يبايعونك : يعاهدونك على الجهاد والانتصار لدعوتك ، وذلك في بيعة الرضوان بالحديبية .
إنما يبايعون الله : إنما يعاهدون الله ، لأن المقصود من البيعة طاعة الله وامتثال أمره .
يد الله فوق أيديهم : قدرته وقوته فوق قدرتهم وقوتهم ، أو بركة الله ونصرته وتوفيقه فوق أيديهم .
فإنما ينكث على نفسه : فإنما يضر نفسه ، ويوردها موارد الهلكة ، فلا يعود وبال نقضه وضرر نكثه إلا عليه .
عليه الله : قرأ الجمهور بكسر الهاء ، وقرأ حفص برفعها لأنها هاء ( هو ) مضمومة ، فاستصحب ذلك كما في : له ، وضربه .
10- { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } .
تتحدث الآية عن بيعة الرضوان ، عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون لأداء العمرة ، فمنعتهم قريش ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ليعلم أهل مكة بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه جاء معتمرا معظما للبيت ، ولم يأت محاربا ، فاحتبست قريش عثمان ، وأشيع بين المسلمين أن عثمان قد قتل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا نبرح حتى نناجز القوم ) ، واجتمع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحدقوا به ، والتفوا حوله ، وبايعوه على الموت وعلى ألا يفروا ، وكان عدد المسلمين ألفا وأربعمائة مقاتل أو ألفا وخمسمائة مقاتل ، وقد بايعوا جميعا ، ولم يتخلف أحد من المسلمين عن البيعة ، إلا الجد بن قيس ، فكان جابر رضي الله عنه يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته ، قد صبأ إليها يستتر بها من الناس .
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان باطل ، وأن عثمان حي يرزق ، لكن الله سجل أمر هذه البيعة ، وظلت علامة بارزة ، ووساما غاليا ، يذكر لهؤلاء الصحابة تضحيتهم وبيعتهم ، ورغبتهم في نصرة دين الله ، ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وطاعة الله ، والتضحية بالدنيا في سبيل الآخرة وما فيها .
عناية الله تعالى وإكرامه ورضاه عن هؤلاء الرجال ، الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، حتى جعل بيعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي بيعة لله ، فيا للجلال والإكرام في هذا المعنى .
{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله . . . }
لقد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة الرضوان ، على الموت وعلى ألا يفروا ، وكانت هذه البيعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي أيضا بيعة لله ، على بيع النفس وشراء الجنة ، كما قال سبحانه وتعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله . . . } ( التوبة : 111 ) .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . . . } ( الأنفال : 17 ) .
وقوله سبحانه : { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } . ( النساء : 80 ) .
ثم قال تعالى : { يد الله فوق أيديهم . . . }
بركة الله ، وعناية الله ، وتوفيق الله ، وفضل الله ، ورقابة الله ، وقوة الله ، وقدرة الله فوق أيديهم ، بالنصر والرضا والتأييد .
{ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه . . . }
فمن نقض عهده مع الرسول ، وخان الأمانة ، وعدل عن التضحية والفداء ، أو خان بأي نوع من أنواع الخيانة ، فإنما ضرر ذلك يعود على نفسه ، فهو الخاسر المغبون ، لأنه خسر ما أعده الله لهؤلاء الرجال المبايعين ، الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم البيعة : ( أنتم اليوم خير أهل الأرض ) .
{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } .
ومن قام بحق البيعة ووفى بها ، وألزم نفسه طاعة الله ، وطاعة الرسول ، وألزم نفسه بهدى القرآن والسنة ، ولزوم الجماعة والأمة ، فله الثواب العظيم ، والأجر الكريم من الله تعالى ، وأنعم به من أجر عظيم .
وفي معنى ذلك قال سبحانه وتعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } . ( الفتح : 18 ) .
قوله تعالى :{ إن الذين يبايعونك } يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا ، { إنما يبايعون الله } لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة بن الأكوع : " على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ؟ قال : على الموت " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن خالد ، عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج ، عن معقل ابن يسار ، قال : " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس ، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ، ونحن أربعة عشرة مائة ، قال : لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر " . قال أبو عيسى : معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت ، أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل ، وبايعه آخرون ، وقالوا : لا نفر . { يد الله فوق أيديهم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم . وقال السدي : كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه ، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة . قال الكلبي : نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة . { فمن نكث } نقض البيعة ، { فإنما ينكث على نفسه } عليه وباله ، { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } ثبت على البيعة ، { فسيؤتيه } قرأ أهل العراق فسيؤتيه بالياء ، وقرأ الآخرون بالنون ، { أجراً عظيماً } وهو الجنة .
ثم مدح - سبحانه - الذين عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووفوا بعهودهم أكمل وفاء ، فقال : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله . . . } .
وقوله - سبحانه - : { يُبَايِعُونَكَ } من المبايعة أو من البيعة ، بمعنى المعاهدة أو العهد ، وسميت المعاهدة مبايعة ، لاشتمال كل واحد منهما على معنى المبادلة ، وعلى وجوب الصدق والوفاء .
والمراد بهذه المبايعة ، ما كان من المؤمنين فى صلح الحديبية ، عندما عاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الثبات وعلى مناجرة المشركين بعد أن أشيع أنهم قتلوا عثمان - رضى الله عنه - . أى : إن الذين يبايعونك على الموت أو على عدم الفرار عند لقاء عند لقاء المشركين ، إنما يبايعون ويعاهدون الله - تعالى - على ذلك قبل أن يبايعوك أنت ، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته - سبحانه - وامتثال أمره ، كما قال - تعالى - : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } فالمقصود بقوله : { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } تأكيد وجوب الوفاء بما عهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه من الثبات وعدم الفرار ، والطاعة له فى كل ما يأمرهم به .
وقوله - سبحانه - : { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } زيادة فى تأكيد وجوب الوفاء .
ومذهب السلف فى هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات : أنه يجب الإِيمان بها ، وتفويض علم معناها المراد منها إلى الله - تعالى - وترك تأويلها مع تنزيهه - تعالى - عن حقيقتها ، لاستحالة مشابهته - تعالى - بالحوادث ، كما قال - سبحانه - : { كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } أما الخلف فمذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى يليق بجلاله ، فيؤولون اليد هنا بالقوة أو القدرة . أى : قوة الله - تعالى - ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ، كما يقال : اليد فى هذه المسألة لفلان ، أى : الغلبة والنصرة له .
أو المعنى : يد الله - تعالى - بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم . . والمقصود بهذه الجملة - كما أشرنا - زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات .
قال صاحب الكشاف : لما قال - سبحانه - : { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } أكده تأكيداً على سبيل التمثيل ، فقال : { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يريد أن يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التى تعلو أيدى المبايعين : هى يد الله ، والله - تعالى - منزله عن الجوارح وعن صفات الأجسام .
وإنما المعنى : تقرير أن عقد الميثاق من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كعقده مع الله - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الناكثين فقال : { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } أى : فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقه ، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه .
فقوله { نَّكَثَ } مأخوذ من النَّكث - بكسر النون - وهو فك الخيوط المغزولة بعد غزلها ، وقوله : { وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } أى : ومن ثبت على الوفاء بما عاهد الله - تعالى - عليه فسيعطيه - سبحانه - من فضله أجرا عظيما على ذلك .
والهاء فى قوله : { عَلَيْهُ } قرأها حفص بالضم ، توصلا إلى تفخيم لفظ الجلالة ، الملائكة لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام ، وقرأها الجمهور بالكسر .
هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة ، تصرح بأن الذين كانوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت أو على الفرار ، سوى جماعة من المنافقين ، امتنعوا عن هذه البيعة ، لمرض قلوبهم ، وسوء طويتهم . .
ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ، قيل : على أى شئ ؟ قال : على الموت .
وروى مسلم فى صحيح عن جابر بن عبد الله أنه سئل : كم كان عددكم يوم الحديبية ؟ قال : كنا أربع عشرة مائة ، فبايعنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نفر - سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره ، ولم يسرع مع القوم . .
وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم .