{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( 29 ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) } .
الجزية : هي ضريبة لنا على أهل الكتاب ؛ جزاء حمايتهم وحقن دمائهم .
عن يد وهم صاغرون : أي : عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون .
29 – { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ . . . } الآية .
يأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بقتال أهل الكتاب ، بعد ما أمرهم من قبل بقتال المشركين ، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أو عمرة .
والغاية من قتال أهل الكتاب في هذه الآية : هي اعترافهم بالدين الحق ، وعدم إلزامهم بالدخول فيه ؛ والاكتفاء بالتصالح معهم ؛ ليستوطنوا في دار الإسلام بأمان وسلام ، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية والجزائية ، وما عدا ذلك فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون به في عباداتهم وشئونهم ، مع أخذ الجزية منهم جزاء حمايتهم ، وتوفير الأمن والأمان لهم ، ويصبحون عند ذلك من أهل الذمة والعهد40 .
" هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وكان ذلك سنة تسع ؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى إحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فخرجوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ وحر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ونزل بها ، وأقام بها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك ؛ لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " 41 .
والمعنى : قاتلوا أهل الكتاب إلى أن يستسلموا ويدفعوا الجزية ، عن مقدرة عليها منهم ، وفي نفس الوقت عن عرفان منهم بمقدرة المسلمين وكفاءتهم ؛ ونلاحظ أن الآية بينت أسباب قتال أهل الكتاب وهي ثلاثة أسباب :
1 – عبرت عنهم باسم الموصول فقالت :
{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . }
وأهل الكتاب يدّعون أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر ، لكنهم ادعوا أن لله ولدا ، وادعوا أن الله ثالث ثلاثة .
جاء في حاشية الجمل على الجلالين :
إن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ، ولا يشربون ولا ينكحون ، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار ، معان روحية فقط كالسرور والهم ، فهم لا يؤمنون بحياة مادية كاملة في عالم الآخرة ، وهذا مناف لما أخبر به القرآن ، ومن أنكر البعث الجسماني ؛ فقد أنكر صريح القرآن42 .
2 – { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } .
فهم لا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ، عليهما السلام بل حرفوا التوراة والإنجيل ، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم .
فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل .
قال تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } . ( النساء : 161 ) .
والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور ، وقد استحلوا الرهبانية ، وفسق بعضهم بها عن حكم الله وهدايته .
قال تعالى : { ثم قفينا على آثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتينه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . ( الحديد : 27 ) .
أي : الدين الثابت الناسخ لجميع الأديان وهو دين الإسلام .
قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } . ( المائدة : 3 ) .
وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } . ( آل عمران : 85 ) .
ويصح أن يكون المراد بدين الحق : ما يشمل دين الإسلام ، وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون . أي : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم43 .
أي : الذين أعطاهم الله التوراة وهم اليهود ، أو الإنجيل وهم النصارى .
والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإنجيل . أي : قاتلوا من أعطاهم الله التوراة والإنجيل عن طريق موسى وعيسى ، ولكنهم لم يعملوا بتعاليمها ؛ وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم ، والمقصود بقوله : { من الذين أوتوا الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ؛ لأن عبدة الأوثان في بلاد العرب يخيرون بين أمرين الإسلام أو القتال .
أما أهل الكتاب فإنهم يخيرون بين ثلاثة أشياء : الإسلام ، أو القتال ، أو الجزية .
والجزية : كلمة فارسية هي( كزيت ) ؛ وكانت نظاما معولا به عند الفرس وغيرهم .
وقد عمل به الإسلام ؛ لمن أراد البقاء على دينه من أهل الكتاب ؛ فأعفاه الإسلام من دخول الجيش أو الدفاع عن الدولة ، حيث إنه لا يعتقد بعقيدة الإسلام ، فأعفاه الإسلام من الاشتراك في الجندية ، وأخذ منه ما يشبه البدل النقدي الذي يؤخذ من بعض المتخلفين عن الخدمة في الجيش في هذه الأيام .
وقد اشترط الإسلام على المسلمين حماية أهل الذمة ، والدفاع عنهم مقابل أخذ الجزية ، فإذا لم يستطع المسلمون الدفاع عن أهل الكتاب ، ردوا عليهم الجزية .
وقد فعل ذلك خالد بن الوليد حين شغل بالقتال ، عن الدفاع عن بعض أهل الكتاب فرد عليهم الجزية ، وقال : إنما أخذنا الجزية جزاء حمايتكم والدفاع عنكم ، فإذا شغلنا عنكم رددنا الجزية لكم ، فاعترف أهل الكتاب له بالشكر وبحسن المعاملة .
{ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
أي : أن الغاية من قتال أهل الكتاب ، هو اتفاقهم مع المسلمين ، والاعتراف لهم بحقهم ، وإن لم يدخلوا في الإسلام ؛ فإذا دخلوا مع المسلمين في معاهدة ، أصبحت لهم ذمة الله ورسوله ؛ ولذلك كانوا يسمون : أهل الذمة ؛ أي : أهل المعاهدة .
وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء ؛ لما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على مسلم جزية " 44 .
وفي رواية للطبراني : عن ابن عمر " من أسلم فلا جزية عليه " 45 .
جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، ص 1689 ما يأتي :
( أ )اليد هنا يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد ، أي : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وانقياد وطاعة .
( ب )ويحتمل أن تكون كناية عن الدفع نقدا بدون تأجيل ، أي : حتى يعطوها نقدا بدون تسويف أو تأخير .
( ج )ويحتمل أن تكون بمعنى : الغنى ، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز من أهل الكتاب والمعنى : حتى يدفعوا الجزية عن مقدرة منهم على دفعها ، مع الاعتراف للمسلمين بالسيادة .
وهذه المعاني الثلاثة إذا أريد باليد : يد الكتابي ، أما إذا أريد باليد : اليد الآخذة وهي يد الحاكم المسلم ؛ ففي هذه الحالة يكون معناها : القوة والقهر والغلبة والحماية .
أي : حتى يعطوها للمسلمين عن يد قاهرة مستولية ؛ وهي يد المسلمين ، أو حتى يعطوها للمسلمين عن يد من المسلمين . أي : إنعام من المسلمين عليهم ؛ لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم له نعمة عظيمة46 .
وجاء في تفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي ما يأتي :
{ وهم صاغرون } : وهم خاضعون لولايتكم عليهم ؛ وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى : وهم صاغرون أنهم يؤدونها في ذلة وانكسار ومهانة .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
تؤخذ منهم على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس ، وأن يتلتل تلتلة ، ويؤخذ بتلابيبه ويقال له : أد الجزية ، ويدفع في قفاه47 .
وقال السيوطي : استدل بقوله تعالى : وهم صاغرون من قال : إنها تؤخذ بإهانة بأن يجلس الآخذ ؛ ويقوم الدمي يطأطئ رأسه ، ويحني ظهره . . . إلخ .
وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ؛ ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه .
والصواب في الآية : أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم وإعطاء الجزية فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعي48 .
ونرى أن كلام الإمام ابن القيم أقرب إلى المعقول والمنقول ؛ ويتفق مع عدالة الإسلام وسماحته ورحمته بالناس أجمعين خاصة ونحن في زمن صار العالم كله قرية واحدة ، وصار بعضهم يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ، وديننا هو الذي كرم إنسانية الإنسان ؛ فقد خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، واستخلفه في إعمار الأرض ، وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني ءادم } .
لم يحدد القرآن مقدار الجزية ، وقد اختلف الفقهاء في تقديرها .
( أ ) قال الشافعي : هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين ، وإن صولحوا على أكثر من دينار ؛ جاز لهم وتؤخذ في آخر السنة49 .
( ب )وقال المالكية : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب ؛ وأربعون درهما على أهل الفضة ، الغني والفقير سواء .
( ج )وقال الحنفية : 12 درهما على الفقراء الذين لهم كسب ، 24 درهما على الأوساط ، 48 درهما على الأغنياء ؛ وتؤخذ في أول السنة ، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له50 .
ولعلك بالتأمل ترى أن الجزية عطاء مرتبط بقوة المسلمين ، وقدرتهم على حماية أهل الكتاب والدفاع عنهم .
هذا أمر متغير متقلب ونسبة الجزية تتأثر بمدى قوة المسلمين ومدى ضعف الآخرين . وربما كان من المناسب أن نقول : إن مقدار الجزية يترك تقديره إلى كل حالة بما يناسبها ، أو إلى تقدير أهل الحل والعقد .
وتقدير الحنفية أقرب إلى روح العصر ؛ لأنها تراعي حالة الكتابي من الفقير أو الغني وتؤخذ منه حسب حالته .
ذكر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة التوبة : أن العلماء قد أخذوا من هذه الآية الأحكام الآتية :
1 – إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء ؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركي العرب فلا يخيرون إلا بين الإسلام أو القتال .
وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ؛ فقال الشافعي : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجما ؛ لهذه الآية ؛ فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ؛ لقوله تعالى : في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . لم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .
وقال الشافعي : وتقبل من المجوس لحديث " سنوليهم سنة أهل الكتاب " أي : في أخذ الجزية منهم .
وبه قال أحمد وأبو ثور : وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .
وقال الأوازعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .
وكذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيّا أو قرشيا ، كائنا من كان إلا المرتد51 .
2 – إن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم ، ومقدساتهم . . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها ؛ وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة .
وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد : " وينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم – والتفقد لهم ؛ حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنه قال : " من ظلم من أمتي معاهدا أو كلفه فوق طاقته ؛ فأنا حجيجه " .
وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم52 .
وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإسلام " :
وأن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ودان ملوكهم بالإسلام ، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإسلام : لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له53 .
وجاء في كتاب " الإسلام والنصرانية " للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه :
" . . . الإسلام كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها ؛ لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرارا ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة .
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العبّاد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .
جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما له من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .
واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام . ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .
ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم – بعد العجز عن إخراجهم من دينهم – طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار من آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا .
ولا يمنع غير المسيحي من تعدي المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شاهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .
ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشيء من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .
قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } ، قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم ، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك . وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود ، فصالحهم وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام ، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين . قال الله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ، فإن قيل : أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ؟ قيل : لا يؤمنون كإيمان المؤمنين ، فإنهم إذا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله ، لا يكون ذلك إيمانا بالله .
قوله تعالى : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق } ، أي : لا يدينون الدين الحق ، أضاف الاسم إلى الصفة . وقال قتادة : الحق هو الله ، أي : لا يدينون دين الله ، ودينه الإسلام . وقال أبو عبيدة : معناه لا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق .
قوله تعالى : { من الذين أوتوا الكتاب } ، يعنى : اليهود والنصارى .
قوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية } ، وهى الخراج المضروب على رقابهم ،
قوله تعالى : { عن يد } ، عن قهر وذل . قال أبو عبيدة : يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس : أعطاه عن يد . وقال ابن عباس : يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم . وقيل : عن يد أي : عن نقد لا نسيئة . وقيل : عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم ، " وهم صاغرون " ، أذلاء مقهورون . قال عكرمة : يعطون الجزية عن قيام ، والقابض جالس . وعن ابن عباس قال : تؤخذ منه ويوطأ عنقه . وقال الكلبي : إذا أعطى صفع في قفاه . وقيل : يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمته . وقيل : يلبب ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف . وقيل : إعطاؤه إياها هو الصغار . وقال الشافعي رحمه الله : الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم . واتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتابين ، وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربا . واختلفوا في الكتابي العربي وفى غير أهل الكتاب من كفار العجم ، فذهب الشافعي : إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب ، فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ، ولا تؤخذ من أهل الأوثان بحال ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أكيدر دومة ، وهو رجل من العرب يقال : إنه من غسان ، وأخذ من أهل ذمة اليمن ، وعامتهم عرب . وذهب مالك والأوزاعي : إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد . وقال أبو حنيفة تؤخذ من أهل الكتاب على العموم ، وتؤخذ من مشركي العجم ، ولا تؤخذ من مشركي العرب . وقال أبو يوسف : لا تؤخذ من العربي ، كتابيا كان أو مشركا ، وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا . وأما المجوس : فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول : لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب . وفى امتناع عمر رضي الله عنه عن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ، دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك ، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب . واختلفوا في أن المجوس : هل هم من أهل الكتاب أم لا ؟ فروي عن علي رضي الله عنه قال : كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا ، وقد أسري على كتابهم ، فرفع من بين أظهرهم . واتفقوا على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف أهل الكتابين . أما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين نظر : إن دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل يقرون بالجزية ، وتحل مناكحتهم وذبائحهم ، وإن دخلوا في دينهم بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لا يقرون بالجزية ، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم ، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله : يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم ، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم تغليبا للتحريم ، فمنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء بني تغلب ، أقرهم عمر رضي الله عنه على الجزية ، وقال : لا تحل لنا ذبائحهم . وأما قدر الجزية : فأقله دينار ، لا يجوز أن ينقص منه ، ويقبل الدينار من الفقير والغني والوسط لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، حدنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدنا أبو عيسى الترمذي ، حدنا محمود بن غيلان ، ثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر " . فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم ، أي بالغ دينار أو لم يفصل بين الغني والفقير والوسط ، وفيه دليل على أنها لا تجب على الصبيان وكذلك لا تجب على النسوان ، إنما تؤخذ من الأحرار العاقلين البالغين من الرجال . وذهب قوم إلى أنه على كل موسر أربعة دنانير ، وعلى كل متوسط ديناران ، وعلى كل فقير دينار ، وهو قول أصحاب الرأي .