تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} (27)

المفردات :

بالقول الثابت : بكلمة التوحيد .

التفسير :

{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . . . }الآية .

هذا من فضل الله ونعمائه على المؤمنين ، الذين استقر الإيمان في قلوبهم ، فهؤلاء يمدهم الله بعونه وتثبيته ؛ فلا تغريهم الفتنة ، ولا المال ولا المنصب ولا الجاه ، ولا يؤثرون الدنيا على الآخرة .

انظر إلى بلال وصهيب وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانظر إلى الدعاة والهداة والأئمة في التاريخ القديم والحديث ، هؤلاء جميعا ثبتهم الله على الدين والإيمان ، والتوحيد في الحياة الدنيا .

{ وفي الآخرة } . عند خروج الروح ، وعند سؤال القبر ، وعند البعث والحشر والحساب ، والميزان والصراط ، في هذه المواقف يثبتهم الله على الإيمان ، وعلى شهادة : ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في الحديث الصحيح . 18 .

ومن هذا التثبيت : أن روحه تخرج على التوحيد ، وأنه يسأل في قبره فيقول : الله ربي ، والإسلام ديني ، ومحمد رسولي ، ثم يفتح له في قبره باب إلى الجنة .

{ ويضل الله الظالمين } ؛ لأنهم اختاروا الضلال على الهدى ، ومالوا مع شهوات النفس ، وآثروا العاجلة على الآجلة ، قال تعالى : { فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى } . ( النازعات : 37 39 ) .

{ ويفعل الله ما يشاء } . من تثبيت المؤمنين ؛ جزاء ثباتهم على إيمانهم ، ومن إضلال الكافرين ؛ جزاء ضلالهم وكفرهم ، فلا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ، وله الحكم في الأولى والآخرة ، لا معقب لأمره ، ولا رادّ لقضائه ، ومن مشيئته : تثبيت المؤمنين ومثوبتهم ، وخذلان أهل الكفار وعقابهم . { ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .

قال تعالى : { ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } . ( الشمس : 710 ) .

من هدي السنة

روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم إذا سئل في القبر ؛ يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } )19 .

وأخرج الشيخان20 وغيرهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا ، ويفتح له من قبره إليه ، وأما الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري كنت أقول كما يقول الناس ! فيقال : لا دريت ولا تليت ! ثم يضرب بمطرقة من حديد ، ضربة بين أذنيه ؛ فيصيح صيحة فيسمعها من يليه إلا الثقلين )21 .

من زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني :

{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } . وهي : الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها : كلمة الشهادة " شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله " ، وسائر الكلام الحق ، فإن الآخذين بها يدومون على القول الثابت .

{ في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . وقت المساءلة في القبر ويوم القيامة ، والمراد : أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم ، أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ، ولا تردد ولا جهل ، كما يقول من لم يوفق : لا أدري ؛ فيقال له : لا دريت ولا تليت .

{ ويضل الله الظالمين } . أي : يضلهم عن حجتهم فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب22 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} (27)

قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } ( يثبت ) ، بالتشديد يعني التمكين عند الشدة{[2394]} .

والمعنى : أن المؤمنين العاملين المخلصين يثبت الله قلوبهم بتمكينها عند الأهوال وفي ساعات الشدة سواء في الدنيا أو الآخرة .

والإنسان من جهته ، لا مناص له من مواجهة الأهوال والبلايا في كلتا الدارين ؛ فالذين كفروا من الضالين والمضلين الذين زاغوا عن ملة الحق وتنكبوا عن منهج الله ؛ لا جرم أنهم الأخسرون في هذه الدنيا ، حيث الفتن والمفاسد والأسقام النفسية والشخصية والاجتماعية وغير ذلك من الأمراض التي تسري في الجاحدين الشاردين عن سبيل الله . وفي الآخرة هم الأذلون التعساء الذين يواجهون الخزي والويل والنار . أما عباد الله الطائعون الثابتون على الحق الماضون على دين الله ومنهجه ، لا جرم أنهم الثابتون الذين يمكنهم الله في الدارين تمكينا ، فلا تثنيهم الشدائد والفتن عن الاستمساك بالحق ، ولا يزيغون عن منهج الله مهما كانت الظروف ، أو عصفت بهم رياح الظالمين والمتآمرين والخائنين الذين يتمالأون على الإسلام والمسلمين في كل حين .

قوله : ( بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قيل : القول الثابت في الحياة الدنيا يراد به شهادة أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله . وقيل : ما كان راسخا في قلوب المؤمنين وعقولهم من صدق العقيدة والإيمان بالله ورسوله ، ومن المعاني والقناعات التي كانت تغذو أذهانهم وقلوبهم في الحياة الدنيا . وذلك هو القول الثابت الذي يثبت الله به عباده المؤمنين المخلصين في الدنيا .

قوله : ( وفي الآخرة ) أي عذاب القبر ، وذلك حين يسألون عما كانوا عليه من التوحيد والإيمان بالله وبرسوله ( ص ) فالمؤمنون المخلصون يثبتهم الله ؛ إذ يمكنهم تمكينا فيجيبون الملائكة ثابتين مطمئنين . لكن المجرمون الجاحدون ؛ يسقطون في ظلمة التخسير والهوان واليأس وحينئذ تقرع المجرمين في قبورهم غاشية فظيعة من الرعب والوجل ، فيستحوذ عليهم التلعثم والدهش ، ويتملكهم الاضطراب والانغلاق والزعزعة ، فلا يستطيعون الإجابة أو الحديث إلا في تأتأة وتلعثم وعسر بالغ . نجانا الله من كل هاتيك الكروب والأهوال وكتب لنا في الدارين السلامة والأمن والنجاة .

قوله : ( ويضل الله الظالمين ) أي هؤلاء الجاحدون الخاسرون لا يوفقهم الله في حياتهم الدنيا ، ولا يثبتهم على القول الثابت في مواطن الفتن والشدائد ، لاختيارهم الكفر والباطل . وكذلك يضلهم عن حجتهم في قبورهم كما ضلوا في الدنيا بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق ، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري . فيقول : لا دريت ولا تليت ، وعند ذلك يضرب بالمقامع{[2395]} وقد ثبت مثل ذلك في الأخبار .

قوله : ( ويفعل الله ما يشاء ) وذلك في تثبيت الذين آمنوا وإضلال الظالمين الذين خسروا أنفسهم . فلا اعتراض على الله في ذلك ولا تعقيب{[2396]} .


[2394]:- المعجم الوسيط جـ 1 ص 93.
[2395]:- امقامع: جمع مقمعة. وهي خشبة أو حديدة معوجة كالمحجن يضرب بها رأس الفيل ونحوه ليذل ويهان انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 760 ومختار الصحاح ص 551.
[2396]:- تفسير الرازي جـ 19 ص 124 وتفسير النسفي جـ 2 ص 262 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 363.