تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

نقض العهد

( وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون( 63 ) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين64 ) (

المفردات :

الطور : هو الجبل المعروف الذي ناجى عليه موسى ربه تعالى ورفع الجبل فوق رؤوسهم كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لإجبارهم وإكراههم على العمل بما أوتوه . قال تعالى في سورة الأعراف : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع به . ( الأعراف : 171 ) . والنتق هو الهز والزعزعة والجذب والإقتلاع .

التفسير :

63- وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور . . . هذا بيان لنعمة أخرى أنعمها الله على اليهود مع بيان حالهم فيها عرض عليهم من التكاليف . أي واذكروا وقت أن أخذنا عليكم بأن تتبعوا موسى وتعملوا بالتوراة التي يجيئكم بها من عند الله . ورفعنا فوقكم الطور . تخويفا لكم .

فعن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر الله جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى أقبلوا ، لأنهم ظنوا أنه واقع بهم ( 171 ) .

خذوا ما أتيناكم بقوة . المراد من القوة : الجد والاجتهاد كما قال ابن عباس : أي قلنا لهم ، خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص ، فإن ذلك يدفعهم إلى النظر في الآيات حتى يقتنعوا ويحسنوا العمل .

وهنا سؤال وهو أنه يأخذ من الآية أن إيمانهم كان بالإلجاء والإكراه ، وهذا ينافي التكليف الذي يقوم على الاختيار ، فهو الذي يكون العقيدة الصحيحة المبينة على الإقناع ، ولهذا قال تعالى : لا إكراه في الدين ( البقرة256 ) . وقال لنبيه وكان حريصا على إيمان الناس : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( يونس99 ) .

والجواب أن الاختيار كان موكولا إليهم في كل عروض الإيمان عليهم ، ولما لم يمتثلوا ، كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعة القتال للكفار ، لإصلاح حالهم مع الله تعالى ، فإن الحكمة تدعوا إلى الأخذ بالقوة إذا فشل النصح والإرشاد ، ولهذا ينبغي أن يؤدب الوالد بالقوة ابنه المعوج السلوك إذا لم ينفع معه تكرار النصح حتى لا يستمر فساده ( 172 ) .

واذكروا ما فيه لعلكم تتقون : أي بعد أخذ الكتاب بقوة ادرسوا ما فيه وداوموا على تذكره حتى يرسخ في قلوبكم ، فإذا فعلتم ذلك صفت قلوبكم وارتقت في السلوك إلى ربكم ، وبهذا تصير نقية من أدران الرذائل ، راضية مرضية عند ربها . والعاقبة للتقوى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم{[2980]} أمره ترغيباً بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن ، تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور ، وعلموا{[2981]} أنه دافنهم إن عصوا ، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم ، لأن حقه الرد ، لأنه كالإيمان عند رؤية البأس لا إيمان بالغيب ، ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة الشريفة إلى حضرات الشيطان فأكرموا{[2982]} المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس أكباداً وأكثرهم جرأة وعناداً لا يرعوون{[2983]} لرهبة ولا يثبتون لرغبة ، فقال تعالى { وإذ } وأخصر{[2984]} من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله{[2985]} للعالم العامل المذعن كائناً من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة{[2986]} للعلم ، وما{[2987]} له سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه ، فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ { أخذنا } بما لنا من العظمة { ميثاقكم } بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي تثنية العهد تأكيداً كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي .

ورفعنا } و{[2988]}لما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاماً لهم بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان{[2989]} نزع الجار فقال{[2990]} .

{ وفوقكم الطور } ترهيباً لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم ، و{[2991]}عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كل جبل ينبت ، وكل جبل لا ينبت فليس بطور{[2992]} ، {[2993]}وقلنا{[2994]} لكم وهو مظل فوقكم { خذوا ما آتيناكم } من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة للكون في حضرتي " بقوة " {[2995]}أي بجد واجتهاد{[2996]} ، والقوة{[2997]} باطن القدرة ، من القوى وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي . ذ

{ واذكروا ما فيه }{[2998]} من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء{[2999]} {[3000]}الناسخ المنعوت فيه ذكراً يكون بالقلب فكراً وباللسان ذكراً .

{ لعلكم تتقون * }{[3001]} أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط . {[3002]}ولما كان التقدير{[3003]} : فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به{[3004]} خوفاً من أن يدفنكم{[3005]} بالجبل عطف عليه وأشار إلى أنه كان من حقه البعد عن تركه بأداة البعد{[3006]} .


[2980]:في ظ: فحم.
[2981]:في م: عملوا.
[2982]:في ظ وم ومد: فأكثروا.
[2983]:في م: لا يرعون.
[2984]:العبارة من هنا إلى "فقال وإذ" ليست في ظ.
[2985]:في م ومد: قبوله.
[2986]:ليس في م.
[2987]:في م: وقال المهائمي ثم أشار إلى أنهم لا يعلمون ذلك العمل ما لم يشدد عليهم هذا الميثاق فقال "وإذ أخذنا ميثاقكم" أي عهدكم الوثيق بتحمل الأحكام الشاقة من التوراة فأبيتم فشددنا عليكم 1 / 47. وقال أبو حيان: هذا هو الإنعام العاشر لأنه إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم، والميثاق ما أودعه الله تعالى العقول من الدلائل على وجوده وقدرته وحكمته وصدق أنبيائه ورسله، أو قوله "لا تعبدون إلا الله" ذكر ما بينهما أقوالا أربعة أخرا 1/ 143.
[2988]:العبارة من هنا إلى "نزغ الجار فقال" ليست في ظ.
[2989]:من م ومد وفي الأصل: إنسانا.
[2990]:سبب رفعه امتناعهم من دخول الأرض المقدسة أو من السجود أو من أخذ التوراة والزامها – أقوال ثلاثة، روى أن موسى لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم: خذوا والتزموها، فقالوا: لا، إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا فقال لهم: خذوها فقالوا: لا فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله وكذلك كان عسكرهم فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم نارا بين أيديهم فاحتاط بهم غضبه فقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل وغرقكم البحر وأحرقتكم النار، فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق وسجدوا على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق واحد – البحر المحيط 1 / 243.
[2991]:ليست في ظ.
[2992]:ليست في ظ.
[2993]:الطور وأصله الناحية ومنه طوار الدار، وقال مجاهد: هو جنس الجبل بالسريانية.
[2994]:من م ومد وظ وفي الأصل: قلت
[2995]:ليست في ظ.
[2996]:ليست في ظ.
[2997]:في ظ: فالقوة والقوة الشدة، وهذه المادة قليلة وهي أن يكون العين واللام واوين – قاله أبو حيان.
[2998]:ليست في ظ.
[2999]:ليست في ظ.
[3000]:ليست في ظ.
[3001]:أي رجاء أن يحصل لكم التقوى بذكر ما فيه، وقيل معناه لعلكم تنزعون عما أنتم فيه، والذي يفهم من سياق الكلام أنهم امتثلوا الأمر وفعلوا مقتضاه، يدل على ذلك "ثم توليتم من بعد ذلك" فهذا يدل على القبول والالتزام لما أمروا به، وظاهر هذا الإلحاء والمختار عند أهل العلم أن الله تعالى خلق لهم الإيمان والطاعة في قلوبهم وقت السجود حتى كان إيمانهم طوعا لا كرها – البحر المحيط 1 / 344.
[3002]:ليست في ظ.
[3003]:ليست في ظ.
[3004]:العبارة من هنا إلى "عطف عليه" ليست في ظ.
[3005]:في م: ندفنكم.
[3006]:زيد في ظ: في