{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين( 238 ) فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون( 239 ) }
الوسطى : تأنيت الأوسط ، وهي الفضلى ووسط الشيء خيره وأعدله .
قانتين : القنوت : الطاعة والعبادة وأصله الدوام على الشيء ومن هنا سمى المداوم على الطاعة قانتا .
احرصوا على إقامة الصلوات كلها ، وداوموا عليها واحرصوا على أن تكون صلاتكم هي الصلاة الفضلى بإقامة أركانها ، والإخلاص الكامل لله فيها ، وأتموا طاعة الله تعالى وذكره مخلصين له خاشعين لجلاله .
{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين }
من شأن القرآن الكريم أن يحث على التقوى وطاعة الله بين آيات الأحكام ، حملا للنفوس على امتثال أمر الله وتنفيذ أحكامه بروح طيبة وقلب سليم .
وقد تكررت الدعوة إلى المحافظة على الصلاة في القرآن الكريم ، فهو أول الأركان وهي الصلة بين المخلوق والخالق ، وهي الدواء العلمي والعلاج الروحي لمشاغل الدنيا ، وأمرها المتعددة وفتنتها وملاهيها ، في وسط زحام هذه الحياة يجد المؤمن أن الصلاة واحة وارفة الظلال يتطهر لها بالماء الطهور ، ويقف بين يدي ربه خاشعا خاضعا ، مكبرا لله راكعا ساجدا ، مرتلا لآيات الله القرآن الكريم ، فيخرج من الصلاة وقد تطهرت نفسه وغسلت ذنوبه فيزيده ذلك إيمانا وتصميما على طاعة الله ومرضاته ، قال تعالى : { اتل ما أوحي إليك من أهل الكتاب إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } ( العنكبوت : 45 ) .
والمحافظة على الصلاة تقتضي أداءها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها ، وحضور القلب والخشوع والتدبر والتأمل ، في معنى ما يقول القرآن ، ومن التسبيح والتكبير وبذلك يكون الصلاة وسيلة إلى مرضاة الله ورعايته وعنايته ، كما ورد في الحديث الشريف : " احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده اتجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء كتبه الله لك واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء ما ضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، جفت الأقلام وطويت الصحف "
قال الإمام الرازي : " وقوله تعالى " حافظوا " بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين ، للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب ، فكأنه قيل : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بها ، وهذا كقوله : { فاذكروني أذكركم }( البقرة : 152 ) وفي الحديث : " احفظ الله يحفظك " أو أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة ، فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة ، بمعنى أنها تحفظك من ارتكاب المعاصي ، وتشفع لمصليها يوم القيامة( 286 ) .
والصلاة الوسطى : والصلاة الوسطى هي إحدى الخمس ، وقد اختلفوا في تحديدها . وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولا ، أوردها الشوكاني في " نيل الأوطار " أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر ، لحديث عن أحمد ومسلم وأبى داود مرفوعا " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " . ( 287 ) .
وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى الصبح ، ويل صلاة الظهر وقيل صلاة المغرب ، وقيل العشاء وقيل الجمعة ، وقال بعضهم إنها غير معروفة ، وأن الله تعالى أبهم الصلاة الفضلى التي ثوابها أكثر ليحافظ المؤمن على كل صلاة( 288 ) .
قال ابن كثير : وكل هذه الأقوال فيها ضعف ، بالنسبة إلى التي قبلها ومعترك النزاع في الصبح والعصر ، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها أي إلى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر .
وخصت صلاة العصر بالذكر ، لأنها تقع وقت اشتغال بعض الناس بالعمل ، أو لأنها وقت الراحة والكسل ، بالنسبة إلى طائفة أخرى من الناس ، أو لأنها في ختام صلاة النهار ، وزحمة أعمال اليوم ، فهي فرصة أخيرة في النهار يناجي فيها المؤمن ربه ، ويذكره بلسانه وقلبه ويتفرغ لمناداته ومناجاته عبادته .
{ وقوموا لله قاتمين } اتجهوا إلى الله عابدين خاشعين متبتلين ، ففي هذا القنوت سعادة الأرواح وشفاء النفوس وسلامة الظاهر والباطن ، فمن وجد الله وجد كل شيء ومن فقد الله فقد كل شيء .
قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } . أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها ، وحدودها وإتمام أركانها ، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها ، دلالة على فضلها ، و " وسطى " تأنيث " الأوسط " ، ووسط الشيء : خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم : هي صلاة الفجر ، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر ، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد ، وإليه مال مالك والشافعي ، لأن الله تعالى قال : ( وقوموا لله قانتين ) والقنوت طول القيام ، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام ، وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلاة فقال الله تعالى : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) ، يعني تشهدها ملائكة الليل ، وملائكة النهار ، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار ، ولأنها بين صلاتي جمع ، وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها . وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر ، وهو قول زيد بن ثابت ، وأبي سعيد الخدري وأسامة ابن زيد ، لأنها وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول .
أخبرنا عمر بن عبد العزيز ، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي اللؤلؤي ، أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى ، أنا محمد بن جعفر ، أنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم قال : سمعت الزبير يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) .
وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر ، رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك بن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين ) قالت عائشة رضي الله عنها : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنا أبو جعفر الرياني ، أنا حميد بن زنجويهن أخبرنا أبو نعيم ، أنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن جحش قال : قلنا لعبيدة : سل علياً عن الصلاة الوسطى . فسأله قال : كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً " .
ولأنها صلاتي نهار ، وصلاتي ليل ، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال : بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " . وقال قبيصة بن ذؤيب : هي صلاة المغرب لأنها وسط ، ليس بأقلها ولا بأكثرها ، وقال بعضهم : إنها صلاة العشاء ، ولم ينقل عن السلف فيها شيء ، وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتي لا تقصران . وقال بعضهم هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها ، أبهمها الله تعالى تحريضاً للعباد على المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها .
قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } . أي مطيعين ، قال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس ، والقنوت : الطاعة ، قال الله تعالى ( أمة قانتاً لله ) أي مطيعاً . وقال الكلبي ومقاتل : لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين ، وقيل : القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة . أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن سقيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وقال مجاهد : خاشعين ، وقال : من القنوت طول الركوع ، وغض البصر والركود وخفض الجناح ، كان العلماء إذ كان أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً ، وقيل : المراد من القنوت طول القيام .
أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر ، أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل ؟ قال : " طول القنوت " . وقيل : قانتين أي داعين . دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً يدعو على أحياء من سليم ، على رعل وذكوان وعصية " وقيل : معناه مصلين لقوله تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ) أي مصل .