تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102)

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }

المفردات :

حق تقاته : أي حق تقواه .

التفسير :

102- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .

التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل .

وقيل التقوى : هي ألا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك .

ومعنى الآية : راقبوا الله تعالى وأطيعوا أمره واجتنبوا مخالفته بحيث يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر به .

{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي لا تقابلوا ربكم إلا وأنتم على حالة الإسلام الصحيح .

والمراد : داوموا على التخلق بأخلاق الإسلام لان من شب على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات عليه والمراد ومن مات على شيء بعث عليه .

قال الزمخشري في الكشاف : ولا تموتن معناه ولا تكونن على حال سوي حال الإسلام إذا أدرككم الموت وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو لا تاتي إلا وانت على حصان فأنت لا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه وقت الإتيان .

وذهب بعض المفسرون إلى أن هذه الآية منسوخة نسختها الآية الكريمة : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن 16 ) والجمهور على انها غير منسوخة .

قال النيسابوري :

لما حذر الله المؤمنين من فتن أهل الكتاب أمرهم بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات فأولها لزوم سيرة التقوى .

وعن ابن عباس : لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } هو ان يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وان يشكر فلا يكفر وان يذكر فلا ينسى أو هو القيام بالواجبات كلها بالابتعاد عن المحارم بأسرها وان لا يأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين أو الأقربين شق ذلك على المسلمين فنزلت { فاتقوا الله ما استطعتم } والجمهور على انها غير منسوخة لان معنى حق تقاته واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه . . فلم يبق فرق بين الآيتين27 .

والمراد من قوله تعالى : فاتقوا الله حق تقاته هو عين المراد من قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن 16 ) لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها .

والاستثناء مفرغ في قوله : { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي لا تموتن إلا على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التي هي حال المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) يأمر الله المؤمنين وأن يخافون وأن يراقبوه في السر والعلن فيطيعوه تمام الطاعة ويجتنبوا معاصيه تمام الاجتناب . قال ابن مسعود في تأويل قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) أي أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر . وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود مرفوعا . قال ابن كثير : والأظهر أنه موقوف والله أعلم .

والتقوى في حقيقة مدلولها الإسلامي ، هي حالة من كمال الخوف من الله ، وما يستتبعه ذلك من كمال الوازع الديني الذي يغشى الجهاز النفسي كله لينشر فيه الشفافية وأقصى الدرجات من رهافة الحس والوجدان . ويستلزم ذلك بالضرورة أن تنقاد الجوارح لعمل الطاعات وتستعصم عن فعل المنهيات والمنكرات ، لا جرم أن هذه الصفات النفسية والروحية والبدنية جد عسيرة ، حتى إنها لتعز على التطبيق والعمل إلا قليلا ، بل إنها لا يطيقها من الناس غير لفيف قليل مميز من الصالحين الأبرار . ويؤيد هذه الحقيقة ما روي عن أنس أنه قال : لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يحزن لسانه{[553]} .

وقد روي عن جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وعن ابن عباس في قوله تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) قال : لم تنسخ . ولكن ( حق تقاته ) أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم .

وقوله : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) النهي في ظاهره واقع على الموت وليس هو المقصود ، بل الأمر بالإقامة على الإسلام هو المقصود ، أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت .


[553]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 388.