تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

{ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون( 57 ) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين( 58 ) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آيتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون( 59 ) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون( 60 ) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين( 61 ) } .

المفردات :

نتخطف : نخرج ، أو يبطش بنا أعداؤنا ، وأصل الخطف : الاختلاس بسرعة ، فاستعير لما ذكر .

آمنا : مكينا .

يجبى إليه : يحمل إليه ويجمع إليه من كل جانب وجهة .

التفسير :

57-{ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } .

قال بعض الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن ما جئت به هو الحق ، ولكنا نخشى إذا اتبعنا دينك أن تغير علينا القبائل ، أو تهاجمنا فارس والروم .

وكان العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ، ويقيمون الحروب لأتفه الأسباب ، وهم في صحراء واسعة ، ليس لها ملك أو حكومة ، وإنما كل قبيلة لها شيخ قبيلة ، وإذا ثار نزاع احتكموا إلى السيف ، والحرب والغارة والعدوان ، وكان أهل مكة آمنين مطمئنين ، سالمين من العدوان عليهم ، فهم سدنة البيت الحرام ، والقائمون عليه ، وكانوا يتحركون بتجارتهم شمالا وجنوبا ، صيفا وشتاء ، ولا يعتدى عليهم أحد ، مع العدوان على غيرهم من الناس ، فامتن عليهم بتلك النعمة ، وهي نعمة الأمن والأمان ، وواجههم بذلك قائلا :

{ أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء . . }

لقد كانوا مقيمين بواد غير ذي زرع عند البيت الحرام ، والعرب يعظمون البيت الحرام ، ويحافظون على حرمته ، ويحملون الثمار والخيرات إلى هذا البيت من كل مكان .

{ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون }

كان هذا الرزق الذي يحمل إلى البيت الحرام وأهله فضلا من الله تعالى ، واستجابة لدعاء إبراهيم الخليل ، وتيسيرا من الله تعالى لاحترام بيته ، وإكرام المقيمين حوله ، وهذا الرزق والفضل والحماية . والحصانة والنعمة من الله القادر الرزاق ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك ، فيتركون الإسلام والإيمان ، وإذا كان الله قد تفضل عليهم بالرزق وهم كفار مشركون ، يعبدون الأصنام ، أفيتركهم حيت يدخلون في الإسلام ، قال تعالى : { لإيلاف قريش*إيلافهم رحلة الشتاء والصيف*فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } [ قريش : 1-4 ] .

وقال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } [ العنكبوت : 67 ]

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

قوله تعالى : { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } أرض مكة ، نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقول حق ، ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة . وهو معنى قوله : { نتخطف من أرضنا } والاختطاف : الانتزاع بسرعة . قال الله تعالى : { أولم نمكن لهم حرما آمنا } وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضاً ، وأهل مكة آمنون حيث كانوا ، لحرمة الحرم ، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة ، { يجبى } قرأ أهل المدينة ويعقوب : تجبى بالتاء لأجل الثمرات ، والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث والفعل ، أي : يجلب ويجمع ، { إليه } يقال : جبيت الماء في الحوض أي : جمعته ، قال مقاتل : يحمل إلى الحرم ، { ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ما يقوله حق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

قوله تعالى : " وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " هذا قول مشركي مكة قال ابن عباس : قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن قولك حق ، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ، ونؤمن بك ، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعهم على خلافنا ، ولا طاقة لنا بهم وكان هذا من تعللاتهم فأجاب الله تعالى عما اعتل به . فقال : " أو لم نمكن لهم حرما آمنا " أي ذا أمن وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضا ، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم ، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت ، ومنع عنهم عدوهم ، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم . والتخطف الانتزاع بسرعة . وقد تقدم . قال يحيى بن سلام يقول : كنتم آمنين في حرمي ، تأكلون رزقي ، وتعبدون غيري ، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي . " يجبى إليه ثمرات كل شيء " أي يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد . عن ابن عباس وغيره يقال : جبى الماء في الحوض أي جمعه . والجابية الحوض العظيم وقرأ نافع : " تجبى " بالتاء ؛ لأجل الثمرات والياقوت بالياء ، لقوله : " كل شيء " واختاره أبو عبيد قال : لأنه حال بين الاسم المؤنث وبين فعله حائل وأيضا فإن الثمرات جمع ، وليس بتأنيث حقيقي . " رزقا من لدنا " أي من عندنا " ولكن أكثرهم لا يعلمون " أي لا يعقلون . أي هم غافلون عن الاستدلال وأن من رزقهم وأمنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا ، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم . و " رزقا " نصب على المفعول من أجله . ويجوز نصبه على المصدر بالمعنى ؛ لأن معنى " تجبى " ترزق . وقرئ " يجنى " بالنون من الجنا ، وتعديته بإلى كقولك يجنى إلى فيه ويجنى إلى الخافة{[12377]} .


[12377]:الخافة: العيبة ومنه الحديث "المؤمن كمثل خافة الزرع"