عن ذكري : عن الهداية بكتبي السماوية .
أعمى : عن النظر في الحجج والبراهين الإلهية .
124- { ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا . . . } .
من اتبع هدى الله ودينه وكتابه وشرعه ؛ فلا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، ومن أعرض عن شرع الله ودينه وكتابه ، وآثر العاجلة ، فإن له معيشة ضنكا ، ضيقة مؤلمة ، وقد يوجد المال أو الجاه أو السلطان أو مظاهر الدنيا ، وهذا الإنسان الغني أو الوجيه في ضنك الداخل ؛ ضنك بعده عن الله ، ضنك الخوف على المال أو الوجاهة ، ضنك الإحباط والحيرة والشقوة ؛ حيث لم ينشرح صدره لوحي الله ودينه ، فصار قاسيا بعيدا عن الأنس بالله ، والرضا بالقضاء والقدر ، والسرور بمحبة الله ، قال تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين } . ( الزمر : 22 ) .
قال بعض المفسرين : نحشره أعمى عمًى حسيا ، وهو عمى البصر ؛ عقوبة حسية على إعراضهم عن أدلّة الحق ، وعن عدم النظر إليها ، واعترض آخرون عليهم بقوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا . . . } ( مريم : 38 ) .
وأجابوا : بأن هناك منازل ومواقف متعددة يوم القيامة .
فالكافر في أول أمره يحشر أعمى لا يرى شيئا إلا جهنم ، وهي المصير الذي ينتظره ، وبعد فترة يبصر ليرى سوء منزلته ، وألوان العذاب الذي ينتظره .
العمى هنا عمى البصيرة لا عمى البصر ، فهو أعمى عن كل حجة يدافع بها عن نفسه ؛ ذلك أن الله أعطاهم البصر والأذن والعقل في الدنيا ، فلما لم ينظروا إلى الحق ، ولم يسمعوا إلى القرآن سماع تأمل وإنصات ، ولم يتفكروا في هذا الدين ويتأملوا فيما اشتمل عليه ؛ صاروا كأنهم محرومين من هذه النعم في الدنيا ، وكذلك في الآخرة .
قال تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهن أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } . ( الأعراف : 179 ) .
ويحتمل أن يكون المراد : أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضا كما قال تعالى : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصمّا مأواهم جهنم كلّما خبت زدناهم سعيرا } . ( الإسراء : 97 ) . ويؤيد ذلك الآية التي تليها .
قوله : ( ومن أعرض عن ذكري ) أي أعرض عن القرآن وما فيه من عظيم الأحكام وجليل الفضائل فأدبر عن منهج الله واتبع ما يهواه من ملل الضلال والباطل ( فإن له معيشة ضنكا ) الضنك والضناكة والضنوكة بمعنى الضيق من كل شيء . وأصل ذلك في اللغة الضيق والشدة ويستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع{[3004]} ، وهذا نذير للناس يتوعد الله به المخالفين عن أمره ، المعرضين عن دينه ومنهجه ، المقبلين على الهوى والكفر والضلال- يتوعدهم بالمنكود من العيش المتكدّر الذي يُسام فيه الفاسقون الشاردون عن شريعة الله سوء العيش وكَدر الحياة ليجدوا فيهما من ضروب الكروب والاغتمام والتنغيص والجشع ما يؤرق فيهم الأعصاب والمشاعر ويذيقهم القلق والرهق والشقاء .
وهذه هي حال الناكبين عن منهج الله ، التاركين لدينه القومي ؛ فإن الله مبتليهم في حياتهم الدنيا قبل الآخرة بألوان البلاء والأسقام والعلل النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من وجوه البلاء والمضانكة فلا تتيه البشرية في الضلال والعصيان والتفريط عن منهج الله الحق لتستعيض عنه بنظم وضعية كافرة حيث الآثام والمعاصي والفواحش والرذائل والإباحية ، حتى يبتليهم الله بويلات الدنيا وتعسها وأخطارها قبل أن يرحلوا إلى دار القرار الأخرى ليلاقوا هنالك ما هو أشد وأنكى . وهو قوله : ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) أي أعمى البصر ، زيادة في التنكيل بهؤلاء المعرضين عن ذكر الله وهو قرآنه المجيد ومنهجه الحق ، الإسلام وقيل : أعمى عن الحجة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.