{ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم على التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }
إلقاء الشيء : طرحت حبس تراه ، ثم استعمل في كل ما يطرح ويلقى مطلقا .
سبيل الله : هي طريق الخير والبر والمؤدي إلى إعزاز دينه كجهاد الأعداء وصلة الأرحام .
التهلكة : الهلاك ، والمراد به هنا الإمساك عن النفقة في الاستعداد للقتال وترك الجهاد .
وابذلوا المال في سبيل عزة الدين وإعلاء كلمة الإسلام وشراء الأسلحة وعدد الحرب المتطورة التي تماثل ما عند أعدائكم إن لم تزد عنها ولا تبخلوا على النفقة والجهاد لأن ذلك يمكن عدوكم منكم فيسيطر على ممتلكاتكم ومقدساتكم وإذا بخلتم للذل والهلاك في الدنيا ولعقاب الله في الآخرة .
وأحسنوا أعمالكم وأتقنوها وأدوها على أحسن وجه إن الله يحب المحسنين ، وفي الحديث الشريف :
" إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه ، قيل وما إتقانه يا رسول الله ؟ قال : إخلاصه من الرياء والبدعة " .
إن الآيات تحث على الجهاد وتنهى عن العدوان والاعتداء ، وتأمر بالإنفاق في سبيل الله . وتعتبر البخل والشح نوعان من الهلاك المعنوي ، كما أن ترك الجهاد في سبيل الله إهدار لمنهج الإسلام وخروج عن طريقته الحكيمة .
قال القرطبي : في هذه الآية ثلاث مسائل :
الأولى : روى البخاري عن حذيفة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . قال نزلت في النفقة .
" قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم بن أبى عمران قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم ، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة ابن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله أيلقي بيده إلى التهلكة . فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز ألإسلام ، وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح ؟ وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى : لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة ، فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه ، وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره ، والله أعلم " . ( 98 )
وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم فأفادهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق ، أو يكون عالة على الناس .
وسبيل الله هنا الجهاد ، واللفظ يتناول جميع سبله .
والباء بأيديكم زائدة ، التقدير تلقوا أيديكم .
ونظيره : { ألم يعلم بأن الله يرى } . ( العلق : 14 ) .
وقال المبرد : بأيديكم بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل( 99 ) كقوله : { فبما كسبت أيديكم } . ( الشورى : 30 ) بما قدمت يداك( الحج : 10 ) .
الثانية : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده .
وخلاصة الرأي : أنه إن علم ورغب على ظنه أن سيقتل من حمل وينجو فحسن ، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى بلاء حسنا أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا( 100 ) .
الثالثة : قوله تعالى : { وأحسنوا } أي في الإنفاق في الطاعة وأحسنوا الظن بالله في أخلاقه عليكم ، وقيل : وأحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات ، روى ذلك عن بعض الصحابة( 101 ) .
" ومضمون الآية : الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه الطاعات ، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء ، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم ، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده ، والإحسان أعلى مقامات الطاعة " ( 102 ) .
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن معنى الإحسان فقال : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ( 103 ) .
أي أن تخلص في عبادتك مراقبا ربك متيقنا أنك تشاهده وتراه ، فإن كنت لا تراه فإنه سبحانه مطلع عليك ، وهذا الإحساس يعمق في قلبك تقوى الله وطاعته .
ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك{[8360]} بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك{ الشيطان يعدكم الفقر{[8361]} }[ البقرة : 268 ] وقال الحرالي : ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي{[8362]} يحصل به الزكاء{[8363]} والنماء ، وأيضاً لما أسس{[8364]} تعالى{[8365]} حكم الجهاد الذي هو أشق{[8366]} الأعمال على النفس{[8367]} نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق{[8368]} منه على الأنفس ، ومن حيث إن{[8369]} القتال مدافعة يشتمل{[8370]} على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ {[8371]}بأعمال الغريزتين{[8372]} : الشجاعة والجود ، ولذلك{[8373]} كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن ، انتهى - فقال تعالى : { وأنفقوا{[8374]} } {[8375]}وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال{[8376]} : { في سبيل الله } {[8377]}أي الملك الذي كل شيء تحت قهره{[8378]} كما قال :
وقاتلوا في سبيل الله{[8379]} }[ البقرة : 190 ] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر ، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة{[8380]} فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً{[8381]} }[ البقرة : 265 ] قال الحرالي : فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء ، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك{[8382]} الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى . فقال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم } أي تسرعوا بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق { إلى التهلكة } من الهلاك{[8383]} وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء{[8384]} عليكم العدو فلا يقوم{[8385]} لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك ، {[8386]}وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك ، وقيل : إنه لا ثاني له{[8387]} في{[8388]} كلامهم ، وحقيقة{[8389]} أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها . وقال الحرالي : إحاطة الخطاب تقتضي أن{[8390]} التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على{[8391]} مبنى الإسلام فيتطرق{[8392]} إلى هدمه ، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار{[8393]} الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها{[8394]} كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى . وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال : حسن{[8395]} صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه : " إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه و{[8396]}قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن{[8397]} أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا في أموالنا ! فأنزل الله هذه الآية ، فكانت التهلكة الإقامة{[8398]} على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو " وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال : نزلت في النفقة " .
ولما كانت التوسعة{[8399]} في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه {[8400]}وبأن{[8401]} الله لا يحب المعتدين وكانت{[8402]} التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من{[8403]} {[8404]}أعلى خلال{[8405]} الإيمان قال تعالى : { وأحسنوا } أي{[8406]} أوقعوا{[8407]} الإحسان على العموم بما{[8408]} أفهمه قصر{[8409]} الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق{[8410]} وظنوا بالله الحسن {[8411]}الجميل ، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم{[8412]} { إن الله } الملك العظيم{[8413]} { يحب المحسنين } أي يفعل{[8414]} معهم {[8415]}كل ما يفعله{[8416]} المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين .
قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال ، وفي إشعاره حض{[8417]} الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها{[8418]} ، فكما{[8419]} كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار{[8420]} عند التمسك به عن وصفه{[8421]} ، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم{[8422]} .