تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

المفردات :

لاتغلوا : الغلو ؛ مجاوزة الحد . غلو النصارى في دينهم : إفراطهم في تعظيم عيسى ، حتى جعلوه إلها أو ابنا الله ، وغلو اليهود : مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأمه بما لا يليق .

المسيح : أصل المسيح ؛ الممسوح ، وسمي به عيسى .

كلمته : المراد بها : عيسى_ عليه السلام_ وأطلقت الكلمة عليه ؛ لأنه جاء بكلمة : كن . . بدون أب .

روح منه : رحمة منه ؛ لأنه رحمة من الله لمن آمن به .

تمهيد :

أنصف القرآن عيسى . فقد اتهم أمة بالزنى ، كما أنصفه من ادعاء النصارى بأنه إله أو نصف إله . والمسيحية ديانة من ديانات التوحيد .

قال صاحب الظلال :

( الثابت من البحث العلمي في تطور العقائد المسيحية أن عقيدة التثليث لم تصاحب المسيحية الأولى ، إنما دخلت إليها بعد فترة ، ودخلت إليها في خطوات متدرجة ودخلت إليها مع الوثنيين الذين دخلوا في المسيحية ولم يبرأوا بعد من التطورات الوثنية والآلهة المتعددة ، وقد ظل الموحدون المسيحيون يقامون إلى ما بعد القرن الخامس الميلادي على الرغم من كل ما لقوه من اضطهاد .

وما تزال فكرة التثليث تصدم عقول المثقفين من المسيحيين ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق وبالإحالة إلى مجهودات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم يكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض . {[160]}

171- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . وأهل الكتاب لفظة تعم اليهود والنصارى ، ولكن سياق النص هنا ، يخصصها بالنصارى .

وغلو النصارى في دينهم : أنهم أفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام- حتى أخرجوه من مرتبة البشرية واتخذوه إلها من دون الله وجعلوه ابنا له .

من تفسير ابن كثير :

قوله تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ . . . ينهى- سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله ، يعبدونه كما يعبدون الله .

وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، قولوا : عبد الله ورسوله " . {[161]}

وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ . أي : ولا تفتروا على الله كذبا لا أساس له ، ولا دلل يعتمد عليه ، وهو قول النصارى : المسيح ابن الله . ( التوبة 30 ) .

وهذا قول يناقض الدليل الواضح والقول الثابت إذ الإله لا يلد ، ولا يولد ، فإن ذلك أمارة الحدوث ، وعلامة الاحتياج .

إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ . أي : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، أرسله سبحانه لهداية الناس إلى الحق ، وليس إلها من دون الله ، ولا ابنا الله كما تدعون . وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . أي : أنه تكون في بطن أمة ، وجد بسبب كلمة الله وأمره : ( كن ) كما قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . ( آل عمران : 59 ) .

وروح منه . أي : ونفخة منه لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم ، فكان عيسى بإذن الله فنسب إلى أنه روح من الله ؛ لأنه بأمره كان ، وسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح تخرج من الروح .

قال تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ . ( الأنبياء : 91 ) .

وقيل : المراد بقوله : وروح منه . أي : وذو روح من أمر الله ؛ لأنه سبحانه خلقه كما يخلق سائر الأرواح .

وقيل : الروح هنا بمعنى : الرحمة ، كما في قوله تعالى : وأيدهم بروح منه . أي : برحمة منه ونعمة . أي : أن عيسى- عليه السلام- لما كان رحمة من الله لقومه ونعمة عظيمة منه عليهم ، من حيث إنه كان يرشدهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا ةالآخرة ، سمى روحا منه-سبحانه وتعالى- وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام .

والمعنى : أن عيسى روح عظيم ، وهبة ، جليلة ، مبتدأة من الله .

تفسير للشيخ محمد أبو زهرة :

قال الشيخ أبو زهرة رحمة الله عليه : وقوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ . أي : خلقه بكلمة منه وهي كن كما خلق آدم ، وكان عيسى بهذا كلمة الله ؛ لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بدر يبدر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التي تجري بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته كن وبذلك سمى كلمة الله .

وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته- تعلق باطل- فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد ، وإنما سمى بذلك ؛ لأنه أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين ، وقد يقال : إنه نشأ بروح منه سبحانه أي : أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ( السجدة : 7-9 )

والرأي الأول أولى ، وعلى ذلك يكون معنى قوله : أي : أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ونطفة تتشكل إنسانا وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل .

وسمى الله تعالى -عيسى- روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ؛ ولأنه غلبت عليه الروحانية .

وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله . {[162]}

ويقول الأستاذ سيد قطب :

إن كل مخلوق يوجد بكلمة من الله . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( يس : 82 ) ، فالكلمة هي توجه الإدارة ، وليس عيسى بدعا في ذلك فهو كلمة الله ، وروح منه . هو هذا الروح الذي كان به آدم إنسانا ، وجسده لا يزيد عنصرا واحدا على عناصر التراب ، ولا يتميزإلا بهذا الروح الذي تلقاه من الله ، هذا الروح كذلك تلقته مريم- على نحو لا ندركه نحن ، ولم تدركه هي ، بل عجبت أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر- فكان منه عيسى كما كان منه آدم ، كلاهما تلقاه أول مرة فإذا هو إنسان حي لا عن ولادة معهودة ، ولكن عن طريق مباشر ، وكلاهما فيه سواء مع بعض الاختلاف . {[163]}

فآمنوا بالله ورسوله . أي : إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى ، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .

ولا تقولوا ثلاثة . ولم يقل : ولا تؤمنوا بثلاثة للإشارة إلى أن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه تارة يقولون : الأب والابن والروح القدس ، أي : إنهم ثلاثة متفرقون ، وتارة يقولون : الأقانيم ( الصفات ) ثلاثة والذات واحدة .

جاء في تفسير الكشاف للزمخشري :

والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد الله من مريم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ . ( المائدة : 116 ) .

وقالت النصارى المسيح ابن الله . والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم . {[164]}

وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم . {[165]}

انتهوا خيرا لكم . أي : انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاء عن ذلك خيرا لكم ؛ لأنكم به تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأوهام إلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان .

إنما الله إله واحد . أي : إنما الله واحد بالذات منزه عن التعدد بأي وجه من الوجوه ، متفرد في ألوهيته ، هو سبحانه الخالق لهذا الكون والمدبر لأمره .

سبحانه أن يكون له ولد . تنزه الله تنزيها عظيما ، لا حدود له ، عن أن يكون له ولد ؛ لأن اتخاذ الولد دليل الضعف وأمارة الحدوث ، وصفة العاجز المحتاج إلى من يعينه في حياته ، ويخلفه بعد مماته .

قال تعالى : ليس كمثله سيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 )

له ما في السماوات وما في الأرض . أي : كل ما في السماوات وما في الأرض ملك إرادته فما هو محتاج ، ونسبة كل شيء إليه سبحانه هي نسبة الخلق إلى الخالق والمملوك إلى المالك ، يستوي في ذلك كل ما في الكون وكل من في الكون .

والتأمل يرى أنه سبحانه- في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكا ومالكا لما في السماوات والأرض ؛ ليكون دليلا عليه ، إذ المعنى : تنزه الله عن أن يكون له ولد ؛ لأن له في السماوات وما في الأرض .

وكفى بالله وكيلا . أي : إن الله سبحانه ، كاف وحده في تدبير المخلوقات وفي حفظ هذا الكون فلا يحتاج إلى ولد يعينه ولا إلى إله آخر يدبر أمر الكون معه .


[160]:يقول صاحب الرسالة الأصول والفروع أحد شراح العقيدة المسيحية: (قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض).. نقلا عن كتاب النصرانية للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.ا هـ وانظر في ظلال القرآن 6/18.
[161]:لا تطروني كما أطرت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3445) (6830) والدرامي في الرقاق (2784) وأحمد في مسنده (333،165،155) من حديث عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام فإنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله.
[162]:مجلة لواء الإسلام السنة 18 العدد 9 تفسير القرآن الكريم للشيخ محمد أبو زهرة.
[163]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/19.
[164]:تفسير الكشاف 1/594.
[165]:انظر تفسير الآلوسي 6/26-36 وتفسير القاسمي 5/1765.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) يخاطب الله في هذه الآية النصارى ناهيا إياهم عن الغلو وهو الإفراط والمغالاة أو مجاوزة الحد . وبالفعل فقد غالى النصارى مغالاة تتجاوز الحد . لقد غالوا مغالاة ظالمة ممجوجة لا يتصورها العقل السليم وتربأ عنها رسالات السماء التي لم يخالطها زيف أو تحريف ، لقد غالى هؤلاء في إفراط بغيض إذ رفعوا عيسى المسيح حتى جاوزوا به وبقدره نطاق البشرية والناسوتية إلى نطاق الإلهية والربوبية . وذلك ضرب من التجني الخطير يهذي به هؤلاء في غير هدى ولا بصيرة إلا الشطط والهذيان والضلال ؛ إن ذلك تصور فاسد يراود الأذهان الواهمة وهي تتخيل هذه القضية المظنونة لتحسبها حقيقة وما هي بحقيقة . وإنما هي الوهم المخادع المريض الذي يسوّل للمضللين الجهلة وجه الباطل والتحريف .

وقوله : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) يوجب الله على هؤلاء في تحذير وترشيد ألا يفتروا على الله افتراء مشينا مختلفا ، وألا يتجرأوا عليه بالتقول الظالم المكذوب ، وأن يتورعوا عن إطراء المسيح بما ليس له مما هو إشراك بالله كبير . ثم قال سبحانه : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) المسيح مرفوع على الابتداء ، وعيسى بدل منه وكذلك ابن بدل ، ورسول خبر المبتدأ . وفي هذه الآية حصر قاطع لحقيقة المسيح في النبوة الكاملة المتولدة عن أمه مريم عليها السلام بعد أن حملت به حملا حقيقيا بإذن الله ، ثم أجاءها المخاض إلى جذع النخلة حتى وضعته وليدا رضيعا ينطق كأنما هو كبير مكتهل . وتؤكد الآية بعد أداة الحصر ( إنما ) على أن المسيح عيسى لهو ابن مريم ، وأنه ليس له أب ، وأنه من عباد الله المرسلين كغيره من إخوانه النبيين الذين يشاركونه جميعا في حقائق كبرى ثلاث وهي : العبودية لله والنبوة والرسالة . وأي تجاوز لهذا المفهوم يشكل انزلاقة خطيرة تلج بالمنزلقين في وهدة الضلالة والإشراك بالله ، وتجعلهم يجاهرون في اجترار أحمق بنسبة الولد إلى الله أو حاجته سبحانه لصاحبة وقد تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

وقوله : ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) المقصود بالكلمة هنا قوله : ( كن ) فإنه بعد أن قالها تحقق الحمل والولادة بغير أبوة أو نكاح . وقيل يقصد بها الآية . فإن المسيح عليه السلام من حيث ولادته بغير أب ولا نكاح كان آية دالة على عظمة الله سبحانه وعلى قدرته في الخلق بغير قيود وقيل غير ذلك .

وقوله : ( وروح منه ) معطوف على كلمته مرفوع . وقد ورد في المراد بالروح هنا أقوال كثيرة نقتصر منها على قولين أحسبهما الراجحين والله تعالى أعلم . فقد قيل : إن سبب تسميته بالروح أن نفخة من روح الله عن طريق جبريل عليه السلام . والقول الثاني أن كلمة روح في الآية تعني رحمة . فالمسيح قد كان رحمة من الله للناس أي أن الله قد امتن على عباده فبعث إليهم رحمة منه تجسدت في هذا النبي الكريم عيسى عليه السلام .

قوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) يدعو الله للإيمان به وحده لا شريك له فهو خالق الكون والحياة وخالق الناس والنبيين جميعا وخالق المسيح بن مريم نفسه .

وقوله : ( ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ) ثلاثة خبر لمبتدأ محذوف تقديره آلهتنا{[860]} . ذلك نهي شديد عن مقارفة خطيرة تشبث بها النصارى منذ أن كانوا ولا يزالون فقد أشركوا بالله أشد إشراك ، وزعموا أنه اتخذ ولدا . ولهم في ذلك حذلقات عقيمة تقوم على التكلف واصطناع العبارات الباهتة الغامضة . العبارات المسوقة في خلط وإبهام والتي غالبا ما تثير في الأذهان الحيرة والتساؤل أو تبعث في النفس الشك والارتياب والتردد . عبارات مضطربة غوامض ليس لها في ميزان الواقعية والمنطق أيما حساب .

ومن الحذلقات قولهم بالأقانيم الثلاثة . ومفردها أقنوم وهو يعبر عن إله والأقانيم الثلاثة ترمز إلى الأب والابن وروح القدس ، وكل شطر من هذه الشطور إنما- يعني- في تصور النصارى- إلها ينبثق عن جوهر الإله الأكبر . وقد تفرقوا في تفسير هذه الاصطلاحات فرقا شتى وافترقوا كذلك في التفصيلات افتراقا يدل على تبلد في التفكير بما ينتفي معه الإخلاص للحقيقة الإلهية من أول لحظة .

ومن جملة ما قالوه في الثلاثة : الآلهة ثلاثة . الله سبحانه ، والمسيح ، ومريم وقالوا : إن الله تعالى جوهر ، وأحد ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس . وهم يريدون بالأول الذات أو الوجود ، وبالثاني العلم أي الكلمة . وبالثالث الحياة . وقالوا : إن الله واحد بالجوهرية ، وثلاثة بالأقنومية . والأقانيم صفات للجوهر القديم وهي الوجود والعلم والحياة . وعبروا عن الوجود بالأب ، والحياة بروح القدس ، والعلم بالكلمة . ثم اختلفوا أكثر من ذلك فذهبت الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأن كل واحد منها إله ، وصرحوا بإثبات التثليث . وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة وسبحانه وتعالى عما يشركون . وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر ، وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي ، وهو قديم أزلي ، وأن مريم ولدت إلها أزليا . واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم ، وأن القتل الصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا ، وأطلقوا لفظ الأب على الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وأطلقوا كذلك لفظ الابن على عيسى عليه السلام .

وذهب نسطور الحكيم إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج ، بل بمعنى الإشراق . أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور .

ومن النسطورية من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود . وصرحوا بالتثليث كالملكانية . ومنهم من منع ذلك . ومنهم من زعم أن الابن لم يزل متولدا من الأب ، وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد . والحدوث راجع إلى الناسوت . فالمسيح إله تام وإنسان تام وهما قديم وحادث . وقالوا إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوات . وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح ، إلى غير ذلك من الأقوال الغامضة المتناقضة . الأقوال التي يضرب بعضها بعضا ويكذب بعضها الآخر تكذيبا . أقوال في غاية الضعف والتهافت والركاكة فلا تثير غير مزيد من الحيرة والشك والإبهام{[861]} .

أقوال لا تستند إلى أدنى نصيب من البرهان ولا يسعفها شيء من المنطق والتفكير السليم ، وما هي إلا ترهات تقال في تخريص متخبط ، وفي هوى جامح مجانب للصواب .

وما أروع العقيدة الإسلامية في هذا الصدد ، فإنها تقوم على السهولة والبساطة واليسر وتنبذ التعقيد والتكلف ؛ لأنها عقيدة الحق والفطرة وعقيدة الإنسان المتكامل السوي الذي يمشي على صراط واضح ومستقيم لا عوج فيه . وهذه حقيقة ناصعة مكشوفة نعيها تماما ونحن نقرأ قوله سبحانه في سورة قصيرة من أعظم سور القرآن ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) وهذه عبارات قاطعة حاسمة لا تحتمل شيئا من التكلف المضطرب أو الإغراق في متاهات التصور الشاطح والمغالاة في هذيان مريض .

فالله جل وعلا أحد لا شريك له ، فليس له ولد ، ولم يتخذ صاحبة وليس له نديد مكافئ في خلقه . هذا هو جوهر العقيدة في الإسلام . فهو واضح كل الوضوح وميسور كل التيسير ، بحيث يلائم الفطرة البشرية تماما ولا يستعصي إدراكه على العقل ، ويجتمع على وعيه واستيعابه الناس جميعا . وليس غير ذلك إلا البعد عن الحقيقة والصواب أو السقوط في الكفر وهو طريق إلى النار ؛ يتقاحم فيها المشركون الذين غلوا في إطراء المسيح والثناء عليه حتى جعلوه إلها أو ثالث ثلاثة . وفي ذلك يقول سبحانه : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) وقال عز من قائل في آية أخرى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) فلم يبق بعد هذا البيان القرآني الحاسم أي مجال لانتزاع الحجج الدالة على عدم كفران أهل الكتاب من يهود أو نصارى . إنه لا مجال للتقوّل بأنهم ليسوا كافرين ؛ بل إنهم كافرون لما بينّاه من أدلة في القرآن .

وقوله : ( انتهوا خيرا لكم ) خيرا منصوب على الخبرية لكان المحذوفة ، وتقدير العبارة : انتهوا يكن خيرا لكم . وهو نص ينهى عن الإشراك بالله ويحذر من مغبة الوقوع في هذا الظلم العظيم فإن عاقبته وخيمة . وإذا انتهى المحذرون وأقلعوا عن شركهم بالله فإنهم سيمضون إلى خير وأن عاقبتهم ستكون حسنة مرضية .

ثم يعقب ذلك تأكيد قاطع بأن الله جلت قدرته واحد معبود وليس دونه من إله . فإنه سبحانه متفرد بالألوهية ولا يشاركه في هذه الخصيصة الكبرى أحد . وهو كذلك لا حاجة له في نسل أو ذرية ، وما ذلك إلا شأن الضعفاء الذين يجدون أنفسهم محتاجين إلى الأعوان والأنصار كالأولاد والأحفاد والزوجات . لكنه سبحانه غني عن ذلك كله فهو مالك كل شيء بما في ذلك عيسى ومريم والناس والخلائق جميعا وكذلك السماوات والأرض ومن فيهن وما بينهن . وهو يقول في ذلك : ( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي الله وكيل على كل شيء ، ويتصرف في خلقه وملكوته بمثل ما يشاء . وكيلا منصوب على التمييز . والوكيل بمعنى الحافظ .


[860]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 279.
[861]:- روح المعاني جـ 6 ص 26 والكشاف جـ 1 ص 584 وتفسير الرازي جـ 11 ص 118.