تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

المفردات :

يضاهئون : المضاهأة والمضاهات : المشابهة .

أنى يؤفكون : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .

30 – { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . . . } الآية .

في هذه الآية وما بعدها يكشف الله سبحانه عن الشبه التي وردت على أهل الكتاب ، فأفسدت عليهم دينهم ؛ وأدخلتهم في مداخل المشركين أو الكافرين ، فوصفوا بقوله تعالى في الآية السابقة : { ولا يدينون دين الحق } .

{ وقالت اليهود عزير ابن الله } .

ذلك أنه مر على قرية قديمة ، قبورها دارسة ، وقد عمها الصمت والسكون والموت ؛ فقال : { أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه . . . } فلما رآه اليهود ؛ قالوا : عزيرا ابن الله ؛ لأن الله بعثه بعد موته .

وقيل : إن التوراة قد ضاعت أيام الأسر البابلي ، فلما عاد اليهود من الأسر ، وأعادوا بناء الهيكل ؛ لم يجدوا التوراة ، وكان عزير أو عزرا قد ملأ الله صدره نورا ؛ فإذا التوراة محفوظة في قلبه ، تجري كلماتها على لسانه . ثم جمع أحبارهم وأملى عليهم التوراة من حفظه ؛ وحدت بعد هذا أن عثروا على التوراة الضائعة ، فقارنوا بها ما أملاه عزرا فإذا هي هي ، كان عندهم عزرا كائنا علويا سماويا فنسبوه إلى الله وجعلوه ابنا له .

والمحققون من المؤرخين يقولون : إن عزيرا( عزرا ) ، جمع محفوظات من صدور القوم ؛ ومن أوراق متناثرة وسماها : التوراة ، ولا يوجد دليل على أنها طبق الأصل ؛ فإن الأصل مفقود ، كما أن فيها وصف الله بما لا يليق به ، كالندم والضعف أمام إسرائيل ، وغير ذلك مما يقطع بوضعها54 .

وقال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :

جاء في دائرة المعارف اليهودية الإنكليزية – طبعة 1903 – أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية ، الذي تفتحت فيها أزهاره ، وعبق شذا ورده ، وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة .

{ وقالت النصارى المسيح ابن الله } .

أي : أن النصارى قالوا في المسيح عيسى ابن مريم ما قالته اليهود في عزير ؛ فقد قالوا : إنه ابن الله ، وشبهتهم في ذلك أن المسيح قد ولد من رحم امرأة دون أن تتصل برجل .

وقد فصل القرآن القول في ذلك في سورة مريم ، وآل عمران وغير ذلك من السور ؛ فالمسيح قد خلق بقدرة الله ، وأراد الله أن يجعل منه آية على هذه القدرة .

فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من أب دون أم ، وخلق المسيح من أم دون أب ؛ قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 ) .

وقد رد الله على النصارى وناقشهم ، ودحض حجتهم في آيات كثيرة . أحيانا حاكمهم إلى العقل فبين أن المسيح بشر جعله الله رسولا ، وما ينبغي لبشر أن يرسله الله ثم يدعي هذا البشر الألوهية ويطلب من الناس أن يعبدوه هو ؛ بل ينبغي للرسول الأمين ؛ أن يدعو الناس إلى عبادة الله رب الجميع .

قال تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } . ( آل عمران : 79 ) .

وأحيانا خاطب العقل مع العاطفة والوجدان مثل قوله تعالى :

{ وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . ( مريم : 88 - 95 ) .

كذلك فإن المسيح أعطاه الله معجزات تؤيد رسالته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، فقالوا : إن المسيح ما كان يستطيع أن يفعل ذلك إلا لأنه ابن الله .

وفي القرآن : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء . . . }( الأنعام : 101 ) .

أي : كيف يكون لله ولد مع أنه لا زوجة له ؟ ! وجهلوا أن ميلاد عيسى كان بأمر الله : { قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . ( مريم : 21 ) .

كما أن معجزات عيسى لتأييد نبوته ؛ كان شأنها كشأن معجزات الأنبياء السابقين ، كناقة صالح ، وعصا موسى ؛ هي بمثابة تصديق الله له في دعواه الرسالة .

{ ذلك قولهم بأفواههم } . أي : هو قول يلقى على عواهنه ؛ مجرد كلام ، لم يحتكم فيه إلى عقل أو منطق . . . إنه كلام . . . لا أكثر ليس بينه وبين الحق نسب .

قال الشوكاني في فتح القدير :

{ ذلك قولهم بأفواههم } .

أي : إن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ، ولا عضده برهان ، كان مجرد دعوى ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه ؛ غير مفيدة لفائدة يعتد بها .

{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } .

يشابهون بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم : اللات والعزى ومناة بنات الله ، والملائكة بنات الله .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن :

ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل ، كل من سبق اليهود والنصارى ؛ من الذين كانوا يعتقدون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا يعبد من دون الله ، أو يعبد مع الله ، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان في توليد الآلهة ، بعضهم من بعض ، وكما كان يعتقد الفراعنة في آلهتهم ، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية ، وكما يعتقد المعتقدون في بوذا وأنه مولود إلهي ا ه .

وجاء في تفسير المنار :

وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب : أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس .

وهذه الحقيقة التاريخية – والتي بينها القرآن في هذه الآية – من معجزاته ؛ لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان55 .

والمعنى : إن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم : { عزير ابن الله } . وقال البعض الآخر : { المسيح ابن الله } .

ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ؛ ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم56 .

{ قاتلهم الله } . أي : لعنهم الله ، أو طردهم من رحمته ورضوانه ، أو أهلكهم الله ؛ لأن من قاتله الله ؛ هلك روى ابن جرير عن ابن عباس أن معنى قاتلهم الله لعنهم الله ؛ وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .

والمقصود من هذا التعبير : التعجب من شفاعة قولهم حكى النقاش أن أصل قاتله الله : الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر . وهم لا يريدون الدعاء ، وأنشد الأصمعي :

يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني *** وأخبر الناس أنى لا أباليها

{ أنى يؤفكون } .

كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه ؟ !

{ ويؤفكون } . من الإفك بمعنى : الانصراف عن الشيء ؛ والابتعاد عنه ، يقال : أفكه عن الشيء يأفه إفكا ؛ أي : صرفه عنه وقلبه ، ويقال : أفكت الأرض إفكا ، أي : صرف عنها المطر .

والغرض من الاستفهام هنا : التعجب والتوبيخ .

أي : إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم ، فالمسيح بشر يأكل الطعام ، وتجري عليه أحكام البشر ، فكيف يكون إلها ؟ !

قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } . ( المائدة : 75 ) .

وقال سبحانه : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } . ( النساء : 172 ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

قوله تعالى : { قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } ، روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود : سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله ؟ فأنزل الله عز وجل : { وقالت اليهود عزير ابن الله } . قرأ عاصم والكسائي ويعقوب عزير بالتنوين والآخرون بغير تنوين ، لأنه اسم أعجمي ويشبه اسما مصغرا ، ومن نون قال : لأنه اسم خفيف ، فوجهه أن يصرف ، وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط . واختار أبو عبيدة التنوين وقال : لأن هذا ليس بمنسوب إلى أبيه ، إنما هو كقولك زيد ابن الأمير وزيد ابن أختنا ، فعزيز مبتدأ وما بعده خبر له . وقال عبيد بن عمير : إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء ، وهو الذي قال : { إن الله فقير ونحن أغنياء } [ آل عمران – 181 ] . وروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنما قالت اليهود عزير ابن الله من أجل أن عزيرا كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم ، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فرفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم ، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم ، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه ، وقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة وردها إلي ! فعلق به الناس يعلمهم ، فمكثوا ما شاء الله تعالى ، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم ، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله ، فقالوا : ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله .

وقال الكلبي : أن يختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة ، وكان عزير إذ ذاك صغيرا ، فاستصغره فلم يقتله ، فلما رجع بنو إسرائيل إلى البيت المقدس وليس فيهم مائة سنة ، يقال : أتاه ملك بإناء فيه ماء ، فسقاه ، فمثلت التوراة في صدره ، فلما أتاهم قال : أنا عزير ، فكذبوه وقالوا : إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ؟ فكتبها لهم ، ثم إن رجلا قال : إن أبي حدثني عن جدي ، أن التوراة جعلت في خابية ، ودفنت في كرم ، فانطلقوا معه حتى أخرجوها ، فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا ، فقالوا : إن الله يقذف التوراة في قلب رجل إلا أنه ابنه ، فعند ذلك قالت اليهود : عزير ابن الله وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله ، وكان السبب فيه أنهم كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه السلام يصلون إلى القبلة ، ويصومون رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال به بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ، ثم قال لليهود : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا به والنار مصيرنا ، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة دخلنا النار ، فإني أحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار ، وكان له فرس يقال له العقاب يقاتل عليه فعرقب فرسه وأظهر الندامة ، ووضع على رأسه التراب ، فقال له النصارى : من أنت ؟ قال : بولص عدوكم ، فنوديت من السماء : ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، وقد ثبت . فأدخلوه الكنيسة ، ودخل بيتا سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ، ثم خرج وقال : نوديت أن الله قبل توبتك ، فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس ، واستحلف عليهم نسطورا وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوات والناسوت ، وقال : لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم ، ولكنه ابن الله ، وعلم ذلك رجلا يقال له يعقوب ثم دعا رجلا يقال له ملكان فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا ، وقال لكل واحد منهم : أنت خالصتي ، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني . وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي ، فادع الناس إلى نحلتك . ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال : إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى ، فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد طائفة من الناس ، فاختلفوا واقتتلوا فقال الله عز وجل : { وقالت النصارى المسيح ابن الله } .

قوله تعالى : { ذلك قولهم بأفواههم } ، يقولون بألسنتهم من غير علم . قال أهل المعاني : لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا .

قوله تعالى : { يضاهئون } ، قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا ، والآخرون بضم الهاء غير مهموز ، وهما لغتان يقال : ضاهيتة وضاهأته ، ومعناهما واحد . قال ابن عباس رضي الله عنه : يشابهون . والمضاهاة المشابهة . وقال مجاهد : يواطئون . وقال الحسن : يوافقون .

قوله تعالى : { قول الذين كفروا من قبل } ، قال قتادة والسدي : ضاهت النصارى قول اليهود من قبل ، فقالوا : المسيح ابن الله ، كما قالت اليهود عزير ابن الله ، وقال مجاهد : يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ومناة بنات الله . وقال الحسن : شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة كما قال في مشركي العرب : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [ البقرة-188 ] . وقال القتيبي : يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولهم ، { قاتلهم الله } ، قال ابن عباس : لعنهم الله . وقال ابن جريح : أي : قتلهم الله . وقيل : ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب .

قوله تعالى : { أنى يؤفكون } ، أي : يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه .