الاستعداد وصفاء الفطرة وهداية العقل { فَذُوقُواْ العذاب } وهو عذاب الاحتجاب عن الحق { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } [ آل عمران : 106 ] به .