اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ} (80)

الإنعام الثاني قوله :{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ } الجمهور على فتح اللام{[29162]} من «لَبُوسٍ » وهو الشيء المعد للبس قال الشاعر :

3730- أَلْبَسُ لكُلِّ حَالَةٍ لَبُوسَهَا *** إِمَّا نَعِيْمَهَا وَإمَّا بُوسَهَا{[29163]}

والمراد باللبوس هنا الدرع لأنها لا تلبس ، وهي في اللغة اسم لكل ما يلبس . ويستعمل في الأسلحة كلها ، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب{[29164]} والركوب .

وقرئ «لُبُوس » بضم اللام{[29165]} ، وحينئذ إما أنْ يكون جمع لُبْس المصدر الواقع موقع المفعول ، وإما أنْ لا يكون واقعاً موقعه ، والأول أقرب . و «لَكُمْ » يجوز أن يتعلق ب «عَلَّمْنَاه »{[29166]} ، وأن يتعلق ب «صَنْعَةَ » قاله أبو البقاء{[29167]} ، وفيه بُعْد . وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «لَبُوس »{[29168]} . قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وإنما كانت صفائح{[29169]} .

قوله : { لِتُحْصِنَكُم } . هذه لام كي{[29170]} ، وفي متعلقها أوجه :

أحدها : أن تتعلق ب «عَلَّمْنَاهُ »{[29171]} ، وهذا ظاهر على القولين الآخرين وأما على القول الثالث فيشكل ، وذلك أنه يلزم تعلق جر في جر متحدين لفظاً ومعنى . ويجاب عنه بأن يجعل بدلاً من «لَكُمْ » بإعادة العامل كقوله تعالى : { لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ }{[29172]} وهو بدل اشتمال ، وذلك أنَّ أنْ الناصبة للفعل المقدرة مؤولة وهي منصوبها بمصدر ، وذلك المصدر بدل من ضمير المخاطب في «لَكُمْ » بدل اشتمال ، والتقدير : وعلمناه صنعة لبوس لتحصنكم .

والثاني : أن تتعلق ب «صَنْعَةَ »{[29173]} على معنى أنه بدل من «لَكُم » كما تقدم تقريره وذلك على رأي أبي البقاء ، فإنه علَّق «لَكُمْ » ب «صَنْعَةَ »{[29174]} .

والثالث : أنها تتعلق بالاستقرار الذي تعلق به «لَكُمْ » إذا جعلناه صفة لما قبله{[29175]} . وقرأ الحرميان{[29176]} والأخوان{[29177]} وأبو عمرو : «لِيُحْصِنَكُمْ » بالياء من تحت{[29178]} ، والفاعل الله تعالى ، وفيه التفات{[29179]} على هذا الوجه ، إذ تقدمه ضمير المتكلم في قوله «وَعَلَّمْنَاهُ » . أو داود ، أو التعليم ، أو اللبوس{[29180]} . وقرأ حفص وابن عامر بالتاء من فوق{[29181]} ، والفاعل الصنعة أو الدرع ، وهي مؤنثة ، أو اللبوس ، لأنها يراد بها ما يلبس ، وهو الدرع ، والدرع مؤنثة كما تقدم{[29182]} .

وقرأ أبو بكر «لِنُحْصِنَكُمْ » بالنون{[29183]} جرياً على «عَلَّمْنَاهُ »{[29184]} . وعلى هذه القراءات الثلاث الحاء ساكنة والصاد مخففة . وقرأ الأعمش «لِيحَصِّنكم » وكذا النعيمي{[29185]} عن أبي عمرو بفتح الحاء وتشديد الصاد على التكثير إلاَّ أن الأعمش بالتاء من فوق وأبو عمرو بالياء من تحت{[29186]} وقُدِّمَ{[29187]} ما هو الفاعل{[29188]} .

فصل

معنى «لِنُحْصِنَكُم » أي : لنحرزكم ونمنعكم من بأسكم أي : حرب عدوكم{[29189]} .

وقال السُّديّ : من وقع السلاح فيكم{[29190]} . ذكر الحسن أن لقمان الحكيم -صلوات الله عليه- حضر داود وهو يعمل الدرع ، فأراد أن يسأله عمَّا يفعل ثم كف عن السؤال حتى فرغ منها ولبسها على نفسه ، فقال عند ذلك : الصمت حكمة وقليل فاعله{[29191]} . ثم قال تعالى : { فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } يقول لداود وأهل بيته وقيل : يقول لأهل مكة ، فهل أنتم شاكرون نعمي بالطاعة الرسول{[29192]} .


[29162]:انظر البحر المحيط 6/332.
[29163]:رجز قاله بيهس الفزاري، وهو في إصلاح المنطق 333، الكشاف 3/17 القرطبي 11/320، اللسان (لبس). شواهد الكشاف (140).
[29164]:في ب: كالمحلوب. وهو تحريف.
[29165]:البحر المحيط 6/332.
[29166]:انظر التبيان 2/923، البحر المحيط 6/332.
[29167]:التبيان 3/923.
[29168]:انظر التبيان 2/923، البحر المحيط 6/332.
[29169]:انظر البغوي 5/506.
[29170]:والفعل المضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة على مذهب البصريين وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها. انظر شرح الأشموني 3/292.
[29171]:انظر التبيان 2/124، البحر المحيط 6/332.
[29172]:[الزخرف: 33].
[29173]:انظر التبيان 2/924، البحر المحيط 6/332.
[29174]:التبيان 2/923.
[29175]:انظر التبيان 2/924، البحر المحيط 6/332.
[29176]:ابن كثير ونافع.
[29177]:حمزة والكسائي.
[29178]:السبعة (430) الكشف 2/112، النشر 2/324، الإتحاف (311).
[29179]:في الأصل: التفاوت. وهو تحريف.
[29180]:انظر الكشف 2/112، التبيان 2/924، البحر المحيط 6/332، الإتحاف (311).
[29181]:السبعة (430) الكشف 2/112، النشر 2/324، الإتحاف (311).
[29182]:انظر الكشف 2/112، التبيان 2/924، البحر المحيط 6/332، الإتحاف (311).
[29183]:السبعة (430) الكشف 2/112، النشر 2/324، الإتحاف (311).
[29184]:انظر الكشف 2/112، البيان 2/164، التبيان 2/924، البحر المحيط 6/332.
[29185]:النعيمي: سقط من ب.
[29186]:المختصر (92) البحر المحيط 6/332.
[29187]:في ب: وقد تقدم.
[29188]:في توجيه قراءة التخفيف.
[29189]:انظر البغوي 5/506، الفخر الرازي 22/200.
[29190]:انظر البغوي 5/506.
[29191]:انظر الفخر الرازي 22/200.
[29192]:في ب: الرسول عليه الصلاة والسلام.