تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (229)

الطلاق والخلع

221

{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون( 229 ) }

المفردات :

الطلاق : اسم بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، والمراد به حل العقدة بين الزوجين بألفاظ مخصوصة .

مرتان : أي دفعتان .

فإمساك بمعروف : المراد به رجعة الزوجة بعد طلاقها مع أداء حقوقها وحسن عشرتها .

أو تسريح بإحسان : إخلاء سبيل الزوجة مع أداء حقوقها المالية وحفظ أسرارها وعدم الإساءة إليها .

الجناح : الإثم .

الاعتداء : تجاوز الحد في قول أو فعل .

الظلم : وضع شيء في غير موضعه .

تمهيد في سبب النزول :

" ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد ، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة ، وكان هذا في أول الإسلام برهة ، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق ، فإذا كادت تحل من طلاقها راجعها ما شاء . فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين ، قالت وكيف ؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك ، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدة الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تحديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه( 248 ) " .

المعنى العام للآية :

الطلاق مرتان يكون للزوج بعد كل واحدة منهما الحق في أن يمسك زوجته برجعتها في العدة أو إعادتها إلى عصمته بعقد جديد ، وفي هذا الحال يجب أن يكون قصد الإمساك بالعدل والمعاملة الحسنة ، أو أن ينهي الحياة الزوجية مع المعاملة الحسنة وإكرامها من غير مفاجأة ، ولا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما أعطيتموهن شيئا إلا عند عدم إقامة حقوق الزوجية التي بينها الله سبحانه وتعالى وألزم بها ، فإن خفتم يا معشر المسلمين ألا تؤدي الزوجات حقوق الزوجية سليمة كما بينها الله تعالى فقد شرع الله للزوجة أن تقدم مالا في مقابل افتراقها من زوجها ، وهذه هي أحكم الله المقررة فلا تخالفوها .

التفسير :

{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . . . }

أي الطلاق المشروع مرتان أي مرة ثم مرة ، فللرجل أن يطلق زوجته ، ثم يراجعها أثناء العدة إذا شاء دون توقف على رضاها ، ثم له أن يطلقها مرة ثانية أثناء العدة إذا شاء دون توقف على رضاها كذلك ، وكل طلقة من هاتين الطلقتين تسمى طلقة رجعية .

أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون مراجعة لها فإن الطلاق يصبح بائنا ، فلا يعود إليه ،

أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون مراجعة لها فإن الطلاق يصبح بائنا ، فلا يعود إليه ، إلا بعقد ومهر جديدين ، وبرضا الزوجة أو وليها فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين فإنها تصبح حراما عليه ، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما تشير الآية التالية .

ومعنى إمساكها بالمعروف بعد الطلقة الثانية أن يراجعها مع حسن العشرة والمودة والرحمة ، فلذلك هو المعروف عند أرباب المروءات وفي لسان الشرع ونظر العقل .

" ومعنى تسريحها بإحسان بعد الطلقة الثانية أن يتركها دون مراجعة أو أن يطلقها الثالثة وأن يؤدي لها حقوقها من نفقة العدة وأجرة الرضا والحضانة لولده وجبر خاطر وحسن المقالة " ( 249 ) .

الحكمة في جعل الطلاق الرجعي مرتين :

الحياة الزوجية شركة تقوم على التعاون . من الله بها على عباده وحث الإسلام على حسن العشرة والمكارمة بين الزوجين .

وقد تسوء الحياة ولا يتفق الزوجان ولا يتقابلان فأباح الإسلام أن يطلق الرجل زوجته طلقة رجعية . وفي خلال العدة ربما ظهرت محبة الرجل للمرأة بعد فراقها ، أو استبانت له الحاجة ربما ظهرت محبة الرجل للمرأة بعد فراقها ، أو استبانت له الحاجة إليها وعظمت المشقة عليه في تركها والبعد عنها وقد تكون المرأة سادرة في كبريائها وخيلائها ، ولا تؤدي ما ينبغي للرجل من الحقوق والواجبات فإذا هي طلقت تذكرت مضار خطئها وأحسنت بما كان فيه من عيوب في المعاملات الزوجية والشؤون المنزلية وتمنت أن لو كانت لها عودة تمكنها من إصلاح ما سلف منها . فإذا أبيح لها العودة إلى الحياة الزوجية كان في هذا فرصة استدراك ما فات والعمل على الطريق السوي فيما هو آت .

وقد يحدث أن يعود الرجل سيرته الأولى أو يحدث من الزوجة ما يدعو إلى الفراق ثانية فيطلقها حين حدة الغضب مرة أخرى ثم يندم ، فأبيح له العودة مرة أخرى .

فإذا عاد إلى الطلاق مرة ثانية استبان أن رباط الزوجية قد وهن ، وأن النفور بينهما قد استحكم فيجدر أن يكون الفراق لا رجعة فيه مع أداء الزوج لحقوق الزوجة والإحسان إليها عند الفراق وعدم الإساءة إليها .

وفي هذا التشريع بذلك الترتيب غاية الرأفة والرحمة من الله بعباده حفاظا على رباط الأسرة وسعادة المجتمع .

وقد اختلف الأئمة فيمن يوقع الطلاق ثلاثا مرة واحدة .

فذهب بعضهم إلى أنه يقع طلقة واحدة .

ومذهب الأئمة الأربعة : أنه يقع ثلاث طلقات .

وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية في بعض البلاد العربية بالرأي الأول إتباعا لرأي بعض كبار الصحابة وكبار التابعيين .

وقد ساق القرطبي في تفسيره أدلة الفريقين بإسهاب . ورجح مذهب الأئمة الأربعة .

كما وردت أدلة الفريقين في أحكام القرآن للجصاص ، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ، ونيل الأوطار للشوكاني ، وأحكام القرآن لابن عربي وغيرها .

وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس قال : كان الطلاق في عهد الرسول صلى الله عيه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاثة واحدة فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان فيه أناة فلو أمضيناه عليهم( 250 ) .

{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن خافا ألا يقيما حدود الله }

ولا يحل للزوج أن يأخذ شيئا من صداق الزوجة ، الذي أوجبه الله ، لكي يبقيها في عصمته ، أو لكي يطلقها ، لأن ذلك مناف للمعروف والإحسان الذي أمر الله به والذي هو لائق بصلات المؤمنين بعضهم مع بعض فضلا عن الزوجين .

ومثل الصداق في الحكم سائر أموالهن ، وتخصيص الصداق بالذكر لرعاية العادة أو للتنبيه على أن تحريم الأخذ من غيره أولى .

قال ابن كثير وقوله : { ولا يحل أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن إلا من صدقة أو ببعضه .

كما قال تعالى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . ( النساء : 19 ) .

فأما إن وهبته المرأة شيئا من طيب نفس منها فقال تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . ( النساء : 4 ) .

وأما إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته ، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليها في بذلها له ، ولا علية في قبولها ذلك منها ولهذا قال تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . . . } الآية .

وأما إذا لم يكن عذر وسألت الافتداء منه ، فقد روى الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير( 251 ) .

وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " . ( 252 )

الخلع :

الخلع هو أن تفتدي المرأة نفسها من زوجها بمال .

" وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه : هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاه ؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } . وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وغيرهم( 253 ) وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبى ثور واختاره ابن جرير .

" وقال أصحاب أبى حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها ولا تجوز الزيادة عليه ، فإن ازداد جاز في القضاء . وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا فإن أخذ جاز في القضاء " . ( 254 )

وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق : أن يأخذ أكثر مما أعطاها . وقد قول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري وغيرهم( 255 ) .

حديث البخاري :

روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكن لا أطيقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتريدين عليه حديقته ؟ قالت نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقبل الحديقة وطلقها تطليقا( 256 ) .

واستدلت طائفة من الفقهاء بحديث امرأة ثابت المذكور على أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر فإنها تقول : إنها لا تعتب عليه في خلق ولا دين ولمنها لا تطيقه . وقالوا إن الآية لم تذكر الخوف من عدم إقامة حدود الله على جهة الشرط ، بل لأنه الغالب( 257 ) .

وذكر ابن جرير أن ابن عباس قال : إن أول خلع كان في الإسلام أخت( 258 ) عبد الله بن أبى : أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيئا أبدا ، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . قال زوجها : يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي –حديقة-فلترد علي حديقتي ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تقولين ) ؟ قالت : نعم وإن شاء الله زدته . قال : ففرق بينهما " ( 259 ) . وقيل هذه الآية نزلت في شأنهما .

قال القرطبي : " وهذا لحديث أصل في الخلع وعليه جمهور الفقهاء . قال مال : لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها ولم تؤت من قبله وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأته ثابت ابن قيس ، وإن كان النشوز من قبله بأي يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها( 260 ) .

{ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . . . }

لقد طلب الله أن يكون تسريح المرأة بإحسان ونهي أن يأخذوا شيئا مما آتهن من المهر أو غيره ثم بين أنه لا يحل الأخذ إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله فإذا حصل الخوف جاز للمرأة أن تفتدي من زوجها بالخلع ، وجاز للرجل أ يأخذ هذا الفداء لا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في إعطائه إياه .

" واختلف العلماء في الخلع : هل هو طلاق : فيعد طلقة ؟ أم هو فسخ فلا يعد طلقة .

فقال مالك والشافعي في أحد قوليه ، وأبو حنيفة والثوري وغيرهم هو طلاق بائن فيعد طلقة .

وقالت طائفة : هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويه ، وبه قال ابن عباس وأحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق ولهم في ذلك أدلتهم .

ويترتب على هذا الخلاف : أن من طلق زوجته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك عند ابن عباس ومن يرى رأيه لأنه لم يقع منه سوى تطليقتين والخلع لغو ومن جعله طلاقا لم يجز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره ، على القول بأنه طلقة بائنة ، يجوز للزوج أن يعود بعده لزوجته إذا لم يبقه طلقتان : بأن لم يسبقه طلاق أصلا ، أو سبقه طلقة واحدة . ولكنه لا يعود إلا بعقد ومهر جديدين .

قال القرطبي : والصحيح أن الخلع طلاق لا فسخ .

قال القاضي إسماعيل ابن إسحاق : كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته : طلقني على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت فسها كان طلاقا-261 ) .

{ تلك حدود الله فلا تعتدوها . . . }

ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع حدود الله فلا تتجاوزوا ما أحله لكم إلى ما حرمه عليكم ، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه .

{ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون }

ومن يترك أحكام الله التي شرعها وبينها لعباده ، فإنه ظالم لنفسه وغيره متبع لهواه .

والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وفعل ما لا ينبغي فعله . والظلم مخرب للعمران مبيد للأمم ولاسيما ظلم الأزواج للأزواج إذ الرابطة بينهما أمتن الروابط وأحكمها ، فأي رجاء في الأمة إذا انحلت فيها عري تلك الرابطة ؟ وهي أشد وأمتن تلك الروابط ؟ .

***

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (229)

قوله تعالى : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما اقتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) .

كان الطلاق في الجاهلية وفي ابتداء الإسلام غير محصور في عدد الطلقات ، بل كان الرجل يطلّق ما شاء ولو مائة مرة ثم يراجع زوجته في العدة لتظل بذلك كالمعلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة ، وهو لا يبغي من ذلك إلا إغاظتها والإضرار بها . إلى أن نزلت هذه الآية فقيدت الطلاق بثلاث مرا ، الثنتين الأوليين منها يحق للرجل مراجعة زوجته فيهما قبل انتهاء العدة في كل مرة . فإذا وقعت الثالثة باتت المرأة مبتوتة لا يحق له مراجعتها إلا بعد نكاح جديد من زوج جديد . وقد روي عن السيدة عائشة – رضي الله عنها- قالت : لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة . وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال : والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج ، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ، ففعل ذلك مرارا ، فأنزل الله تعالى فيه ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فجعل الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره{[313]} .

قوله : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) إمساك مبتدأ وخبره محذوف تقديره أفضل أو أحسن وتقديره : فإمساك بمعروف أفضل{[314]} والإمساك في اللغة معناه التعلق والاعتصام ، أو حبس النفس ومنعها من فعل الشيء . وهو في الاصطلاح الشرعي خلاف الطلاق . والتسريح معناه الإرسال ويراد به في الآية الطلاق .

ومعنى الآية أن الرجل إذا طلق زوجته مرة أو اثنتين فهو عندئذ مخيّر في إرجاعها إليه على أن ينوي الإحسان في معاملتها وعدم الإضرار بها وذلك أثناء اعتداد الزوجة من الطلقة ، أو أن يتركها إلى أن تنتهي عدّتها فتكون بائنة ، وذلك تسريح لها على أن يكون ذلك بإحسان من غير أن يوقع عليها حيفا أو إضرارا كأن ينتقصها حقا من حقوقها . وبذلك يكون الرجل قد خسر طلقتين اثنتين ، وبقيت له واحدة ثالثة وهي الآخرة . أو هي بمثابة صمام الأمان للحياة الزوجية بالنسبة للزوجين ، فإذا ما انزلق لسان الرجل أو تعثّر في النطق بالطلقة الثالثة فقد انفصمت عرى الحياة بين الاثنين تمام الانفصام ، وما عاد يرتجى لهم بعد ذلك تلاق إلا أن تنكح المبتوتة زوجا ثالثا يطلقها فتبين ثم ينكحها الأول ، وهيهات لذلك أن يتحقق ! .

وقد ذكر عن ابن عباس قوله في هذا الصدد : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك ، أي في الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسحرها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا .

وفي تبيين الطلقة الثالثة في الآية سأل رجل النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله أرأيت قول الله ( الطلاق مرتان ) فأين الثالثة ؟ قال : " التسريح بإحسان الثالثة " . وفي حديث آخر أن رجلا جاء إلى النبي ( ص ) ، فقال : يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة ؟ قال : " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .

قوله : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) . لا يحل للزوج أن يضيّق على زوجته ، وأن يسومها العسر والضجر لتفتدي منه بما أعطاها من صداق أو جهاز وغيره . وفي يقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) وبهذا فإن أخذ المال من الزوجة على سبيل القهر والاستضعاف أو الابتزاز وذلك بعد قهرها وإرهاقها والتضييق عليها فإنه حرام . ومن ناحية ثانية : فإنه لا يحل للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق أو الافتداء منه بغير عذر إلا البطر والجحود . لا تسأل المرأة زوجها شيئا من ذلك دون مبرر مقبول إلا أن تكون آثمة عاصية لربها . وفي هذا يقول الرسول ( ص ) : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .

لكن الذي عليه السلف من هذه الأمة وأئمة الخلف فيها أن الخُلع لا يجوز إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فلم تتمكن من تأدية حقوق الزوج أو معاشرته لإبغاضها له أو أنها لا تطيقه . فإنه يجوز حينئذ للرجل أن يقبل الفدية منها ثم يفارقها . وذلك هو المراد في قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) فإذا علم كل واحد من الاثنين أنه سوف لا يقيم حق النكاح لصاحبه ، فإنه لا حرج إذ ذاك على المرأة أن تفتدي نفسها بصداقها أو بعضه تقدمه لبعلها ؛ كيما يسرّحها ، وليس من حرج كذلك على الزوج أن يأخذ هذا المال منها مقابل تسريحها . وهذه هي المخالعة أو الخلع .

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن ابن عباس أن امرأة ثابت ابن قيس أتت النبي ( ص ) فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه . فقال رسول الله ( ص ) : " أتردين عليه حديقته " قالت : نعم . وروى الحديث أيضا ابن ماجه عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي ( ص ) فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ، ولكن أكره الكفر في الإسلام ، لا أطيقه بغضا . فقال لها النبي ( ص ) : " أتردين عليه حديقته " قالت : نعم ، فأمره رسول الله ( ص ) أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد . والذي يقال : إنها كانت تبغضه بغضا شديدا ، ولكنه كان يحبها أشد الحب ففرق النبي ( ص ) بينهما بطريق الخلع ، فكان أول خلع في الإسلام . أما صفة الخلع ، فإنه طلاق بائن عند جمهور العلماء . وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي في الجديد . وقال به الثوري والأوزاعي . وهو مروي عن عثمان وعلي وابن مسعود وبعض التابعين . وقيل : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه المخالع . وهو قول ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأحمد ، والشافعي في القديم{[315]} .

وقوله : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ) إن خفتم ، أي علمتم . والمخاطب في هذه الجملة هم المسؤولون كالولاة أو القضاة . وجملة ( ألا يقيما حدود الله ) في محل نصب مفعول به . والمراد بحدود الله ما يجب على الزوجين من حسن الصحبة وطيب العشرة وكريم التعامل بينهما . وعدم مراعاة هذه الحدود يكون من جانب المرأة إذا كرهت زوجة وأبغضته بغضا شديدا لم تستطع معه من أداء حقه في الطاعة وما له عليها من حقوق . وإذا كان الأمر كذلك فقد جعل الإسلام لهما- والزوجة خاصة- سبيلا للفراق أو الخلاص من عيشهما المنكود وتلاقيهما المتنافر ، وهو أن تفتدي المرأة منه بصداقها أو بعض صداقها . وفي هذا يقول سبحانه : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) .

وقوله : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) حدود الله هي شرائعه التي شرعها للناس . وهي هنا ما تضمنته الآية من بيان لكيفية الطلاق ، وأنه مرتان يتلوهما فراق تام . ثم تشريع المخالعة بين الزوجين تدفع الزوجة بموجبها ما أخذته من صداق أو دونه لزوجها على أن يسرحها مادامت تبغضه بغضا شديدا ولا تطيق معه العيش لدمامته أو سوء منظره أو نحو ذلك .

ولا ينبغي لأحد أن يتجاوز هذه الحدود التي رسمها الله وهي شرائعه المبينة في الآية . وهي لا يتجاوزها إلا ظالم لنفسه فموبقها .

وشبيه بذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ( ص ) قوله : " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم محارم فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " .

ولو جمع الطلقات الثلاث في كلمة واحدة فهو من البدع التي تأتي على خلاف ما شرعه الله للناس من أحكام . أو هو خلاف السنة الصحيحة التي بينها الكتاب وسنة الرسول ( ص ) وهو أن يكون الطلاق مرات ثلاثا ، كل واحدة منها منفصلة عن الأخرى بزمن معلوم تحدده العدة تبعا لطبيعة المرأة ، فهي في ذوات المحيض ثلاث أقراء ، أما في الصغار واليائسات من النساء وهن اللواتي لا يحملن فقدرها ثلاثة أشهر .

وذهب بعض أهل العلم وفيهم المالكية إلى أن جمع الطلقات الثلاث في كلمة واحدة حراما شرعا . ويعزز قولهم هذا ما رواه النسائي في سننه عن محمود بن لبيد قال : أخبر رسول الله ( ص ) عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبان ثم قال : " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ " حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ألا أقتله ؟ .

وعلى أية حال فإن الطلاق بلفظ الثلاث في جلسة واحدة تبين معه المرأة بينونة كبرى فلا تحل لزوجها المطلق إلا بعد نكاحها من زوج ثان ثم تبين منه وتعتد . وقد ذهب إلى ذلك جمهور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب . وخالفهم في ذلك بعض العلماء إذ قالوا : الطلاق ثلاث في كلمة واحدة يقع طلقة واحدة رجعية . وهو مذهب أهل الظاهر . وقال به ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وروي مثل ذلك عن بعض الصحابة{[316]} .


[313]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 272 وتفسير الطبري جـ 2 ص 276.
[314]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 157 ومختار الصحاح ص 293 ، 624.
[315]:- بداية المجتهد جـ 2 ص 59 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 143.
[316]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 273 . وتفسير الطبري جـ 2 ص 276 وفتح القدير جـ 1 ص 238 ونيل الأوطار للشوكاني جـ 6 ص 260 وسبل السلام للصنعاني جـ 3 ص 275 وبداية المجتهد جـ 2 ص 50.