تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ} (80)

78

80 - وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ .

اللبوس : الدروع .

البأس : الحرب .

ألان الله الحديد لداود عليه السلام ، وكان الحديد يلبس صفائح كما يلبس القميص ؛ فعلمه الله صناعة الزرد ؛ وهي حلقات تتشابك مع بعضها ويلبسها المحارب فتحمي صدره من السيوف والرماح .

ومعنى الآية : ألهمنا داود وعلمناه صناعة حلقات الحديد ؛ التي تتشابك مع بعضها فتكون درعا حصينة ؛ يلبسها المحارب ؛ فيتقي بها ضربات الأعداء في الحرب ؛ وقد تعلم داود عليه السلام صناعة الدروع بتعليم الله له ؛ حيث قال تعالى له : وقدر في السرد أي : اصنع الحلقة بتقدير محكم ؛ مناسب للمسمار الذي يربطها بالحلقة الأخرى .

لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ . لتحميكم وتحفظكم من حروبكم ، حيث تحفظ المقاتل من ضربة السيف ؛ وطعنة الرمح .

فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ .

على تيسير الله لكم نعمة الدروع ؛ والمراد : اشكروا الله على ما يسر لكم من هذه الصنعة ؛ التي ألانها الله لداود ؛ وجعله بارعا في صناعتها ، وتعلمها الناس منه جيلا بعد جيل ؛ وفيه دليل على أهمية الصناعة ، وفضل العمل والحرفة وأن الأديان السماوية تحث على العمل والإنتاج ؛ وتحارب البطالة والكسل ؛ فهذه سنة من سنن الله يترتب عليها اعمار الكون .

لقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ؛ فقد كان يصنع الدروع وكان أيضا يصنع الخوص ؛ ليأكل من كد يمينه ، فما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده .

وكان آدم حراثا يحرث الأرض ؛ وكان نوح نجارا يصنع السفن ، وكان إدريس ولقمان خياطين ؛ وطالوت دباغا ، أو سقاء ، وكل ذلك يدل على أن العمل منهج الأنبياء والصالحين ، وطريق المؤمنين الأقوياء .

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لأن يأخذ أحدكم حبله ، ثم يغدو إلى الجبل ، فيحتطب ، فيبيع ، فيأكل ، ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس )26 .

قال القرطبي في تفسيره ما ملخصه :

وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب ، لا قول الجهلة الأغبياء ؛ القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله في خلقه ؛ فمن طعن في ذلك ؛ فقد طعن في الكتاب والسنة ، وقد أخبر الله عن نبيه داود ؛ أنه كان يصنع الدروع ؛ وكان أيضا يصنع الخوص وكان يأكل من عمل يده . . . ؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ} (80)

ولما ذكر التسخير بالتسبيح ، أشار إلى تسخير الحديد الذي هو أقوى تراب الجبال وأصلبه وأصفاه{[51472]} فقال : { وعلمناه } أي بعظمتنا{[51473]} { صنعة لبوس } قال البغوي{[51474]} : وهو في اللغة اسم {[51475]}لكل ما{[51476]} يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها ، وهو كالجلوس{[51477]} والركوب . { لكم{[51478]} } أي لتلبسوه في حربكم ، وألنا له في عمله الحديد ليجتمع له إلى العلم سهولة العمل فيأتي كما يريد { لتحصنكم } أي{[51479]} اللبوس أو داود أو الله{[51480]} على قراءة الجماعة{[51481]} في حصن مانع ، وهو معنى قراءة النون {[51482]}الدال على مقام العظمة عند أبي بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب ، وقراءة أبي جعفر وابن عامر وحفص بالفوقانية للدروع نظراً إلى الجنس{[51483]} { من بأسكم } الكائن مما يحصل من بعضكم لبعض من شدائد الحرب لا من البأس كله { فهل أنتم شاكرون* } لنا على ذلك لتوحدنا{[51484]} وتؤمنوا بأنبيائنا ؛ قال البغوي{[51485]} : قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها{[51486]} وحلقها داود عليه السلام ، وكانت من قبل صفائح ، والدرع{[51487]} يجمع الخفة والحصانة{[51488]} .


[51472]:من ظ ومد وفي الأصل: اصفا.
[51473]:زيد من مد.
[51474]:راجع معالم التنزيل بهامش اللباب 4 / 247.
[51475]:من ظ ومد والمعالم وفي الأصل: لما.
[51476]:من ظ ومد والمعالم وفي الأصل: لما.
[51477]:من المعالم، وفي النسخ: كالحلوب.
[51478]:تكرر في الأصل فقط بعد "صنعة لبوس".
[51479]:سقط من ظ.
[51480]:العبارة من هنا إلى "مانع" ساقطة من ظ.
[51481]:بالياء – راجع نثر المرجان 4 / 716.
[51482]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51483]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51484]:في ظ: لتوحدنا.
[51485]:راجع معالم التنزيل بهامش اللباب 4 / 247.
[51486]:بهامش ظ: السرد: الخرز في الأديم والثقب ونسج الدرع واسم جامع للدروع وسائر الحلق.
[51487]:من ظ ومد والمعالم، وفي الأصل: الدروع.
[51488]:في ظ: الحصافة، وبهامشه: الحصافة: الإحكام.