قائم على كل نفس : رقيب ومهين عليها .
{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء . . . }الآية .
هذا الاستفهام إنكاري وجوابه محذوف دل عليه السياق ، والمراد من الآية : الإنكار على الكفار اتخاذ الشركاء لله ، وعبادتهم آلهة لا تضر ولا تنفع ، وقد ترقى القرآن في مناقشتهم في هذه الآية ، فبدأ بهذا ، الاستفهام الإنكاري : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ، أي : حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة ، يعلم ما يعمل العاملون من خير أو شر ولا تخفى عليه خافية ، فهو سبحانه : { يعلم السر وأخفى } . ( طه : 7 ) ، { وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } . ( الحديد : 4 ) ، أفمن كان كذلك يشبه الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تجيب ؟ ! .
والمراد : نفي المماثلة بين الخالق الرازق النافع المحيي المميت ، وبين الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تجيب .
{ وجعلوا لله شركاء قل سموهم } . أي : قل لهم أيها الرسول : اذكروا أسماءهم وصفاتهم التي جعلتم في نظركم يستحقون العبادة مع الله .
{ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } . أي : بل أتخبرون الله بشركاء زاعمين : استحقاقها للعبادة ، وهو لا يعلمها في أرضه ، مع أنه العليم بكل شيء ، ولا تغيب عن علمه ذرة في الأرض ولا في السماء .
{ أم بظاهر من القول } . بل أتخبرونه عن ألوهيتها بظاهر من القول ليس له حقيقة واقعة ، وليس له ظل في الخارج ، فكلامكم قول باطل كاذب ، تقولونه بأفواهكم فقط ، وليس لله شريك أبدا .
{ بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل } .
وبل هنا للإضراب ، ونلمح هنا التدرج في الإضراب على ألطف وجه ؛ فبعد أن عددت الآية عددا من الأساليب البديعة على ضلال الكافرين ، وانتقلت من الخبر إلى التحدي بتسمية الشركاء ، إلى الاستفهام الإنكاري ، انتقلت إلى بيان حقيقتهم فقالت : دع عنك أيها الرسول مجادلتهم ؛ لأنه لا فائدة من ورائها ؛ فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان مكرهم ، وكيدهم للإسلام وأتباعه ، كما أن رؤساءهم في الكفر شجعوهم على هذا الباطل ، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم .
{ ومن يضلل الله فماله من هاد } . أي : من يسلب عنه الهدى بسبب ضلاله وإعراضه ؛ فلن يجد هاديا يهديه ، كما قال سبحانه : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } . ( المائدة : 41 ) ، وقال سبحانه : { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ومالهم من ناصرين } . ( النحل : 37 ) .
فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ورفعه{[44248]} السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره أمر ما ، وتحرر أن كل أحد في قبضته ، تسبب عن ذلك أن يقال : { أفمن هو قائم } ولما كان القيام دالاً على الاستعلاء أوضحه بقوله : { على كل نفس } أي صالحة وغيرها{[44249]} { بما كسبت } - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما - كمن ليس كذلك ، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلاً{[44250]} .
ولما كان الجواب قطعاً : ليس كمثله شيء ، كان كأنه قيل استعظاماً لهذا السؤال : من الذي توهم أن له مثلاً ؟ فقيل : الذين كفروا به{[44251]} { وجعلوا لله } أي الملك الأعظم { شركاء } ويجوز أن يقدر ل " من " خبر معناه : لم يوحدوه{[44252]} ، ويعطف عليه { وجعلوا } ، فكأنه قيل : فماذا{[44253]} يفعل بهم ؟ فقيل : { قل سموهم } بأسمائهم الحقيقية ، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو{[44254]} مركز العجز ومحل الفقر ، عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء ، ثم قل لهم : أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده { أم تنبئونه } أي تخبرونه إخباراً عظيماً { بما لا يعلم } وعلمه{[44255]} محيط بكل شيء { في الأرض } من كونها آلهة ببرهان قاطع .
{ أم بظاهر من القول } أي بحجة إقناعية{[44256]} تقال بالفم ، وكل ما لا يعلمه فليس بشيء ، وهذا قريب مما مضى في قوله{ أم جعلوا لله{[44257]} شركاء خلقوا كخلقه }[ الرعد : 16 ] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما ، وهذه الأساليب منادية{[44258]} على الخلق بالعجز ، وصادحة{[44259]} بأنه ليس من كلام الخلق .
ولما كان التقدير : ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر ، بنى عليه قوله : { بل زين } أي{[44260]} وقع التزيين بأمر من{[44261]} لا يرد أمره على يد من كان { للذين كفروا } أي لهم ، وعبر بذلك تنبيهاً على الوصف الذي دلاهم{[44262]} إلى اعتقاد الباطل ، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل { مكرهم } أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره ، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقاً ، وهم يعلمون بطلان ذلك ، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء ، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم ، وهم{[44263]} لا يعتقدون بعثا ولا نشورا ، {[44264]} فصار كل{[44265]} ذلك من فعلهم فعل الماكر ، أو{[44266]} أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا به الضعفاء{[44267]} وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقاً .
ومادة مكر{[44268]} بأي ترتيب كان{[44269]} : مكر ، ركم ، رمك ، كرم ، كمر ؛ تدور على التغطية والستر ، فالمكر : الخديعة ، قالوا : وهو الاحتيال بما لا يظهر{[44270]} ، فإذا ظهر{[44271]} فذلك الكيد ، ويلزم{[44272]} منه الاجتهاد في ضم أشتات{[44273]} الأمر لستر ما يراد ، فمن الضم المكر{[44274]} الذي هو حسن{[44275]} خدالة الساق أي امتلائها ، ويلزم منه خصب البدن ونعمته ، وكان منه المكر - لضرب من النبات ، والواحدة مكرة ، سميت مكرة لارتوائها ، أبو حنيفة : المكر من عشب القيظ ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق ، وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه لغبرته{[44276]} وتجرده كالمستور{[44277]} ، والمكر : طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك لما فيه من الكدرة ، والمكرة من البسر : التي ليست برطبة ولكن فيها لين{[44278]} - كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة ؛ والركم : إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو مركوم وركام ، وتراكم الشيء{[44279]} - إذا تكاثف بعضه على بعض ، وذلك مظنة الخفاء ، والركمة : الطين المجموع و{[44280]} كذا التراب المجموع{[44281]} ، وقال : وجُز عن مرتَكم الطريق{[44282]} - يريد المحجة ، لأن ترابها تلبد فاشتد{[44283]} تلبده ، والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون خالطت{[44284]} غبرته سواداً{[44285]} ، فهو أرمك - لأنه مظنة لخفاء ما فيه ، ومنه اشتقاق الرامك ، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكّاً{[44286]} ، ورمك الرجل بالمقام - إذا أقام{[44287]} به ، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه ، وأرمكت غيري - إذا ألزمته مكاناً يقيم فيه{[44288]} ، والرمكة : الأنثى من البراذين{[44289]} - فارسي معرب ، لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته ، ورمكان : موضع معروف - معرفة{[44290]} ، ويقال : رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستوراً بعد أن كان بحسن حاله مشهوراً ، ورمكت البازي والصقر{[44291]} ترميكاً - إذا أشرت إليه بالطير لأنك سلبت عنه الستر ؛ واليرموك : مكان به لهب عظيم{[44292]} ، يستر ما يكون فيه ؛ والكريم : ضد اللئيم ، وهو البخيل المهين النفس ، والخسيس الآباء ، فإذا كان شحيحاً ولم تجتمع له{[44293]} هذه الخصال قيل له : بخيل ، ولم يُقل : لئيم ، فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها ، وتكرّم - إذا تنزه عن الدناءة ورفع نفسه عنها ، وأصل الكرم في اللغة : الفصل والرفعة ، فإذا قالوا : فلان كريم ، فإنما يريدون{[44294]} رفيعاً فاضلاً ، فيلزم الكرم ستر العيوب ، والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة ، وقيل : الصفوح عن الذنوب ، وقيل : الذي لا يمن إذا أعطى ، وإذا قالوا{[44295]} : فلان أكرم قومه ، فإنما يريدون{[44296]} : أرفعهم منزلة وأفضلهم قدراً ، وكل هذا يلزم منه{[44297]} السخاء وستر{[44298]} الذنوب ، ومن هذا قيل : فرس كريم ، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها وأفضل ، إني ألقي إليَّ كتاب{[44299]} كريم }[ النحل :29 ] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل تشبيهاً بالكريم في جزء المعنى ، وكارمت الرجل : فعل كل منا في حق صاحبه مقتضى الكرم ، والكرم : شجر العنب ولا يسمى به غيره ، والكروم : قلائد تتخذها النساء كالمخانق ، لدلالتها{[44300]} {[44301]} على قدر{[44302]} صاحبتها ، والكرامة : طبق يوضع على رأس الحب - لأنه غطاءه ، ولا يغطى إلا ما له فضل ، ومنه{[44303]} يقولون : لك الحب والكرامة ، والكرم : القصير من الرجال - كأنه{[44304]} شبه بطبق الحب ؛ والكمرة - محركة : طرف قضيب الإنسان خاصة ، سميت بذلك لسترها القلفة ، ورجل مكمور - إذا قطع الخاتن كمرته ، وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما{[44305]} ، وقال في القاموس : وتكامرا : نظرا أيهما أعظم كمرة ، والكمري : الرطب ما لم يرطب على شجره ، بل سقط{[44306]} بسراً فأرطب{[44307]} في الأرض - كأنه سمي{[44308]} بذلك لأنه يكون أكدر مما{[44309]} يرطب على الشجر ، وهو أيضاً يشبه الكمرة في تكوينها ، والكمري عن ابن دريد{[44310]} : الرجل القصير ، كأنه شبه بالرطبة ، وقال غيره : هو اسم مكان .
ولما ذكر تزيين مكرهم ، أتبعه الدلالة عليه فقال : { وصدوا } أي فلزموا ما زين لهم ، أو فمكروا به حتى ضلوا{[44311]} في أنفسهم وصدوا غيرهم { عن السبيل } الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم ، فإن غيره جور وتيه وحيرة{[44312]} فهو عدم ، بل العدم أحسن منه ، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه ، فضلوا وأضلوا ، وليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم { ومن يضلل الله } أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلالة{[44313]} { فما له من هاد * }
قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، على سبيل الاحتجاج على المشركين الضالين والإزراء عليهم والتسفيه لأحلامهم . وهو قوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } القائم هنا بمعنى المتولي والمدبر . فيكون معنى الآية : أفمن هو عالم بأحوال العباد وما يكسبونه من الأعمال وهو رقيب على قلوبهم وسلوكهم فلا يعزب عن عمله شيء ؟ والجواب محذوف وتقديره : كمن هو هالك بائد لا يحفظ ولا يعلم ولا ينفع .
قوله : { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء } الجملة حالية . والشركاء ، الأصنام ، والتقدير : والحال أنهم جعلوا له شركاء ؛ فالله هو القائم بأرزاق هؤلاء المشركون ، المدبر أمورهم ، الرقيب على أفعالهم وقلوبهم وما يضمرون ، وقد جعلوا له شركاء مما خلق من الحجارة والأوثان .
قوله : { قُلْ سَمُّوهُمْ } يأمرهم بذكر أسماء أصنامهم التي يعبدونها وذلك على سبيل التهديد ، أو على سبيل التحقير والازدراء ؛ أي سموا هؤلاء الذين أشركتموهم في العبادة .
قوله : { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ } { أم } ، المنقطعة ، بمعنى بل وهمزة الاستفهام . أي بل أتنبئون الله بشركاء له في الأرض لا يعلمهم ، وهو العليم بما في السموات والأرض ؟ { أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ } بل أتسمونهم شركاء لله بباطل من القول وكذب ، أو تسمونهم شركاء بظاهر من القول المسموع وهو في الحقيقة باطل لا صحة له .
قوله : { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } أي ليس ما يفتريه المشركون من اصطناع الأوثان إلا الكذب والظلم والباطل ؛ فإنه ليس لله شريك البتة . بل زين لهؤلاء الضالين { مكرهم } وهو كفرهم وإشراكهم ؛ فقد زين لهم الشيطان ذلك . سواء في ذلك شيطان الجن أو البشر ؛ فكلهم شياطين يزينون للناس الكفر ويحسنون لأذهانهم ونفوسهم فعل المنكرات والمعاصي ، وينفرونهم من عقيدة التوحيد وعبادة الله وطاعته والإذعان أوامره أشد تنفير .
قوله : { وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } صدوا بضم الصاد ، على البناء للمفعول ؛ أي صدهم الله لفساد قلوبهم وسوء فطرتهم التي تنفر من الحق نفورا . تلك في الفطرة السقيمة التي لا تستجيب لنداء الرحمن ولا تتملى دعوة الحق والنور . أو صدهم الشيطان بمختلف أساليبه ووسائله وأسبابه . وتقرأ بالفتح على البناء للمعلوم ؛ أي أن المشركين الضالين المضلين قد صدوا الناس عن دين الله وحالوا بينهم وبين عقيدة التوحيد ومنهج الله بأساليب شتى من الإغراء والإغواء والتضليل ، أو الترهيب والإكراه والقسر .
قوله : { وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يعني من أضله الله عن إصابة الحق بخذلانه إياه ؛ فليس من أحد بعده يهديه لإصابة الحق . قال الزمخشري في تأويل ذلك : من يخذله الله لعلمه أنه لا يهتدي فماله من احد يقدر على هدايته{[2356]} .