تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا} (115)

المفردات :

يشاقق الرسول : يخالفه فيما أمر به ، أو نهى عنه .

نوله ما تولى : حقيقة معنى نوله : نجعله واليا ، يقال : تولاه . بمعنى : تقلده واضطلع به ، وولاه غيره . جعله واليا ، ومضطلعا بالأمر

والمعنى المقصود : هو أن توفيق الله تعالى- يتخلى عنه .

التفسير :

115-وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا .

المعنى : ومن يخالف الرسول فيما أمر به عن الله تعالى أو نهى عنه ، ويتبع غير طريق المؤمنين في عقيدته أو علمه ، بأن يكفر او يترك الواجبات ، أو يفعل المنهيات- من بعدما ظهر له ما يهديه من أدلة اليقين وأحكام الدين- نتركه وما تولاه وانصرف إليه ، وقام به من الكفر والمعاصي . . فلا نلطف به لصرف قواه إليه ، وعدم مراجعته نفسه فيه ، وندخله جهنم فليخلد فيها إن كان كافرا ويعاقب فيها قدر معصيته إن كان عاصيا . . وقبحت جهنم مصيرا !

فلا ينبغي لعاقل أن يقترف من المعاصي ما يجعلها مصيرا له ومآلا .

الأحكام :

استدل الإمام الشافعي- رضي الله عنه- بهذه الآية ، على أن الإجماع من أهل الحق حجة .

جاء في تفسير روح المعاني للالوسي 5/149 .

عن المزني أنه قال : " كنت عند الشافعي يوما ، فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا ، فلما رآه ذا مهابة ، استوى جالسا ، وكان مستندا إلى الأسطوانة {[95]} وسوى ثيابه : فقال الشيخ : ما الحجة في دين الله تعالى ؟ قال الشافعي : كتابه . قال : وماذا ؟ قال سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . قال : وماذا ؟ قال : اتفاق الأمة . قال : من أين هذا الأخير ؟ أهو في كتاب الله تعالى ؟ فتدبر الشافعي ساعة ساكتا فقال له الشيخ : أجلتك ثلاثة أيام بلياليهن ، فإن جئت بآية ، وإلا فاعتزل الناس . . فمكث ثلاثة أيام لا يخرج . وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر ، وقد تغير لونه ، فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس ، وقال : حاجتي : فقال : نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم . قال الله تعالى : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى . . الآية . فدلت الآية على أن إتباع سبيل المؤمنين فيما يذهبون إليه من الأحكام فرض ؛ لورود الوعيد فيمن لم يتبع سبيلهم . قال الشيخ : صدقت وقام وانصرف {[96]} .

والآية لا تفيد الخلود في النار لمن يرتكب المعاصي ، بل تفيد عقوبتهم بالصيرورة إلى النار ، وذلك لا يقتضي التأبيد ، خلافا لمن زعم ذلك من الخوارج ، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر خالد في النار ، ويجسم دعواهم قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . .

روى الترمذي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه أنه قال : ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . .

وفيما يلي نص تفسيرها .


[95]:الساريه أو العمود.
[96]:روى عنه: أنه قرأ القرآن ثلاث مرات يتفقد هذا الحكم حتى ظفر به.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا} (115)

ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم على الموافقة ، رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة ، و{[22724]}وكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى : { ومن يشاقق الرسول } أي الكامل في الرسلية ، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته على وجه المقاهرة ، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد بالاستمرار ، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة ، ولأن السياق لأهل الأوثان وهم مجاهرون ، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سبباً لنزول الآية في آخر قصته{[22725]} - كما مضى .

ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها ، لا في سياق الملة المعلومة بالعقل ، {[22726]}أتى ب " من " {[22727]} تقييداً للتهديد{[22728]} بما بعد الإعلام بذلك فقال : { من بعد ما } ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد بالمشاققة . ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الظهور قال : { تبين له الهدى } أي الدليل الذي هو سببه .

ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر{[22729]} إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة ، عبر بعد التبين{[22730]} بالاتباع فقالك { ويتبع غير سبيل } أي طريق { المؤمنين } أي الذين{[22731]} صار الإيمان لهم صفة راسخة ، والمراد الطريق المعنوي ، وجه الشبه الحركة البدنية الموصلة إلى المطلوب في الحسي ، والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى المطلوب في المعنوي { نوله } أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة { ما تولى } أي نكله{[22732]} إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلاناً منا له { ونصله } أي في الآخرة { جهنم } أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم .

ولما كان التقدير : فهو صائر إليها لا محالة ، بين حالها في ذلك فقال : { وساءت مصيراً * } وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا على مخالفة الحق ، وكذا حديث " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله - وفي رواية : ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله " رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة ، بعض أحاديثهم في الصحيحين ، وبعضها في السنن ، وبعضها في المسانيد ، وبعضها في المعاجيم وغير ذلك ؛ ووجه الدلالة أن الطائفة{[22733]} التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالحق في جملة أهل{[22734]} الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق .


[22724]:زيدت الواو من مد.
[22725]:في ظ: قصة.
[22726]:في ظ: أتى من.
[22727]:في ظ: أتى من .
[22728]:في ظ: لتهديد.
[22729]:في ظ: لا يكفو ـ كذا.
[22730]:من مد، وفي الـأصل وظ: التبيين.
[22731]:في ظ: الذي.
[22732]:في ظ: بكلمة ـ كذا.
[22733]:في ظ: المطابقة.
[22734]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعلى.