تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

المفردات :

برزوا : خرجوا من قبورهم .

{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . . . } .

تصف الآيات كما ترى مشهدا من مشاهد القيامة ؛ حيث تبدل الأرض غير الأرض ، فيحشر الناس على أرض تغيرت صفاتها ، فسيرت جبالها ، وفجرت بحارها ، ولا يرى فيها عوجا ولا ارتفاعا ولا انخفاضا ، بل هي أرض منبسطة ممتدة ، مستوية معتدلة ؛ كأنما خلقت خلقا جديدا من أجل المحشر .

قال تعالى : { وإذا الأرض مدّت* وألقت ما فيها وتخلت* وأذنت لربها وحقّت } ( الانشقاق : 35 ) .

( واعلم أن التبديل قد يكون في الذات ، وقد يكون في الصفات ، والآية ليست نصا في أحد الوجهين ، والله أعلم كيف يتم هذا التبديل )35 .

والسماوات ستتبدل ، وتنشق السماء على غلظها ، وتتعلق الملائكة بأرجائها ، والشمس تفقد جانبا من توهجها ، وتصبح من النجوم القزمة ، وكذلك النجوم تنكدر ويذهب ضوؤها ، وتتغير السماوات والأفلاك والأبراج والنجوم ، بمخلوقات أخرى مناسبة للحياة الآخرة .

وفي آيات كثيرة وردت في القرآن تفيد : أن هذا الكون كانت له بداية ، حيث خلقه الله من عدم ، وبعد ملايين السنين صار صالحا للحياة ، وتكونت الشمس والأقمار والنجوم والمجرات ، ووجد هذا الكون البديع المتكامل ، الصالح للحياة ، بحيث تمطر السماء ، وتنبت الأرض ، ويسخر السحاب والفضاء ، والشمس والقمر ، والهواء والرياح والبحار والأنهار ، لإعمار الكون والحياة .

قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا* الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا }( الفرقان : 25 ) .

وفي سورة التكوير يقول سبحانه : { إذا الشمس كورت* وإذا النجوم انكدرت* وإذا الجبال سيرت } ( الآيات : 1 3 ) .

وفي سورة الانفطار يقول سبحانه : { إذا السماء انفطرت* وإذا الكواكب انتثرت* وإذا البحار فجّرت* وإذا القبور بعثرت* علمت نفس ما قدّمت وأخرّت } ( الانفطار : 15 ) .

أي : أن هذا الكون سيتغير ويتبدل بقدرة الله ، كما أنه أوجد بقدرة الله ، وصار صالحا للحياة بمشيئته وأمره ، فانشقت السماء بالمطر ، وانشقت الأرض بالنبات ، وتكاملت دورة إعمار الكون بالجبال ، والبحار ، والأنهار ، والليل ، والنهار ، قال تعالى : { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما36 وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون* وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون* وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتنا معرضون* وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون }( الأنبياء : 30 33 ) .

{ وبرزوا لله الواحد القهار } .

أي : خرجت الناس جميعا من قبورها ، وبرزت وظهرت بأعمالها ؛ للوقوف بين يدي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، مالك يوم الدين ، الذي قهر كل شيء وغلبه ، ودانت له الرقاب ، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ، ولا مستجار سواه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) ( يوم ) ، منصوب على الظرف بالمصدر قبله وهو قوله : ( ذو انتقام ) أو منصوب على البدل من قوله : ( يوم يأتيهم العذاب ) {[2423]} وقيل : منصوب بفعل مقدر . أي واذكر يوم تبدل الأرض .

والمراد بالتبديل الذي يأتي على الأرض والسماوات يحتمل وجهين :

الوجه الأول : أن يكون ذلك في الذات ؛ أي تبدل الأرض التي عليها الناس في هذه الدنيا ، فتصير أرضا بيضاء نقية كالفضة ، وكذلك السماوات الحالية المعروفة تبدل سموات أخرى مختلفة اختلافا ذاتيا .

الوجه الثاني : المراد بالتبديل ما كان في الصفة وليس في الذات . قال ابن عباس في هذا المعنى : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى ، فلا يُرى فيه عوج ولا أمت{[2424]} .

قوله : ( والسماوات ) أي تبدل السموات غير السموات . وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقتل مؤمن كافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر . أما تبديل السماوات ، فهو بانفطارها وانتثار كواكبها وانكدار نجومها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وتسجير بحارها . فلا جرم أن ذلك انقلاب كوني هائل مزلزل ، انقلاب يأتي على الكون كله وما حواه من خلائق وأشياء سواء في ذلك الأحياء على اختلاف أنواعها وأجناسها ، أو الكواكب والنجوم ومختلف الأجرام السابحة في أجواز الفضاء الرحيب ، أو ما حوته الأرض من بحار وأنهار ومعادن وبشر . كل أولئك سيأتي عليهم التبديل الكوني المذهل الذي تتغير فيه الصورة والصفات للأشياء جميعا ليصير الوجود إلى عوالم أخرى مختلفة وقد تبدل فيها الحال غير الحال ؛ بل تبدل فيها كل شيء تبديلا .

تلك هي القيامة بفظائعها وقواصمها ودواهيها الجسام . وحينئذ يؤتى بالبشرية جميعها لتناقش الحساب . وهو قوله : ( وبرزوا لله الواحد القهار ) أي في ذلك الزمان العصيب من أهوال القيامة حيث القوارع والشدائد والبلايا يظهر بنو آدم فردا فردا بين يدي الله ( الواحد القهار ) أي الغلاب الذي لا يغالب ، القهار الذي لا يقهر ؛ بل إنه هو الذي يقهر الخلق بما شاء وكيف شاء .

وإنهم يظهرون جميعا أمام الله مكشوفين صاغرين عرايا وقد غشيهم من اليأس والرعب ما تخوى منه القلوب ، وتنهار به الأبدان والأعصاب{[2425]} ، يظهرون جميعا ليناقشوا الحساب فلا استتار حينئذ ولا مناص ولا غياب ، إلا الوقوف بين يدي القاهر الدّيّان .


[2423]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 62 وتفسير الرازي جـ 19 ص 149.
[2424]:- الأمت: الانخفاض والارتفاع. انظر مختار الصحاح ص 24.
[2425]:- تفسير الطبري جـ 13 ص 164- 167 وتفسير الرازي جـ 19 ص 149 وتفسير النسفي جـ 2 ص 266 والبيان للأنباري جـ 2 ص 62.