103- { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . . الآية } .
بحبل الله : أي بالإسلام أو القرآن استعار له كلمة الحبل حيث إن التمسك به سبب النجاة كما التمسك بالحبل سبب السلامة .
ولا تفرقوا : أي ولا تتفرقوا حذفت إحدى التاءين تخفيفا .
شفا حفرة : الشفا طرف الشيء وحرفه مثل شفا البئر وشفا حفرة منه يقال فلان أشفى على الشيء إذا أشرفت عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وحرفه .
أي : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية .
ثم يذكر الله المسلمين بنعمته عليهم نعمة تأليف القلوب ورأب الصدوع والارتفاع على حزازات الصدور والتفاني في غاية أسمى من الشخصيات الزائلة والأمجاد الفارغة والفخر بالعصبيات والأنساب . . وإنها لمعجزة تلك التي تحول شتاتا العرب إلى وحدة وعداوتهم على مودة وتربط على قلوبهم هذا الرباط الذي لم تشهد له البشرية من قبل أو من بعد نظيرا .
( والنص هنا يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط ( القلب ) فلا يقول فألف بينكم إنما ينفذ إلى المكمن العميق فألف بين قلوبكم وهو تعبير مصور مقصود .
كذلك يرسم النص سورة لما كانوا عليه بل مشهدا حيا متحركا يتملاه الخيال ويتوقع في كل لحظة حركة كانت ستكون لو لم تدركهم معجزة الإيمان { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . . . } فيصور الخيال هؤلاء الأناس على سفا حفرة من النار ويظل يتوقع حركة السقوط المتوقعة حتى تتم حركة الإنقاذ المفاجئة ) 28 .
{ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } أي بمثل هذا البيان الواضح يبين الله لكم سائر آياته لكي تثبتوا على الهدى وتزدادوا فيه اعتصاما وقوة .
والقرآن حافل بالدعوة إلى الوحدة والأخوة والتماسك والتكافل والتراحم والتحذير من الفرقة والعداوة والبغضاء والسخرية والاستهزاء .
وبمثل هذا الهدى الإلهي والتوجيه النبوي رأينا وحدة لم يعرف التاريخ لها نظيرا وحدة الأخوة بين المهاجرين والأنصار وحدة الألفة والمودة على الدين الجديد والدعوة الإسلامية الخالدة .
قال تعالى : { وألف بين قلوبكم لو أنفقتم ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } ( الأنفال 63 ) .
روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذ اشتكى منه عضو تداعي له سائر جسده بالسهر والحمى " 29 .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تنصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " 30 .
قوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) اعتصموا من العصمة ، وهي المنع . عصمه الطعام أي منعه من الجوع . والعصمة أيضا تعني الحفظ . اعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية . واستعصم بكذا إذا تقوى وامتنع{[554]} .
الله جل جلاله يأمر عباده المسلمين أن يتعصموا ، أي يتمسكوا بحبله ، والحبل في اللغة فهو السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة ؛ ولذلك سمي الأمان حبلا ؛ لأنه سبب يوصل إلى زوال الخوف ، والنجاة من الجزع والذعر .
والمراد بحبل الله في الآية العهد . وقيل : الجماعة . وذهب آخرون إلى أنه القرآن وهو عندي الأظهر والأقوى . لما يعزز ذلك من خبر عن علي مرفوعا في صفة القرآن قال : " هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم " وورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " .
وفي حديث آخر عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين ، وهو النور المبين ، وهو الشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه " {[555]} .
قوله : ( ولا تفرقوا ) ذلك نهي من الله لمسلمين عن التفرق ، وهو التبعثر والشقاق والاختلاف فيما بينهم في الدين . وليس المراد الاختلاف في الأقوال والآراء التفصيلية لأحكام الشريعة ، فذلك مرغوب لا بأس فيه ، ولكن المراد اختلاف القلوب تبعا لاختلاف الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية بما يفضي إلى زوال الألفة والاجتماع بين المسلمين وما يوقع بينهم العداوة والبغضاء والمشاحنة وإثارة الفتن والحروب .
إن قول الله : ( ولا تفرقوا ) يظل نداء مستديما وقائما يهتف بالمسلمين طوال الدهر أن لا تتفرق كلمتهم ، وأن لا تتبعثر قلوبهم ، وأن لا تتشتت جماعتهم ، وأن يحذروا دائما من دعاة السوء والمكر والتخريب من الأعداء الذين يتربصون بهم الدوائر ليوقعوا بينهم الضغائن والفتن فتضعف وحدتهم ويتمزق شملهم ؛ ليسهل على المجرمين والطغاة الطامعين من استعماريين وصليبيين ووثنيين وملحدين وصهيونيين- افتراسهم والاستحواذ عليهم . لا جرم أن التفرق داء وبيل ومدمر يوهن المسلمين ويودي بهم إلى التفكك والانهيار والسقوط في براثن الشياطين من شرار البشر ، إنه لا مناص للمسلمين إذ ابتغوا لأنفسهم العزة والمنعة والسلطان وتحصيل السعادة في الدارين- من الاجتماع في وحدة حقيقة واحدة . وحدة متماسكة متينة تجتمع فيها قلوبهم وأهواؤهم حول حقيقة واحدة كبرى ، وذلكم هو الإسلام ، دون غيره من الأديان والملل أو العقائد والفلسفات والمبادئ المختلفة .
وفي التحذير من الافتراق والاختلاف روي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة . وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة " فقيل : يا رسول الله وما هذه الواحدة ؟ قال : فقبض يده وقال : " الجماعة واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " .
قوله : ( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة إخوانا ) أي اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم مشركين إذ يقتل بعضكم بعضا ويخاصم الواحد منكم الآخر لا يحفزه أو يثيره إل مثل ذلك غير الحماقة الطاغية ، والهوى الجامح الضال .
لقد كنتم على هذه الحال من عصبية الجاهلية برعونتها ومفاسدهاه وحماقاتها حتى قيض الله لكم هذا النبي الكريم للناس هاديا وبشيرا . وقيض لكم الإسلام ليكون لكم فيه الخير والسلامة والنجاة من كل العيوب والأوضار والشرور ، ( فأصبحتم ) ( صرتم ) بذلك إخوانا في عقيدة الإسلام متحابين متآلفين متحدين بفعل هذا الدين الذي فيه سر نجاتكم وفلاحكم ، والذي حوى من القيم والمعاني ما يغسل القلوب من الأدران وأوشاب الدنيا " ، ويغسل الأذهان من شبهات التفكير الضال ؛ لينقلب الإنسان إلى كائن جديد مميز ومفضال يفيض بالعطاء والخير . كائن سليم من الأمراض والعقد والشذوذ .
قوله : ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) شفا الشيء ، أي حرفه . وهو اسم مقصور . مثل شفا البئر . أي حده وحرفه ، وشفيره أشفى على الشيء ، إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حرفه ، ومنه : أشفى المريض على الموت{[556]} .
والمقصود أن هؤلاء المؤمنين كانوا قبل إسلامهم على طرف جهنم . وذلك بكفرهم وجاهليتهم الضالة حتى كادوا يكبكبون فيها لولا أن منّ الله عليهم بالإسلام فأنقذهم من النار . وكذلك تكون الحال لكل واحد من الناس أو أمة من الأمم فإنها قائمة موقوفة على شفير جهنم حتى لتوشك أن تهوي فيها إلا أن تفيء إلى كلمة الله . الكلمة الصادقة الأمينة- كلمة الإسلام العظيم . وفي ذلك ما ينتشل الإنسانية من رجس المفسدين ويفضي بها إلى النجاة والسعادة .
قوله : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) الكاف في اسم الإشارة في محل نصب ، نائب مفعول مطلق أو في محل نصب على الحال . والمعنى أنه مثل ذلك البيان البليغ المذكور الذي عرفكم فيه ربكم كيد الكائدين وتربصهم بكم ، وعرفكم مواقع نعمه وصنائعه لديكم فإنه يبين لكم ( آياته ) أي دلائله وحججه الساطعة ( لعلكم تهتدون ) أي لتهتدوا إلى سبيل الرشاد فلا تضلوا أو تتعثروا ؛ لأنكم أصبحتم بذلك على جادة الصواب{[557]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.