{ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } : أي وقلنا له اتخذ الجنة مسكنا لك ولزوجك ، واختلفت آراء العلماء في الجنة المراد هنا ، فمن قائل إنها دار الثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة ، لسبق ذكرها في هذه السورة ، وفي ظواهر السنة ما يدل عليه فهي إذا في السماء ، حيث شاء الله منها .
ومن قائل إنها جنة أخرى خلقها الله امتحانا لآدم عليه السلام ، وكانت بستانا في لأرض وعلى هذا جرى أبو حنيفة وتبعه أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات ، فقال : نحن نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض ، كان آدم وزوجته منعمين فيها ، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها ، وهذا هو هب السلف ، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرها .
قال ابن كثير : " وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم أهي في السماء أو في الأرض فالأكثرون على الأول " ( 84 ) .
وقد رجح الآلوسي في تفسيره ( روح المعاني ) أن الجنة في الأرض ، واستدل على ذلك بأن الله خلق آدم ليكون خليفة فيها هو وذريته ، فالخلافة منهم مقصودة بالذات ، فلا يصح أن يكون وجودهم فيها عقوبة عارضة . ثم ساق عددا من الأدلة في وصف جنة الآخرة بأنها لاتكليف فيها ، ولا يدخلها إلا المتقون المؤمنون . فكيف دخلها الشيطان الكافر للوسوسة .
وأرى أن نؤمن بأن الله أسكن آدم الجنة ، ونفوض المراد منها إلى الله سبحانه وتعالى :
وكلا منها رغدا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين .
لم يبين لنا ربنا هذه الشجرة ، فلا نستطيع أن نعينها من تلقاء أنفسنا بلا دليل قاطع ، ولأن المقصود يحصل بدون التعيين .
" قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله : والصواب في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل ثناءه نهى آدم وذريته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها ، وأكلا منها ولاعلم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة ، وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقيل كانت شجرة العنب ، وقيل كانت شجرة التين ، وجائز أن تكون واحدة منها وذلك علم لم ينفع العالم به علمه ، وان جهله جاهل لم يضره جاهل لم يضره جهله به والله أعلم " ( 85 ) .
والقرآن الكريم إذ وقف بالشجرة دون أن يحدد نوعها فإنما ذلك لأنها معروفة معهودة لآدم ولزوجه ثم ان عدم تحديد نوعها في الحديث إلينا لا يمنع أن يكون للشجرة مفهوم خاص عندنا وان لم يدخل فيه نوعها أيا كان .
فلنحاول فهم الشجرة على أنها مجرد شجرة ليس لها صفة خاصة تمتاز بها عن الأشجار التي معها إلا في تحديد ذاتها بالإشارة إليها .
فلتكن هذه الشجرة ما تكون ، شجرة كرم أو تين أو كافور بين العديد من مثيلاتها إلا أن النهي والتحريم وقع عليها دون غيرها .
وهذا التحريم لشجرة بعينها إنما هو امتحان لآدم وابتلاء بعزيمته أمام الإغراء وحب الاستطلاع الذي هو غريزة قوية عاملة فيه( 86 ) .
قال تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } ( طه110 ) .
وقوله تعالى : { فتكونا من الظالمين } : المراد من ظلمهما ظلم أنفسهما بأن مخالفة النهي كانت سببا في حرمانهما مما كانا فيه من نعيم وراحة .
قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( ذلك من قصص الله سبحانه وهو أصدق القائلين إذ يبين مناداته لآدم وزوجه أن يسكن وإياها معا في الجنة ، أي يقيم وإياها مستأنسين مطمئنين ، ثم يأكلا من الجنة رغدا حيث العيش الدائم المستقر الذي لا يخالطه عناء أو قلق أو إيحاش وزوج آدم هي حواء وسميت بذلك – كما قيل- لأنها خلقت مكن حي وهو زوجها آدم ، وقد ثبت ذلك في نصوص كثيرة منها : ( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ( وذلك الذي نستطيع أن نتصوره مستيقنين من غير وقوف على الكيفية التفصيلية لهذا الخلق إلا ما ورد عن خلقها من ضلعه الأيسر ، وفوق ذلك من أقوال وتفصيلات لا نستطيع الركون إليها والتحقق من صحتها على التمام ، وذلك لظنية المصدر الذي يستند إليه كثير من الناس لدى إيراد مثل هذه الأخبار .
والدعوة لآدم وزوجه أن يأكلا من الجنة رغدا ، وليست الجنة – كما يتصور بعض الجاحدين في التفكير من أمثال المعتزلة- في الأرض استنادا إلى ظاهر من بعض النصوص القرآنية ، وما هذا التصور إلا مجانبة للصواب الذي اجتمعت عليه الدلائل القاطعة الجلية ، فلا تتردد مقال ذرة في التيقن بأن الجنة المذكورة هنا لهي في السماء .
وقوله ( رغدا ( صفة لمفعول مطلق محذوف ، وتقديره أكلا رغدا ، {[53]} والرغد هو السعة والعيش الهانىء المطمئن الذي ليس فيه نصب أو ضيق ، نقول راغدا ورغيد أي عائش في خير ولين وسعة .
وقوله : ( حيث شئتما ( حيث ظرف مبني على الضم ، أي اسكنا أي مكان من هذه الجنة ، واستمتعا بطيباتها وخيراتها وتقلبا هاتين خلالها لا ينالكم فيها تعب ، ولا يطرأ عليكم هم ولا حزن ، وأنتم صائرون كذلك في هذا النعيم إلى ما شاء الله .
قوله : ( ولا تقربا هذه الشجرة ( وذلك نهي من الله لآدم وزوجه كيلا يقتربا مجرد اقتراب من الشجرة المعنية التي بينها الله لهما ، والمقصود في النهي أصلا هو الأكل ، لكن النهي عن مجرد الاقتراب لهو آكد في التحذير ومجانبة الشجرة ومن المبادىء الأصولية المعتمدة في شريعة الإسلام مبدأ " سد الذرائع " وهو يقوم على تحريم ما وقع في الحرام أو ما يوشك أن يكون سبيلا تقود إلى المحظور نفسه ، وذلك كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، كما تبين في الحديث الشريف .
واسم الإشارة ( هذه ( في محل نصب مفعول به ، والشجرة بدل منصوب لكن هذه الشجرة من حيث حقيقتها ونوعها غير معروفة ، وكل التفسيرات التي وردت في هذا الصدد لتحدد هذه الشجرة بالاسم لا تستند الى دليل موثوق من نص ، وهي لا تستند في ذلك إلا الى أقوال في التوراة أو الإسرائيليات التي لا نركن إليها والتي لا تصلح دليلا في مثل هذه المواقف الغيبية ، وعلى ذلك فإنه لا مساع لامرئ مسلم أن يخوض في مثل هذه المسألة خوض المتكلف فيما يورده موارد التمحل والزلل . إنما يجدر بالمسلم أن يقف في ذلك عند مفهوم العبارة المحدد للنص القرآني وهو أن آدم وزوجه قد نهيا عن الأكل من شجرة معينة ، في الجنة لا نعلم عن حقيقتها وتحديدها شيئا ، وكل الذي نعرفه أنها شجرة ، الله أعلم بها .
قوله : ( فتكونا من الظالمين ( من الظلم ومعناه : وضع الشيء في غير موضعه وفي المثل " من استرعى الذئب في غير موضعه المناسب الذي يقتضي الإخلاص والحذر هكذا تكون المعاصي والذنوب دليلا على السير في غير المسار السليم أو الصراط المستقيم ، حتى الإنسان نفسه إذا ما تنكب عن صراط الله أو تمرد على دينه ومنهجه سبحانه فقد وضع نفسه في غير موضعه الصحيح ، بل إنه ضل ضلالا أو دس به إلى العمه والازورار ومضى يخيط في طريق وعر ملتوية ، وما كان شيء من ذلك ليكون لولا التنكب عن صراط الله ليكون بدلا منه صراط آخر غير سوي ولا سليم وذلك هو الظلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.