تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ} (22)

21

المفردات :

ففزع منهم : الفزع : انقباض يعتري الإنسان من الشيء المخيف .

بغى بعضنا : جار وظلم .

ولا تشطط : الشطط : مجاورة الحق في كل شيء ، يقال : شط فلان على فلان في الحكم ، واشتط ، إذا ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل .

واهدنا : دلّنا وأرشدنا .

سواء الصراط : الطريق السوّي .

التفسير :

22-{ إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط } .

فما إن دخلوا على داود حتى فزع خوفا منهم ، فهو متفرغ للعبادة ، وحوله حراس ، ولم يأتوه من الباب ، ولم يستأذنوا في الدخول عليه ، ولم يأتوه في اليوم الذي يجلس فيه للقضاء ، فظن أنهم يريدون به سوءا ، كالقتل أو الإيذاء ، لكنهم بادروه مطمئنين ، وقالوا له : لا تخف منا ، فما أردنا بك سوءا لكن قصدناك لتقضي بيننا في خصومة ، فنرجو أن تحكم بيننا بالحق والعدل ، ولا تبتعد بالإنصاف إلى الشطط والجور ، وأرشدنا إلى الطريق السوّي الذي نتبعه ، فقد بغى أحدنا على الآخر ، ويبدوا أن الذي كلم داود وطلب منه الحكم بالعدل ، والبعد عن الجور والظلم ، وهو ذلك الخصم الذي شعر بمرارة الظلم وفداحته ، فلم يتلطف في القول ، وتجرأ في أمر داود بالحكم بالعدل والبعد عن الشطط ، وكان نبي الله داود مثلا يحتذى ، ونموذجا يقتدى به في احتمال خطأ الخصوم ، والصبر والاحتمال والحلم والابتعاد عن الغضب .

من تفسير القرطبي

قال القرطبي :

فإن قيل : لِمَ فزع داود وهو نبي ، وقد قويت نفسه بالنبوّة ، واطمأنت بالوحي ، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة ، وأظهر على يديه من الآيات وكان من الشجاعة في غاية المكانة ؟

قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله ، لم يأمنوا القتل والأذية ، ومنهم من كان يخاف ، ألا ترى إلى موسى وهارون – عليهما السلام – كيف قالا : { إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } . [ طه : 45 ] أي : فرعون ، فقال الله لهما : { لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } . [ طه : 46 ] .

ويمكن أن نزيد على الكلام القرطبي ما يأتي : إن داود جاء في أعقاب موسى ، وقد اعتدى بنو إسرائيل على الأنبياء بالقتل .

قال تعالى : { سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغر حق . . . } [ آل عمران : 181 ] .

وقال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق . . . } [ النساء : 155 ] .

 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ} (22)

{ إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط }

{ إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف } نحن { خصمان } قيل فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجميع ، وقيل اثنان والضمير بمعناهما ، والخصم يطلق على الواحد وأكثر ، وهما ملكان جاءا في صورة خصمين وقع لهما ما ذكر على سبيل الغرض لتنبيه داود عليه السلام على ما وقع منه وكان له تسع وتسعون امرأة وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها { بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } تَجُرْ { واهدنا } أرشدنا { إلى سواء الصراط } وسط الطريق الصواب .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ} (22)

وقوله : { إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ . . . } بدل مما قبله . والفزع : انقباض فى النفس يحدث للإِنسان عند توقع مكروه .

أى : أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا المحراب ، دخلوا على داود ، فخاف منهم ، لأنهم أتوه من غير الطريق المعتاد للإِتيان وهو الباب ، ولأنهم أتوه فى غير الوقت الذى حدده للقاء الناس وللحجكم بينهم ، وإنما أتوه فى وقت عبادته .

ومن شأن النفس البشرية أن تفزع عندما تفاجأ بحالة كهذه الحالة .

قال القرطبى : فإن قيل : لم فزع داودو وهو نبى ، وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحى ، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة ، وأظهر على يديه من الآيات ، وكان من الشجاعة فى غاية المكانة ؟

قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله ، لم يأمنوا القتل والأذية ، ومنهما كان يخاف .

ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا : { إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى } - أى : فرعون - ، فقال الله لهما : { لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى } ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهدوا عليه أمارات الوجل والفزع ، فقال : { قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط } . .

والبغى : الجور والظلم . . وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد .

والشطط : مجاوزة الحد فى كل شئ . يقال : شط فلان على فلان فى الحكم واشتط . . إذى ظلم وتجاوز الحق إلى الباطل .

وقوله : { خَصْمَانِ } خبر لمبتدأ محذوف أى : نحن خصمان . والجملة استئناف معلل للنهى فى قولهم : { لاَ تَخَفْ } أى : قالوا لداود : لا تخف ، نحن خصمان بغى بعضنا على بعض ، فاحكم بيننا بالحكم الحق ، ولا تتجاوزه إلى غيره ، { واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط } أى : وأرشدنا إلى الطريق الوسط ، وهو طريق الحق والعدل .

وإضافة سواء الصراط ، من إضافة الصفة إلى الموصوف .