{ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ( 30 ) } .
30- قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ .
سلك القرآن مسلك التربية السليمة في الحفاظ على سلامة الأنفس والأعراض ، واستقرار النفوس ، وسلامة الوجدان ، وقد أمر الله المؤمنين بغض البصر عن المحرمات ، وحفظ الفروج عن الزنا ، وهذا أطهر للنفوس وأدعى إلى السعادة والعزة . فمن أطاع الله ؛ أطاع الله له كل شيء ، ومن أعرض عن طريق الله ؛ غلبته شهواته ، وتحكمت فيه نزواته .
ومما يتعلق بهذه الآية ما يأتي :
1 – للعلماء كلام طويل في فوائد غض البصر ، فالنظر هو النافذة التي تربط الإنسان بالحياة ، والحياة بالإنسان ، فإذا استقام القلب عف البصر ، وإذا غض المؤمن بصره استقام قلبه ، قال الشاعر :
كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقبلها *** في أعين العين موقوف على الخطر
كم نظرة فعلت في قلب فاعلها *** فعل السهام بلا قوس ولاوتر
يسر ناظره ما ضر خاطره *** لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
2 – غض البصر : إطباق الجفن على الجفن ، أو خفض الجفن الأعلى وإرخاؤه . ومن الثاني قول كعب ابن زهير :
وما سعاد غداة البين إذا رحلوا *** إلا أغن غضيض الطرف مكحول
فلا يريد أنها مغمضة عينها مطبقة أجفانها ، بل أنها خافضة الطرف من الحياء والخفر ، ويقال : غض بصره ، يغضه ، غضا ، قال الشاعر :
فغض الطرف أنك من نمير *** فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
ولم يذكر الله ما يغض البصر عنه ، ويحفظ الفرج ، غير أن ذلك معلوم بالعادة ، وأن المراد منه المحرم دون المحلل121 . وفي البخاري : وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن ؟ قال : اصرف بصرك ، يقول الله تعالى : قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ . . . 122 .
3 – معنى الغض في اللغة : النقص والخفض والوضع ، فيقال : غض من قدره ، أي : خفض ونقص ووضع قدره ، وغض الغصن أي : كسره123 . والمراد بغض البصر في الآية : ألا ينظر بملء العين ، وأن يكف النظر عما لا يحل له ، بخفضه إلى الأرض أو بصرفه إلى جهة أخرى ، وكلمة : من . في : من أبصارهم . للتبعيض ، أي : أن الله تعالى لا يأمركم بصرف كل نظر من أنظاركم ، وإنما يأمركم بصرف بعضها ، والمراد : صرف نظر الرجال إلى النساء ، أو إلى عورات غيرهم ، أو إلى المناظر الفاحشة ، فلا يحل لرجل أن ينظر إلى امرأة غير زوجته أو محارمه من النساء ، أما النظرة المفاجئة مرة واحدة فلا مؤاخذة عليها .
إنما دخلت من . في غض البصر دون حفظ الفرج ، للدلالة على أن أمر النظر أوسع ، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضائهن وسوقهن وأقدامهن ، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع ، وأن الأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها ، وأما أمر الفرج فمضيق ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه .
وقد اختلف في المراد بحفظ الفرج ، فقيل : إن معناه تجنب الزنا واللواطة ، وقيل : إن المراد ستره ، فلا يحل للمؤمن أن يكشف عن سوأته ، ولا أن يلبس لباسا رقيقا يشف عما تحته ويبين عورته ، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا124 .
البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ، ووجب التحذير منه ، وغضه واجب عن جميع المحرمات ، وكل ما يخشى الفتنة من أجله ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إياكم والجلوس على الطرقات ) فقالوا : يا رسول الله ، مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ، فقال : ( فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ) . قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر )125 رواه أبو سعيد الخدري ، وأخرجه البخاري ومسلم .
وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نظرة الفجاءة ؛ فأمرني أن أصرف بصري . وهذا يقوى قول من يقول : إن من . للتبعيض ، لأن النظرة الأولى لا تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف ، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودا ، فلا تكون مكتسبة ، فلا يكون مكلفا بها فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك في الفرج ، لأنه يملك .
ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ، وزمانه خير من زماننا هذا ، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرم نظرة شهوة يرددها126 .
حفلت كتب السنة المطهرة بتوجيهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين والمؤمنات بغض البصر والعفة والنزاهة ، وقد أورد ابن كثير وغيره من المفسرين طائفة من هذه الأحاديث ، ومنها ما يأتي :
عن بريدة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي ، لا تتبع النظرة النظرة ؛ فإن لك الأولى وليس لك الأخرى )127 . رواه الترمذي ، وأحمد ، وأبو داود ، والدارمي . وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يقول الله عز وجل : إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه )128 أخرجه الطبراني .
وعن أبي أمامة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره ؛ إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها )129 رواه الإمام أحمد في مسنده .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك )130 ، أخرجه أحمد ، وأصحاب السنن وعن عبد الله بن عباس قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ؛ فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر131 رواه البخاري ، والترمذي ، وأبو داود .
6 – هذا الأمر بغض البصر قد استثنيت منه صور تعرض للإنسان فيها حاجة حقيقية للنظر إلى وجه المرأة ، فإذا أراد مثلا أن ينكح امرأة ، فليس له أن ينظر إليها فحسب ، بل هو مستحب له على الأقل ، فعن المغيرة بن شعبة قال : خطبت امرأة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( نظرت إليها ) ؟ قلت : لا . قال : ( فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )132 . رواه مسم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، والدارمي .
وعن أبي هريرة – رضي اله عنه – أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا )133 .
وعن أبي حميد أنه – عليه الصلاة والسلام – قال : إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها ، إذا كان إنما ينظر للخطبة )134 . رواه أحمد .
وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعو إلى نكاحها فليفعل )135 رواه أبو داود ، وأحمد .
ومن هنا أخذ الفقهاء ، أن هناك صورا أخرى يجوز فيها للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة ، كالنظر إلى امرأة مشتبهة عن تحقيق الجرائم ، أو نظر القاضي إلى وجه المرأة عند تحقيق الشهادة ، أو نظر الطبيب إلى وجه المرأة للمعالجة .
7 – من مقاصد الأمر بغض البصر ألا ينظر الإنسان إلى عورة غيره ، كما قال تعالى : ويحفظوا فروجهم . . . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ) . رواه مسلم ، وأحمد ، وأبو داود ، والترمذي . وعن علي – رضي الله عنه – قال136 : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت )137 رواه أبو داود ، وابن ماجة .
وقد مر بنا أن المراد بقوله تعالى : ويحفظوا فروجهم . البعد عن الزنا وما يلحق به ، أو عدم كشف العورة ، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا .
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته ، كما صح عنه ذلك في رواية للدارقطني والبيهقي ، فلا يحل للرجل أن يكشف هذا الجزء من جسده إلا أمام زوجته . عن جرهد الأسلمي من أصحاب الصفة – رضي الله عنه – أنه قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندنا وفخذي منكشفة ، فقال : ( أما علمت أن الفخذ عورة )138 ؟ رواه أبو داود ، ومالك ، والترمذي .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ) فسأله السائل : يا رسول الله ، فإن كان أحدنا خاليا ؟ قال : ( فالله – تبارك وتعالى – أحق أن يستحيى منه )139 رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة140 .
تلك نظم الإسلام شرعها الله العليم بالنفس البشرية ، الخبير بما يناسبها . وفي العصر الحديث شاهدنا نظريات تشجع العرى والاختلاط ، والانطلاق وراء الغريزة ، وشاهدنا دولا تبنت هذه الأفكار والآراء ، ثم عادت تشكو من الإرهاق النفسي والحسي ، ومن كثرة الأمراض العصبية وغيرها . لأن الإنسان إنسان ، لا غنى له عن القيود والضوابط ، حتى يشبع غريزته في طريق مشروع ، فالإسلام لم يصدم الغريزة ، ولكنه هذبها ووضع لها الطرق السليمة ، التي تكفل إشباعها في الحلال وإبعادها عن الحرام ، وفي وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول القرآن :
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . ( الأعراف : 157 ) .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل للمؤمنين يغضوا} يخفضوا {من أبصارهم}... يعني: يحفظوا أبصارهم كلها عما لا يحل النظر إليه، {ويحفظوا فروجهم} عن الفواحش {ذلك} الغض للبصر، والحفظ للفرج {أزكى لهم} يعني: خيرا لهم، من أن لا يغضوا الأبصار، ولا يحفظوا الفروج.
ثم قال عز وجل: {إن الله خبير بما يصنعون} في الأبصار والفروج...
كل شيء من حفظ الفرج في كتاب الله فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر، فذلك ما فرض الله على العينين من غض البصر، وهو عملهما، وهو من الإيمان. (مناقب الشافعي: 1/390-391.) ــــــــــــ
وإذا أراد أن يتزوج المرأة فليس له أن ينظر إليها حاسرة، وينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية، بإذنها وبغير إذنها، قال الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الوجه والكفان. (مختصر المزني ص: 163)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"قُلْ للمؤْمِنينَ" بالله وبك يا محمد "يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ "يقول: يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه.
"وَيحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" أن يراها مَنْ لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. "ذلكَ أزْكَى لَهُمْ" يقول: فإنّ غضها من النظر عما لا يحلّ النظر إليه وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين، أطهر لهم عند الله وأفضل.
"إنّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غضّ أبصاركم عما أمركم بالغضّ عنه وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له...
قال ابن زيد، في قوله: "قُلْ للْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ" قال: يغضّ من بصره: أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، إذا رأى ما لا يحلّ له غضّ من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغضّ بصره كله، إنما قال الله: "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ".
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} يكفّوا {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} عن النظر الى مالا يجوز، واختلفوا في قوله {مِنْ} فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أُمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} عمّن لا يحلّ.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
يعني بحفظ الفرج عفافه، والعفاف يكون عن الحرام دون المباح،ولذلك لم يدخل فيه حرف التبعيض كما دخل غض البصر...المراد بحفظ الفروج في هذا الموضع سترها عن الأبصار حتى لا تُرى.
أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :
{قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُم}، الآية: [30]: فلم يذكر تعالى ما يغض البصر منه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، أن المراد به المحرم غير المحل. فإن قيل: فهذا الخطاب خاصة للمؤمنين، أو يدخل معهم سائر المكلفين؟ فالجواب أن ظاهره للمؤمنين، ولكن المراد به كل الناس، من حيث علم أن ما يحل من ذلك وما يحرم لا تختلف أحوالهم فيه، وغض البصر قد يجب على كل حال في أمور، وقد يجب في حال دون حال في غيرها، فما ثبت أنه عورة، فغض البصر عنه واجب، وما ليس بعورة، فيجب أيضاً كذلك، إلا لغرض صحيح، فإنه يباح عند ذلك.
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
اعلم أني تأملت هذه الآية فوجدت فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة: تأديب وتنبيه وتهديد. فأما التأديب: فقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ولابد من امتثال أمر السيد والتأدب بأدبه، وإلا فيكون سيء الأدب فيحجب، فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة، فافهم هذه النكتة، وتأمل ما تحتها، فإنها فيها ما فيها. وأما التنبيه: فقوله تعالى: {ذلك أزكى لهم} ويطلق على معنيين والله أعلم؛ أحدهما: إن ذلك أطهر لقلوبهم، الزكاة: الطهارة، والتزكية: التطهير، والثاني: ذلك أنمى لخيرهم وأكثر، والزكاة في الأصل: النمو، فنبه على أن في غض البصر تطهير إلى ما لا يعنيك...وأما التهديد فقوله تعالى: {إن الله خبير بما تصنعون} (منهاج العابدين: 133-135)
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
من للتبعيض، والمراد غضّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحلّ وجوّز الأخفش أن تكون مزيدة، وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع... وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه، وحظر الجماع إلاّ ما استثنى منه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {من أبصارهم} أظهر ما في {من} أن تكون للتبعيض، وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض. ويصح أن تكون {من} لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، و «حفظ الفروج» يحتمل أن يريد في الزنى ويحتمل أن يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر...
اعلم أنه تعالى قال: {قل للمؤمنين} وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له، لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
غض البصر: أطبق الجفن على الجفن بحيث تمتنع الرؤية...
{ويحفظوا فروجهم} أي من الزنا ومن التكشف.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة، ولذلك اتصل به على طريق الاستئناف قوله تعالى؛ مقبلاً على أعلى خلقه فهماً وأشدهم لنفسه ضبطاً دون بقيتهم، إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام، مخوفاً لهم بالإعراض عنهم، بالتردي برداء الكبر، والاحتجاب في مقام القهر: {قل للمؤمنين} فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة على الاحتراز من المخالط بعد الخلطة، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه لخفاء الخيانة حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب "الذين آمنوا "{يغضوا} أي يخفضوا ولا يرفعوا، بل يكفوا عما نهوا عنه.
ولما كان الأمر في غاية العسر، قال: {من أبصارهم} بإثبات من التبعيضية إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، ولما كان البصر يريد الزنا قدمه.
ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر، ولأنه لا يفعل به من غير اختبار، حذف "من" لقصد العموم فقال: {ويحفظوا فروجهم} أي عن كل حرام من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء عنه بما سبق في المؤمنون، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد، ورغب في ذلك بتعليله بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ الذي أمرتهم به {أزكى لهم} أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حساً ومعنى، ويبارك لهم...
ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، وكان ظاهراً جداً في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي ربما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح بما أفهمه من الطهارة.
ولما كان المقام صعباً لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل هذا الأمر مرغباً ومرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من الإحاطة الكاملة {خبير} ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعاً عظيماً فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: {بما يصنعون} أي وإن تناهوا في إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} عن الوطء الحرام، في قبل أو دبر، أو ما دون ذلك، وعن التمكين من مسها، والنظر إليها. {ذَلِكَ} الحفظ للأبصار والفروج {أَزْكَى لَهُمْ} أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، كان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا سماه الله حفظا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن، وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أتى بأداة "من "الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك. ثم ذكرهم بعلمه بأعمالهم، ليجتهدوا في حفظ أنفسهم من المحرمات.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين. فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي. والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري... كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة. فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب!!!... (قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم. ذلك أزكى لهم. إن الله خبير بما يصنعون).. وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام. كما أن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية. ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم! وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر. أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى. ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة؛ بوصفهما سببا ونتيجة؛ أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع. كلتاهما قريب من قريب. (ذلك أزكى لهم).. فهو أطهر لمشاعرهم؛ وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط. وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها، وجوها الذي تتنفس فيه. والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية؛ وهو العلم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري، الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم: (إن الله خبير بما يصنعون)..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها. والغض: صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر. ويكون من الحياء...والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى. فلما كان ذريعة له قصد المتذرع إليه بالحفظ تنبيهاً على المبالغة في غض الأبصار في محاسن النساء. فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين. واسم الإشارة إلى المذكور، أي ذلك المذكور من غض الأبصار وحفظ الفروج. واسم التفضيل بقوله: {أزكى} مسلوب المفاضلة. والمراد تقوية تلك التزكية لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة. وذيل بجملة: {إن الله خبير بما يصنعون} لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه الأمر من الغض والحفظ لأن المقصد من الأمر الامتثال.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
غض البصر هو النقص من النظر بحيث لا يمعن بالنظر، ولا يحاول أن يتقصى أطراف من ينظر إليه، و (من) في قوله تعالى: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} إما أن نقول: إنها لتقوى الأمر بالغض، أي غضوا أبصاركم أيّ غض، فلا تمعن في شيء من النساء، وإما أن نقول إنها للتبعيض، أي تغض من بعض بصرك، والبعض الذي يغض عنه هو الإمعان والتتبع، والاستمرار في النظر حتى تغيب عنه، لا ينفلت بنظره عنها، فذلك هو المطلوب من الغض، أما نظر الفجأة فمعفو عنه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتبع النظرة النظرة، فإنما الأولى لك والثانية عليك)... {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} هذا النص فيه تهديد وتبشير، فيه تبشير للأخيار إن استقاموا على الطريقة المستقيمة وفيه إنذار للفجار، لأنه سبحانه عليم علما دقيقا بما يصنعه كل واحد من الناس، و {يصنعون} أدق في الدلالة على العمل من: يعملون؛ لأن يصنع معناها يفعله ويصير عادة له كعادة الصانع في صنعته.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم). وكلمة «يغضوا» مشتقّة من «غضّ» من باب «ردّ» وتعني في الأصل التنقيص، وتطلق غالباً على تخفيض الصوت وتقليل النظر. لهذا لم تأمر الآية أن يغمض المؤمنون عيونهم. بل أمرت أن يغضّوا من نظرهم. وهذا التعبير الرائع جاء لينفي غلق العيون بشكل تام بحيث لا يعرف الإِنسان طريقه بمجرّد مشاهدته امرأة ليست من محارمه، فالواجب عليه أن لا يتبحّر فيها، بل أن يرمي ببصره إلى الأرض، ويصدق فيه القول أنه غضَّ من نظره وأبعد ذلك المنظر من مخيلته. وممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يحدد الشيء الذي يستوجب غضّ النظر عنه، أي أنه حذف متعلّق الفعل ليكون دليلا على عموميته. أي غضّ النظر عن جميع الأشياء التي حرم الله النظر إليها. ولكن سياق الكلام في هذه الآيات، وخاصّة في الآية التالية التي تتحدث عن قضية الحجاب، يوضح لنا جيداً أنها تقصد النظر إلى النساء غير المحارم، ويؤكّد هذا المعنى سبب النّزول الذي ذكرناه سابقاً. ويتّضح لنا ممّا سبق أن مفهوم الآية السابقة ليس هو حرمة النظر الحاد إلى النساء غير المحارم، ليتصور البعض أنَّ النظر الطبيعي إلى غير المحارم مسموح به، بل إن نظر الإنسان يمتدّ إلى حيّز واسع ويشمل دائرة واسعة، فإذا وجد امرأة من غير المحارم عليه أن يخرجها عن دائرة نظره. وألاّ ينظر إليها، ويواصل السير بعين مفتوحة، وهذا هو مفهوم غضّ النظر. (فتأملوا جيداً).